- أسباب اختيار الموضوع.
- الدراسات السابقة.
- خطة البحث.
- منهج البحث.
- الشكر والتقدير.
الافتتاحية.
الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام دينا، وجعلنا لسيد المرسلين من المتبعينَ، وأشهد ألّا إلاه إلا الله وليُ المتقينَ، أرسل الرسلَ وأنزل الكتبَ لهداية الخلق أجمعينَ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بشَّرَ العلماء والمتفقهين، فقال: «من يُرِد الله به خيرا يُفقِّه في الدين» (١)، ﷺ ما اختلف المَلَوان وما تعاقب الزمان، وعلى آله وصحبه الغر المحجّلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فإن من مِنَنِ الله على البشرية جمعاء، إرساله ﷿ رسلا وأنبياء لهداية الخلق، يأمرونهم بعبادة الواحد الأحد الصمد، وينهونهم عن عبادة ما سواه، فمن سلك سبيلهم فاز ورشد، ومن زاغ عن هديهم خاب وخسر.
وقد ختم الله هذه السلسلة المباركة بسيد المرسلين وخاتم النبيين؛ نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢)، وقال - ﷺ -: «وأنا خاتم النبيين، لا نبيَّ بعدي» (٣)، فإنه - ﷺ - جاء بشريعة حنيفية سمحة ليلها كنهارها، وأكمل الله به الدين والتشريع، وشَرَّفَ من جاء بعده من العلماء والفضلاء بتبليغ هذه الشريعة إلى الخلق أجمعين، فقال - ﷺ -: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارا ولا درهما إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم ١/ ٤٢ رقم ٧١، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
(٢) سورة الأحزاب: الآية: ٤٠.
(٣) الجزء الأول من الحديث متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب المناقب، ٢/ ٥١٣ رقم ٣٥٣٥، باب خاتم النبيين - ﷺ -، ومسلم في كتاب الفضائل، ٤/ ١٧٩١ رقم ٢٢٨٦، باب ذكر كونه خاتم النبيين، وأخرجه بكامله أبو داود في كتاب الفتن، ٤/ ٢٩٠ رقم ٤٢٥٢، باب ذكر الفتن ودلائلها، والترمذي في أبواب الفتن، ٤/ ٧٦ رقم ٢٢١٩، باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون، وقال: "هذا حديث صحيح"، وأحمد في المسند ٥/ ٢٧٨ رقم ٩١٦٧.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب العلم، ٤/ ٣٩ رقم ٣٦٤٣، باب الحث على طلب العلم، والترمذي في أبواب العلم، ٤/ ٤١٤ رقم ٢٦٨٢، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، وهذا لفظه، وابن ماجه في المقدمة، ١/ ٨١ رقم ٢٢٣، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/ ١٠٧٩ رقم ٦٢٩٧.
[ ٢ ]
وإن من أشرف العلوم التي ورِثَها العلماء عن سيد ولد آدم أجمعين، علم الفقه في الدين، إذ به يُعرف الحلال والحرام، وتُردُّ الحقوق إلى الأنام، ويعبد المسلم ربه على بصيرة، فيكون لربه من العابدين، ولنبيه من المتبعين، وعن سبيل أهل الضلال والبدع من النائين، فحاجة المسلم إليه كحاجته إلى الماء، والغذاء، والهواء؛ لبقاء الحياة.
وممن سخره الله ﷾ لهذا العلم الجليل والشرف العظيم، العالِم المحدِّث الفقيه: أبو الحسن عبيد الله الرحماني المباركفوري صاحب: "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"، الذي يُعدّ عَلَمًا من أعلام عصره، وكان حلقةً فريدةً من السلسلة الذهبية لمعشر المحدثين في الهند (١).
وكيف لا يكون كذلك وقد كان من علية العلماء المحدثين، وصاحب الباع الطويل في الفقه، وصاحب الحظّ الوافر في إبراز المسائل الفقهية على ما يقتضيه الدليل، ومن قرأ كتابه مرعاة المفاتيح عَلِم عِلْم اليقين أن الشيخ كان محدثًا، وفقيهًا، وأصوليا، ولغويا بارعا، وقد بذل جهده، وسخّر الغالي والنفيس في خدمة هذا الدين، ونشر الفقه الصافي، وتخليصه من أدران التعصب والتطرف، فكان له الأثر البالغ في إحياء كثير مما اندرس في جانب الفقه والحديث، وأضحت له آراء يعتدّ بها في الفقه، واختيارات هي نتاج مجتهد متبع للدليل مستفرغ الجهد في معرفة الحق واتباعه.
ومن المعلوم أن الاختيارات الفقهية من العلوم التي اهتم بها العلماء قديما وحديثا، فهذا الإمام الفاضل أبو يوسف من تلامذة الإمام أبي حنيفة؟ صنف كتاب: "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى"، جمع فيه ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى من المسائل، ثم أخذه عنه الإمام محمد بن الحسن، ثم نقله الإمام الشافعي عن محمد بن الحسن وذكر فيه اختياره، وهو الكتاب المسمى بـ: "اختلاف العراقيين".
_________________
(١) ينظر: مجلة المحدث الشهرية بالأردية تصدر من بنارس الهند العدد ١٦٨ - ١٦٩ عام ١٤١٧ هـ ص ٩.
[ ٣ ]
وهذا الحافظ العلاَّمة شمس الدين محمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ، الذي جمع اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم نظمها من بعده الشيخ العالم الفاضل سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان العسيري، النجدي المتوفى سنة: ١٣٤٩ هـ، وغير ذلك كثير.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس في هذا الموضوع، حيث قال: "من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضا" (١).
ويعدّ الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري من خير من طَبَّقَ هذا المنهج القويم في مؤلفاته، فتجد أنه لا يمر بمسألة من المسائل سواء كانت المسألة عقديةً، أو فقهيةً إلا وينبه على الصحيح منها بالأدلة، كما ينبه على ما هو مرجوح بالحجة والبرهان، وكان هدفه الأسمى ترجيح ما يؤيِّده الدليل سواء وافق فيه السواد الأعظم أو خالفهم، فالعبرة عنده بالدليل لا بقول القائل، وهذا هو شأن المحققين من العلماء الذين امتن الله عليهم بالتبحر في العلم والتعمق في الفهم.
ومن هنا كثرت عنده الاختيارات والترجيح في المسائل الفقهية، فكان من حقه علينا جمع اختياراته وتقديمها لعموم المسلمين، للاطلاع عليها والاستفادة منها، ومن ثم كان هذا المشروع العلمي الذي سُمِّي: "الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف جمعا ودراسة"، وجمعت فيه (١٠١) مسألة.
وأسأل الله العظيم بمنه وجوده وكرمه أن يجزل المثوبة والعطاء للشيخ عبيد الله، ويرفع درجته في عليين، ويلحقنا به مع سيد المرسلين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.