اختيار الشيخ: اختار جواز الاستياك بعد الزوال، فقال: "والحديث يدل بعمومه على جواز الاستياك للصائم مطلقا، سواء كان الاستياك بالسواك الرطب أو اليابس. وسواء كان صائما فرضا أو تطوعا، وسواء كان في أول النهار أو في آخره" (٣).
ثم ختم مرجحا فقال: "وقد ظهر بما ذكرنا أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن وافقه" (٤).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن السواك مرغب فيه (٥)، وذلك لما روى أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٦). واتفقوا أن السواك اليابس لا بأس به للصائم أول النهار (٧). واختلفوا في السواك للصائم آخر النهار على قولين:
القول الأول: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره.
وبه قال: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والحنابلة في رواية (١٠). والظاهرية (١١)، وهو اختيار الشيخ.
_________________
(١) السِّواك، والمسواك: ما تدلك به الأسنان من العيدان. ويتخذ عوده غالبا من شجر الأراك. ينظر: المصباح المنير ١/ ٢٩٧، النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٢٥، جمهرة اللغة ٢/ ٨٥٧.
(٢) زال: بمعنى تحرك، أو تنحى عن موضعه، والزوال هُوَ تنحي الشَّمْس عَن وسط السَّمَاء الى جهة الْمغرب، فَيُقَال عند تنحيها زَالَت ومالت. ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ١٧٢، غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ١٧٧، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ٢/ ١٢٩٣.
(٣) مرعاة المفاتيح ٦/ ٥١٧. يعني حديث عامر بن ربيعة ص ٢٨٢.
(٤) مرعاة المفاتيح ٦/ ٥٢٠ - ٥٢١.
(٥) ينظر: شرح مختصر الطحاوي ١/ ٣٠١، مواهب الجليل ١/ ٢٦٤، المجموع ١/ ٢٦٧، المغني ١/ ٧١.
(٦) رواه البخاري ١/ ٣٠٣ رقم ٨٤٧، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، ومسلم ١/ ٢٢٠ رقم ٢٥٢، في الطهارة، باب السواك، واللفظ له.
(٧) بدائع الصنائع ٢/ ١٠٦، شرح الموطأ للزرقاني ٢/ ٢٩٩، المجموع ١/ ٢٧٥، المغني ٣/ ١٢٦.
(٨) المبسوط ٣/ ٩٩، بدائع الصنائع ١/ ١٠٦، تحفة الملوك ص ١٤٥، تبيين الحقائق ١/ ٣٣٢.
(٩) المدونة ١/ ٢٧١ - ٢٧٢، التلقين ١/ ٧٤، الكافي ١/ ٣٥٢، التاج والإكليل ٣/ ٣٥٠.
(١٠) الكافي ١/ ٥٣، الهداية ص ١٦٠، الإنصاف ١/ ١١٨.
(١١) المحلى ٤/ ٣٣٦.
[ ٢٨٠ ]
القول الثاني: لا بأس بالسواك أول النهار ويكره آخره.
وبه قال: الشافعية (١)، والحنابلة في المذهب (٢).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- هو اختلافهم في فهم حديث الخُلوف (٣) الذي سيأتي -إن شاء الله- في أدلة القول الثاني (٤).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره.
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من خير خِصَال (٥) الصائم السواك» (٦).
وجه الاستدلال: دل الحديث على أن السواك من خير آداب الصائم، ولم يفرق النبي - ﷺ - بين ما قبل الزوال وما بعده، فيبقى على عمومه (٧).
الدليل الثاني: عن ابن عباس - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - تسوك وهو صائم» (٨).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٩).
_________________
(١) الأم ٢/ ١١١، الحاوي ٣/ ٤٦٦، المجموع ٦/ ٣٧٧، تحفة المحتاج ١/ ٢٢٢.
(٢) الهداية ص ١٦٠، الكافي ١/ ٥٣، الفروع ١/ ١٤٥، الإنصاف ١/ ١١٨.
(٣) الخُلوف: -بالضم هو الأفصح وقيل يجوز بالفتح- تغير ريح الفم. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٤٣، وتاج العروس ٢٣ - ٢٦٦.
(٤) سيأتي تخريجه صفحة (٢٨٤).
(٥) الخِصَال: جمع خَصْلة، وقوله: «من خير خصال»: أي آداب صومه. ينظر: شمس العلوم ٣/ ١٨١٨، والتنوير شرح الجامع الصغير ٩/ ٥٩١.
(٦) رواه ابن ماجه ١/ ٥٣٦ رقم ١٦٧٧، في الصيام، باب ما جاء في السواك والكحل للصائم، والدارقطني في السنن ٣/ ١٩١ رقم ٢٣٧١. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير رقم ٥٢٩٩.
(٧) ينظر: نيل الأوطار ١/ ١٤٠.
(٨) رواه الضياء في المختارة ١١/ ٢٢٩ رقم ٢٢٥، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٣/ ١٠٤: "رواه أحمد بن منيع ورجاله ثقات".
(٩) سبق تخريجه صفحة (٢٨٠).
[ ٢٨١ ]
وجه الاستدلال: أن الحديث يدل بعمومه على استحباب السواك للصائم بعد الزوال؛ لأن الصلاتين الواقعتين بعد الظهر والعصر، داخلتان تحت عموم الصلاة، فلا تتم دعوى الكراهة إلا بدليل يخصص هذا العموم (١).
الدليل الرابع: عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: «السواك مَطْهرة للفم مَرْضاة للرب» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث يدل على مشروعية السواك؛ لأنه سبب لتطهير الفم، وموجِب لرضا الله على فاعله، وقد جاء لفظ السواك في الحديث مطلقا، ولم يخصه بوقت معين ولا بحالة مخصوصة؛ فدل على مطلق شرعيته (٣).
الدليل الخامس: سئلت أم المؤمنين عائشة - ﵂ -: «بأي شيء كان يبدأ النبي - ﷺ - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك» (٤).
وجه الاستدلال: أن السواك مستحب في جميع الأوقات دون تقييد، ومن المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يدخل بيته بعد الزوال وهو صائم، ومع ذلك لم يأت نص واحد صحيح عنه - ﷺ - يبين كراهته بعد الزوال.
الدليل السادس: عن عامر بن رَبِيعة (٥) - ﵁ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - ما لا أُحْصي يتسوك وهو صائم» (٦).
_________________
(١) ينظر: نيل الأوطار ١/ ١٣٦، وشرح الموطأ للزرقاني ٢/ ٣٠٠، وفتح القدير لابن الهمام ٢/ ٣٤٨، والتوضيح لابن الملقن ١٣/ ٢٣٨.
(٢) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم ٣/ ٣١، كتاب الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم، ووصله: أحمد ٤٠/ ٢٤٠ رقم ٢٤٢٠٣، والنسائي ١/ ١٠ رقم ٥، كتاب الطهارة، باب الترغيب في السواك، وصححه الألباني في الإرواء ١/ ١٠٥ رقم ٦٦.
(٣) ينظر: نيل الأوطار ١/ ١٣٣.
(٤) رواه مسلم ١/ ٢٢٠ رقم ٢٥٣، كتاب الطهارة، باب السواك.
(٥) هو: عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي، أبو عبد الله حليف آل الخطاب، من السابقين، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، وشهد بدرًا وسائر المشاهد، توفي بعد مقتل عثمان بأيام. ينظر: الطبقات الكبرى ٣/ ٣٨٦، معرفة الصحابة ٤/ ٢٠٤٩، سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٣٣.
(٦) رواه البخاري معلقا بصيغة التمريض ٣/ ٣١، كتاب الصيام، باب سواك الرطب واليابس للصائم، ووصله: أبو داود ٢/ ٣٠٧ رقم ٢٣٦٤، في الصوم، باب السواك للصائم، والترمذي ٣/ ٩٥ رقم ٧٢٥، في الصوم، باب ما جاء في السواك للصائم، وقال: "حديث حسن". وأحمد ٢٤/ ٤٤٧ رقم ١٥٦٧٨، وضعفه الألباني في الإرواء ١/ ١٠٧ رقم ٦٨.
[ ٢٨٢ ]
وجه الاستدلال: دل الحديث على استحباب السواك للصائم، من غير تقييد بوقت دون وقت (١)؛ فيدخل فيه ما بعد الزوال.
الدليل السابع: عن عبد الرحمن بن غَنْم (٢)، قال: «سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم؟ فقال: نعم، قلت: أي النهار؟ قال: أي النهار شئت، إن شئت غُدْوة (٣)، وإن شئت عشية، قلت: فإن ناسا يكرهونه عشية، قال: ولم؟ قلت: يقولون إن رسول الله - ﷺ - قال: «لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من المسك»، فقال: سبحان الله! لقد أمرهم رسول الله - ﷺ - بالسواك، حين أمرهم وهو يعلم أنه لابد أن يكون بفي الصائم خلوف، وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن يُنْتِنُوا (٤) أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر» (٥).
الدليل الثامن: عن ابن عمر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يستاك آخر النهار وهو صائم» (٦).
الدليل التاسع: وعن ابن عمر - ﵁ - قال: «يستاك أول النهار، وآخره، ولا يبلع ريقه» (٧).
_________________
(١) ينظر: نيل الأوطار ١/ ١٣٩.
(٢) هو: عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري الشامي، مختلف في صحبته، من الفقهاء العلماء، روى عن: النبي - ﷺ -، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وعنه: ابنه محمد، وعطية بن قيس، وصفوان بن سليم، وغيرهم، بعثه عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى الشام ليفقه أهلها، توفي سنة ٧٨ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٤/ ١٨٦٧، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥، وتهذيب التهذيب ٦/ ٢٥٠.
(٣) الغُدْوة: ما بين صلاة الغَداة وطلوع الشمس. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٦٤٩.
(٤) النَّتْنُ: الرَّائِحَة الكَرِيهَة، نقيضُ الفَوْحِ. ينظر: لسان العرب ١٣/ ٤٢٦.
(٥) رواه الطبراني في المعجم الكبير ٢٠/ ٧٠ رقم ١٣٣، وجود إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص ٢/ ٤٤٣، وقال محققوا مسند الإمام أحمد ٢٤/ ٤٤٩: "إسناده محتمل للتحسين". ووافقهم الألباني في الإرواء ١/ ١٠٦، ثم تراجع عن ذلك وضعفه في السلسلة الضعيفة ١٣/ ٧٨٣ رقم ٦٣٤٩.
(٦) رواه ابن حبان في كتاب المجروحين ١/ ١٤٤ رقم ٧٢، وقال: "خبر باطل رفعه، والصحيح من فعل ابن عمر"، وأقره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٤٦٠، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة ١/ ٥٧٨ رقم ٥٧٨: "باطل".
(٧) رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم ٣/ ٣٠، كتاب الصوم، باب اغتسال الصائم، ووصله: ابن أبي شيبة بمعناه ٢/ ٢٩٥ رقم ٩١٥٧، في الصيام، باب من رخص في السواك للصائم.
[ ٢٨٣ ]
الدليل العاشر: ولأن كل معنى لم يُكره أول النهار، لم يُكره آخره كالمضمضة، ولأن أول النهار مساو لآخره في شروط صحة الصوم، فينبغي أن يتساويا أيضا في الكراهة والاستحباب والإباحة (١).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا بأس بالسواك أول النهار ويكره آخره.
الدليل الأول: عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ -، قال: «والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك» (٢).
وجه الاستدلال: أن السواك يُزيل الخُلوف الذي هذه صفته وفضيلته، وإن كان في السواك فضل، لكن فضل الخُلوف أعظم (٣).
الدليل الثاني: عن علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإن الصائم إذا يبست شفتاه كان له نور يوم القيامة» (٤).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه»، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٥).
الدليل الرابع: ولأن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخُلوف أولى؛ لأن الله مدحه، فيكون الأفضل (٦).
_________________
(١) ينظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٧٤، الإشراف له ١/ ٤٤.
(٢) رواه البخاري ٣/ ٢٤ رقم ١٨٩٤، في الصيام، باب فضل الصوم، ومسلم ٢/ ٨٠٦ رقم ١١٥١، باب فضل الصيام.
(٣) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١٠٠.
(٤) رواه البزار في المسند ٦/ ٨٢ رقم ٢١٣٧، واللفظ له، والدارقطني في السنن ٣/ ١٩٢ رقم ٢٣٧٢، وعنه البيهقي في الكبرى ٤/ ٤٥٥ رقم ٨٣٣٦، باب من كره السواك بالعشي إذا كان صائما، موقوفا ولم يرفعاه، وضعفه الألباني في الإرواء ١/ ١٠٦ رقم ٦٧.
(٥) رواه الدارقطني في السنن ٣/ ١٩٠ رقم ٢٣٧٠، في الصيام، باب السواك للصائم، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤٥٥ رقم ٨٣٣٨، في الصيام، باب من كره السواك بالعشي إذا كان صائما، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة ١٣/ ٧٨٤.
(٦) ينظر: شرح الزرقاني للموطأ ٢/ ٣٠٠.
[ ٢٨٤ ]
الدليل الخامس: ولأن الخُلوف أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهيد (١) (٢).
وجه القياس: أنه قد ثبت أن دم الشهيد لا يُزال عنه، فلا يُغسّل ولا يُصلى عليه وهما واجبان في حق غيره من أموات المسلمين؛ وهذا كله من أجل المحافظة عليه، فإذا تُرك من أجل دم الشهيد واجبان، دل على رُجحانه عليهما؛ لكونه مشهودا له بالطيب. فتكون المحافظة على الخُلوف الذي يشاركه في الشهادة له بالطيب أولى بالمحافظة؛ لأنه إنما تُترك من أجله سُنَّةُ السواك (٣).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز السواك بعد الزوال للصائم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن الأحاديث جاءت باستحباب السواك على العموم ولم تفرق بين ما كان قبل الزوال وما بعده.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما حديث علي، وأثر أبي هريرة - ﵄ -، فضعيفان لا تقوم بهما الحجة (٤).
ثانيا: وأما قولهم: إن السواك يزيل الخُلوف فيجاب عنه:
بأن الخُلوف لا ينقطع ما دامت المعدة خالية، غايته أنه يخف (٥).
ثالثا: وأما قولهم: إن مناجاة الصائم لربه مع دوام الخلوف أولى؛ لأن الله مدحه فيكون الأفضل. فيجاب عنه:
أن مدح الخُلوف يدل على فضله لا على أفضليته على غيره؛ وبيانه:
_________________
(١) وهو ما جاء عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: «لا يُكلَم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله، إلّا جاء يوم القيامة وجرحه يَثعُب، اللّون لون دم، والرّيح ريح مسك». أخرجه البخاري ٤/ ١٨ رقم ٢٨٠٣، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله ﷿، ومسلم ٣/ ١٤٩٥ رقم ١٨٧٦، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
(٢) ينظر: المهذب للشيرازي ١/ ٣٣، والمجموع ١/ ٢٧٦.
(٣) ينظر: المجموع ١/ ٢٨٠، وطرح التثريب ٤/ ١٠٠.
(٤) ينظر: نيل الأوطار ١/ ١٣٩.
(٥) ينظر: شرح الزرقاني للموطأ ٢/ ٣٠٠، فتح القدير لابن الهمام ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ٢٨٥ ]
أن صلاة الوتر أفضل من سنة الفجر، وقد جاء في الحديث: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (١)، وكم من عبادة أُثني عليها مع فضل غيرها عليها، وهذه المسألة من قاعدة: ازدحام المصالح التي يتعذر الجمع بينها (٢)، فالسواك شُرِع إجلالا لله حال مناجاته في الصلاة؛ لأن تطهير الفم للمناجاة تعظيم لها، والخُلوف مناف لذلك. فقُدِّم السواك لهذا المعنى (٣).
رابعا: وأما قياسهم رائحة الخلوف على رائحة دم الشهيد فيجاب عنه من خمسة أوجه:
الأول: أن الصائم مناج لربه، فنُدِب له تطييب فمه، والشهيد ليس بمناج وهو جيفة أشد من الدم نفسه، فزواله لا يؤثر شيئا بل بقاؤه على الشهيد يوجب مزيد الرحمة له (٤).
الثاني: أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وسبيل الخصومة الظهور، وليس للصائم خصم يحتج عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند الله وملائكته (٥).
الثالث: أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد (٦)، مع وجوب إزالة الدم، ومع وجوب غسل الميت، فما اغتُفِر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قيل بتحريمه. ولم يرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط (٧).
الرابع: أن دم الشهيد حق له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان له غسله في حياته. أما الخُلوف فهو حق للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقه، وإزالة ما يشهد له بالفضل (٨).
_________________
(١) أخرجه مسلم ١/ ٥٠١ رقم ٧٢٥، كتاب صلاة المسافرين باب استحباب ركعتي سنة الفجر
(٢) ينظر قاعدة ازدحام المصالح في الفوائد في اختصار المقاصد لسلطان العلماء ص: ٥١.
(٣) ينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لسلطان العلماء ١/ ٣٩، وشرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٠٠، ونيل الأوطار ١/ ١٣٩.
(٤) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٠٠.
(٥) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١٠١، شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٠٠.
(٦) رواه البخاري كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهيد، رقم ١٣٤٣، من حديث جابر بن عبد الله.
(٧) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١٠١.
(٨) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١٠١، نهاية المحتاج ١/ ١٨٣.
[ ٢٨٦ ]
الخامس: أنه يحرم إزالة دم الشهيد عنه، فكان القياس أن يحرموا إزالة الخلوف لا كراهته. ولا قائل به منهم.
فإن قيل: فما المقصود من حديث الخُلوف؟ فيجاب:
أن حديث الخُلوف فائدته عظيمة بديعة، وهي أن النبي - ﷺ - إنما مدح الخلوف نهيا للناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف، لا نهيا للصائمين عن السواك. فعُلِم أنه لم يُرد بالنهي بقاء الرائحة، وإنما أراد نهي الناس عن كراهتها، وهذا التفسير أولى؛ لأن فيه إكرام الصائم، ولا تعرض فيه للسواك (١).
قال العّز ابن عبد السلام (٢): "إن السواك نوع من التطهر المشروع لإجلال الرب ﷾؛ لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شرع السواك، وليس في الخُلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تَرْبو (٣) على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ " (٤).
والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٠٠، وطرح التثريب ٤/ ١٠٠، وإرشاد الساري ٣/ ٣٧٤.
(٢) هو: أبو القاسم عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن الحسن السُّلَمي، أبو محمد الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء، فقيه شافعي مجتهد، أصله من المغرب، خطيب الجامع الأموي، وقاضي القضاة بالديار المصرية، وتوفي بها سنة ٦٦٠ هـ، من تصانيفه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، والفتاوى، والتفسير الكبير. ينظر: طبقات الشافعية ٨/ ٢٠٩، تاريخ الإسلام ١٤/ ٩٣٣، الأعلام ٤/ ٢١.
(٣) تربوا: من رَبا يَرْبو، إذا زاد. لسان العرب ١٤/ ٣٠٥.
(٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٣٩.
[ ٢٨٧ ]