اختيار الشيخ: اختار أنه يجب تبييت النية لصيام الفرض، سواء كان متعينا أو غير متعين، فقال: "وقد أتضح بهذا أنه لا دليل في حديث عاشوراء على كون حديث حفصة خاصا بالصوم الواجب الغير المتعين، ولا وجه لتخصيص القضاء، و(النذر المطلق) (٢)، والكفارات بوجوب التبييت، بل هو واجب في كل صوم إلا في تلك الصورة التي ذكرناها، أعني: فيمن لم ينكشف له أن اليوم من رمضان إلا في النهار، وفي صوم التطوع؛ لحديث عائشة المتقدم. وهذا هو القول الراجح عندنا" (٣).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أنه لا يصح صوم إلا بنية، فرضا كان أو تطوعا (٤). وأجمعوا أن من صام رمضان، ونواه من الليل، فقد أدى ما عليه (٥).
واتفقوا أن صيام النذر المطلق، والقضاء، والكفارات، لا بد فيه من نية من الليل (٦).
واختلفوا في آخر وقت النية المجزئة عن صوم الفرض المتعين، كشهر رمضان، والنذر المعين، على قولين:
القول الأول: يصح صومه إذا نوى قبل انتصاف النهار.
وبه قال: الحنفية (٧).
_________________
(١) النية في اللغة: من نوى الشيء: إذا قَصَدَه وتوجه إليه. ينظر: تاج العروس ٤٠/ ١٣٩. وفي الشرع: هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله. ينظر: الذخيرة ١/ ٢٤٠.
(٢) النذر المطلق: أن يقول لله علي نذر، ولا يعين وقت. ينظر: القاموس الفقهي ص ٣٥٠.
(٣) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٦٦. حديث عاشوراء ص ١٣٣ حفصة ص ١٥١ عائشة ص ١٦٦.
(٤) ينظر: بداية المجتهد ٢/ ٥٥، المغني ٣/ ١٠٩، بدائع الصنائع ٢/ ٨٣، المجموع ٦/ ٣٠٠. ولم يخالف إلا زفر من الحنفية، فقال: "يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية". ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٨٣، والبناية للعيني ٤/ ٤.
(٥) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٩، الإقناع لابن القطان ١/ ٢٢٧، مراتب الإجماع ص ٣٩.
(٦) ينظر: منحة السلوك ص ٢٥٥، الحاوي الكبير ٣/ ٣٩٧، بداية المجتهد ٢/ ٥٦، المغني ٣/ ١٠٩.
(٧) المبسوط ٣/ ٦٢، درر الحكام ١/ ١٩٧، مراقي الفلاح ١/ ٢٣٨، رد المحتار ٢/ ٣٧٧. وخالف زفر في المريض والمسافر إذا صاما رمضان، فقال: "لا بد لهما من تبييت النية من الليل لأنه في حقهما كالقضاء لعدم تعينه عليهما". ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٨٥، وفتح القدير ٢/ ٣٠٣.
[ ١٤٩ ]
القول الثاني: لا يصح صومه إلا بنية من الليل.
وبه قال: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم تعارض الآثار في ذلك" (٥).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يصح صومه إذا نوى قبل انتصاف النهار.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال من الآية: إن لفظة (ثُمَّ) تفيد التراخي، فإذا علمت أن الإجماع قائم على وجوب الإمساك عن المفطرات من الفجر، ووجوب الإمساك من الفجر مدلول عليه بذكر الغاية إلى الْفَجْرِ، فإنّ معناه أن ما كان حلالا قبله يحرم بمجيئه، وذلك بالإمساك من الفجر، فإذا أمسكنا فعلينا الإتمام الذي أتى في الآية بلفظة (ثُمَّ) التي تفيد التراخي، والإتمام إنما يكون بقصد، فكأنّ النية التي هي القصد لم تُطلب إلا بعد تحقّق الصيام، فكان ذلك دليلا على أنّ النية تكون بعد الصيام، فلا يلزم تبييتها، وهو المطلوب (٧).
الدليل الثاني: عن سَلَمَة بن الأكْوع - ﵁ - أن النبي - ﷺ - بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (٨).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أمر يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار، وكان صوما واجبا، ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار؛ لم يجزهم (٩).
_________________
(١) الكافي ١/ ٣٣٥، الذخيرة ٢/ ٤٩٨، القوانين الفقهية ص ٧٩، مواهب الجليل ٢/ ٤١٨.
(٢) الأم ٢/ ١٠٤، الحاوي ٣/ ٣٩٧، حلية العلماء ٣/ ١٥٤، المجموع ٦/ ٣٠١، منهاج الطالبين ص ٧٤.
(٣) الكافي ١/ ٤٣٩، الفروع ٤/ ٤٥١، شرح الزركشي ٢/ ٥٦٣، دقائق أولي النهى ١/ ٤٧٨.
(٤) المحلى ٤/ ٢٨٥.
(٥) بداية المجتهد ٢/ ٥٦.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٨٧.
(٧) ينظر: تفسير آيات الأحكام ص ٩٢، روح المعاني للألوسي ١/ ٤٦٤، وبدائع الصنائع ٢/ ٨٦، وعمدة القاري ١٠/ ٣٠٥.
(٨) سبق تخريجه صفحة (١١٣).
(٩) ينظر: كتاب الصيام من شرح العمدة ١/ ١٨٤ - ١٨٥.
[ ١٥٠ ]
الدليل الثالث: عن عائشة - ﵂ - قالت: «ربما دعا رسول الله - ﷺ - بغدائه فلا يجده، فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم» (١).
الدليل الرابع: عن ابن عباس - ﵄ -: «أن النبي - ﷺ - كان يصبح، ولم يُجْمِع (٢) للصوم فيبدو له فيصوم» (٣).
الدليل الخامس: ولأنه غير ثابت في الذمة، فهو كصيام التطوع (٤).
الدليل السادس: "ولأن النية لما جاءت في الليل وهو ليس بوقت للصوم، فلأن تجوز في النهار وهو وقت الصوم أولى" (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يصح صومه إلا بنية من الليل.
الدليل الأول: عن حفصة (٦) - ﵂ - قالت: قال النبي - ﷺ -: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» (٧).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٩١ رقم ٩١٠٥، كتاب الصيام، باب من كان يدعو بغدائه فلا يجد فيفرض الصوم، والدارقطني في السنن ٣/ ١٣٩ رقم ٢٢٣٨، وقال: "عبد الله هذا ليس بالمعروف"، وقال فيه ابن حزم في المحلى ٤/ ٣٠٠: "قلنا: ليث ضعيف".
(٢) قوله يُجْمِع: هو إحْكام النية والعزيمة. يقال: أجمعت الرَّأي وأزمَعته، وعزَمْتُ عَلَيْهِ بمعْنًى. ينظر: النهاية ١/ ٢٩٦، ولسان العرب ٨/ ٥٧، والتحبير ٦/ ٢١٢.
(٣) أخرجه الجصاص في أحكام القرآن ١/ ٢٧٦، وذكره ابن حزم في المحلى ٤/ ٣٠٠، وفي سنده يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، قال عنه ابن حجر في التقريب رقم ٧٨٢٦: "ضعيف"، وعمر بن هارون البلخي، قال عنه الذهبي في الكاشف رقم ٤١١٨: "واه، اتهمه بعضهم".
(٤) ينظر: مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص ٢٣٨.
(٥) منحة السلوك في شرح تحفة الملوك ١/ ٢٥٤.
(٦) هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين، صحابية جليلة، ولدت بمكة، وتزوجها خنيس بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، توفيت بالمدينة سنة ٤٥ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٨١، معرفة الصحابة ٦/ ٣٢١٣، سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٢٧.
(٧) أخرجه أبو داود ٢/ ٣٢٩ رقم ٢٤٥٤، كتاب الصوم،باب النية في الصيام، والنسائي ٤/ ١٩٦ رقم ٢٣٣١، كتاب الصيام، باب النية في الصيام، وابن ماجه ١/ ٥٤٢ رقم ١٧٠٠، كتاب الصيام، باب ما جاء في فرض الصوم من الليل، والخيار في الصوم. وصححه الألباني في الإرواء برقم ٩١٤.
[ ١٥١ ]
وجه الاستدلال: الحديث يدل على أنه لا يصح الصيام إلا بتبييت النية، وهو: أن ينوي الصيام في أي جزء من الليل، وأول وقتها الغروب؛ وذلك لأن الصوم عمل والأعمال بالنيات، وأجزاء النهار غير منفصلة من الليل بفاصل يتحقق، فلا يتحقق إلا إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل (١).
الدليل الثاني: ولأنه قول عائشة وحفصة وابن عمر - ﵃ -، ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة (٢).
الدليل الثالث: ولأن الصوم الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره؛ فإذا خلا أوله عن النية؛ فقد خلا بعض العبادة الواجبة عن النية؛ ذكرا واستصحابا، وذلك لا يجوز. ولأنه إذا لم يعتقد الصوم أول النهار؛ لم يكن ممتثلا للأمر بصومه؛ لأن امتثال الأمر بدون القصد لا يصح (٣).
الدليل الرابع: ولأنه صوم واجب، فلم يصح إلا بنية من الليل؛ كصوم الكفارة والقضاء والنذر المطلق (٤).
الدليل الخامس: ولأنها عبادة من شرطها النية، فلم تصح بنيةٍ تكون بعد الدخول فيها؛ كالصلاة والحج (٥).
الدليل السادس: ولأنها عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يستوي فيها وقت النية في الأداء والقضاء كالصلاة (٦).
الدليل السابع: ولأن النية هي أحد ركنَي الصيام، فيجب أن لا يُجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عاريا منها، كما لم يُجزئ الصوم إذا مضى بعض اليوم عاريا من الإمساك (٧).
_________________
(١) ينظر: سبل السلام ١/ ٥٦١.
(٢) كتاب الصيام من شرح العمدة /١٨٢.
(٣) ينظر: المصدر السابق ١/ ١٨٤.
(٤) ينظر: المصدر السابق ١/ ١٨٤، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٢٤، والمنتقى ٢/ ٤١.
(٥) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٢٤، والمعونة له ١/ ٤٥٧.
(٦) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٢٤، والمغني ٣/ ١١٠.
(٧) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٢٤، والمعونة له ١/ ٤٥٧.
[ ١٥٢ ]
الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه لا يصح صومه إلا بنية من الليل؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن حديث حفصة - ﵂ - نص في محل النزاع.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول، فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية فيجاب عنه:
"أنّ الآية تدلّ على التبييت؛ وذلك أن معنى أَتِمُّوا الصِّيامَ صيّروه تاما من الفجر، وهو لا يكون تاما من الفجر إلا بالنية، وهذا هو الظاهر؛ لأنّ إتمام الشيء لا يكون إلا لشيء قد شرع فيه، وهو هنا الصوم. وقد عَلِمتَ أن الصوم لا يكون صوما إلا بالنية؛ تمييزا للعادة من العبادة؛ إذ قد يمسك الإنسان عن الأكل حِميَة، ثم لا يكون صوما؛ لأنه لم ينو" (١).
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث سلمة بن الأكْوع ¢، وقولهم في دلالته: فقد أمر النبي - ﷺ - يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار، وكان صوما واجبا؛ ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار لم يجزهم. فيجاب عنه من أربعة وجوه:
الوجه الأول: قد لا يسلم لكم أن صيام عاشورا كان واجبا، بدليل حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - إذ يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يُكتَب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر» (٢)؛ فلو كان واجبا لما خيرهم رسول الله - ﷺ - بين الصيام والفطر (٣).
الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - لم يكتفي بأمر من كان ممسكا أن يتم صومه، بل أمر حتى من كان مفطرا بإمساك بقية يومه، كما مر في الحديث؛ وإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي، وإنما سماه صياما تجوزا (٤).
الوجه الثالث: وعلى القول إن صيام عاشوراء كان واجبا فالفرق بينه وبين رمضان: أن وجوب الصيام تجدد في أثناء النهار، فأجزأته النية حين تجدد الوجوب؛ كمن كان صائما
_________________
(١) تفسير آيات الأحكام ص ٩٣، وينظر روح المعاني للألوسي ١/ ٤٦٤.
(٢) رواه البخاري ٣/ ٤٤ رقم ٢٠٠٣، كتاب الصيام، باب صيام يوم عاشوراء، ومسلم ٢/ ٧٩٥ رقم ١١٢٩، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٣) ينظر المغني ٣/ ١١٠.
(٤) ينظر المصدر السابق.
[ ١٥٣ ]
تطوعا، فنَذَرَ إتمام صوم بقية يومه، فإنه تُجزئه نيته عند نَذره، بخلاف ما إذا كان النذر متقدما (١).
الوجه الرابع: إنما صحت النية في نهار عاشوراء لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورا، فيُخَصّ الجواز بمثل هذه الصورة، يعني: من أنكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان، وكمن ظهر له وجوب الصوم عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يَحتَلِم (٢).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث عائشة وحديث ابن عباس - ﵃ -، فيجاب عنه:
أنهما ضعيفان ولا يحتج بمثلهما.
رابعا: وأما قياسهم جواز عدم تبييت النية في رمضان على جوازها في النفل؛ بجامع أن كُلّا منهما غير ثابت في الذمة، فيجاب عنه:
أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرا له، فإنه قد يبدو له الصوم في النهار، فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها؛ كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرا له، بخلاف الفرض (٣).
والله أعلم.
_________________
(١) ينظر المغني ٣/ ١١٠، والشرح الكبير على المقنع ٣/ ٢٤.
(٢) ينظر نيل الأوطار ٤/ ٢٣٣، وشرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٥٤.
(٣) ينظر: المغني ٣/ ١١٠، والشرح الكبير على متن المقنع ٣/ ٢٤.
[ ١٥٤ ]