اختيار الشيخ: اختار جواز نية النفل من النهار، فقال: "وفيه دليل على جواز نية النفل في النهار" (١).
وقال مرجحا لهذا القول: "وهذا هو القول الراجح عندنا" (٢).
اختلف أهل العلم في جواز عقد نية صيام النفل من النهار على قولين:
القول الأول: يجوز صوم التطوع بنية من النهار ولا يشترط تبييت النية.
وبه قال: الحنفية (٣)، والشافعية في المذهب (٤)، والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل، ولا يصح بنية من النهار.
وبه قال: المالكية (٦)، والمُزني (٧) من الشافعية (٨)، والظاهرية (٩).
سبب الخلاف:
قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك" (١٠).
أدلة القول الأول: القائلين أنه يجوز صوم التطوع بنية من النهار ولا يشترط تبييت النية.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٧/ ١٠٣. يقصد حديث عائشة الآتي.
(٢) المصدر السابق ٦/ ٤٦٦.
(٣) بدائع الصنائع ٢/ ٨٥، الاختيار ١/ ١٢٧، تبيين الحقائق ١/ ٣١٤، مراقي الفلاح ١/ ٢٣٨.
(٤) الحاوي ٣/ ٤٠٤، حلية العلماء ٣/ ١٥٩، البيان ٣/ ٤٩٥، منهاج الطالبين ص ٧٤.
(٥) الكافي ١/ ٤٣٩، الفروع ٤/ ٤٥٧، شرح الزركشي ٢/ ٥٦٧، المبدع ٣/ ٢٠.
(٦) الكافي ١/ ٣٣٥، المنتقى ٢/ ٤١، مواهب الجليل ٢/ ٤١٨ - ٤١٩، الشرح الكبير للدردير ١/ ٥٢٠.
(٧) هو: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المُزَني؛ أبو إبراهيم من أهل مصر، وأصله من مزينة، صاحب الإمام الشافعي، كان زاهدا عالما مجتهدا قوي الحجة، قال الشافعي: "المزني ناصر مذهبي"، من كتبه: الجامع الكبير؛ والجامع الصغير؛ والترغيب في العلم، توفي سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٩٣؛ طبقات الشافعيين ص ١٢٢، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٩٢.
(٨) البيان ٣/ ٤٩٥، المجموع ٦/ ٢٩٢، روضة الطالبين ٢/ ٣٥٢.
(٩) المحلى ٤/ ٢٩٦.
(١٠) بداية المجتهد ٢/ ٥٦.
[ ١٨٢ ]
الدليل الأول: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - إذا دخل علي قال: «هل عندكم طعام؟»، فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم». فدخل علينا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس؛ فحبسناه لك، فقال: «أدنيه»، فأصبح صائما وأفطر (١).
وفي رواية: دخل عليَّ النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟»، فقلنا: لا. قال: «فإني إذا صائم». ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائما» فأكل (٢).
وفي رواية: كان النبي - ﷺ - يأتيني فيقول: «أعندك غداء (٣)؟»، فأقول: لا، فيقول: «إني صائم». قالت: فأتاني يوما فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: «وما هي؟». قالت: قلت: حيس، قال: «أما إني قد أصبحت صائما». ثم أكل (٤).
وجه الاستدلال: إن دلالته على جواز إنشاء صوم التطوع من النهار ظاهرة وذلك من وجوه (٥):
الأول: لم يكن طلب النبي - ﷺ - للطعام عبثا، وإنما كان طلبه ليأكل، فلما لم يجده نوى الصوم (٦).
الثاني: أنه - ﷺ - قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السبب والعلة، فيصير المعنى: إني صائم؛ لأنه لا شيء عندكم، ومعلوم أنه لو كان قد أجمع الصوم من الليل لم يكن صومه لهذه العلة (٧).
الثالث: قوله - ﷺ -: «فإني إذا صائم» و«إذا» أصرح في التعليل من الفاء، وهي لابتداء النية، لا لما مضى وتقدم (٨).
_________________
(١) سبق تخريجه صفحة (١٦٦).
(٢) أخرجه مسلم ٢/ ٨٠٨ رقم ١١٥٤، كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.
(٣) الغَداء: الطعام الذي يؤكل أول النهار أو طعام الغدوة، أو أكلة الظهيرة، وهو خلاف العشاء. ينظر: النهاية ٣/ ٣٤٦، لسان العرب ١٥/ ١١٨، المعجم الوسيط ٢/ ٦٧٠ مادة: غدا.
(٤) أخرجه الترمذي ٣/ ١٠٢ رقم ٧٣٤، أبواب الصوم، باب صيام المتطوع بغير تبييت، وقال: "هذا حديث حسن". وقال الألباني في صحيح الترمذي ١/ ٢٢٤: "حسن صحيح".
(٥) ينظر: عون المعبود ٧/ ٩١، معالم السنن ٢/ ١٣٤، شرح المشكاة للطيبي ٥/ ١٦١٨.
(٦) ينظر: المسالك لابن العربي ٤/ ١٧٠.
(٧) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١٨٦.
(٨) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١٨٦، الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٦، والتوضيح لابن الملقن ١٣/ ١٥٤.
[ ١٨٣ ]
الرابع: ولأن الظاهر من حال من أجمع الصيام من الليل أنه لا يجيء سائلا عن الغداء، وإنما يسأل عن الغداء أحد شخصين: المفطر، أو المتلوم (١) (٢).
الدليل الثاني: عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - أن النبي - ﷺ - بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (٣).
وفي رواية: «من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل» (٤).
وجه الاستدلال: إن قيل: إن صيام يوم عاشوراء كان نفلا فهو نص؛ فقد أمرهم النبي - ﷺ - بصومه من النهار (٥).
وإن قيل: إن صيامه كان فرضا، فجواز الفرض بنية من النهار يدل على جواز النفل بطريق الأَولى (٦).
الدليل الثالث: عن عائشة - ﵂ - قالت: «ربما دعا رسول الله - ﷺ - بغدائه فلا يجده، فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم» (٧).
الدليل الرابع: أن أبا طلحة (٨) - ﵁ -: «كان يأتي أهله في الضحى، فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، صام ذلك اليوم وقال: إني صائم» (٩).
_________________
(١) المُتَلَوِّم: المنتظر لقضاء حاجته. ينظر: النهاية ٤/ ٢٧٨، المعجم الوسيط ٢/ ٨٤٧، الفائق للزمخشري ٤/ ٥٩، تاج العروس ٣٣/ ٤٥٥.
(٢) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١٨٦.
(٣) سبق تخريجه صفحة (١١٣).
(٤) سبق تخريجه صفحة: (١١٣).
(٥) ينظر: الحاوي ٣/ ٤٠٥، المغني ٣/ ١١٤، المبسوط ٣/ ٨٥.
(٦) ينظر: المبسوط ٣/ ٨٥.
(٧) سبق تخريجه صفحة (١٥١).
(٨) هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حزام النجاري الأنصاري، صحابي من الشجعان الرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، روى عنه: ربيبه أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وابنه عبد الله، وغيرهم، وتوفي في المدينة سنة ٣٤ هـ. ينظر: أسد الغابة ٢/ ٣٦١، والاستيعاب /٥٥٣، الإصابة ٢/ ٥٠٢.
(٩) أخرجه البخاري تعليقا ٣/ ٢٩، كتاب الصوم، باب إذا نوى بالنهار صوما، ووصله: عبد الرزاق في المصنف ٤/ ٢٧٣ رقم ٧٧٧٧، كتاب الصيام، باب إفطار التطوع وصومه إذا لم يبيته، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٤٢ رقم ٧٩١٧، باب المتطوع يدخل في الصوم بنية النهار قبل الزوال.
[ ١٨٤ ]
وفي رواية: «أن أبا طلحة - ﵁ - كان يأتي أهله فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، قال: فإني صائم، وإن كان عندهم أفطر» (١).
الدليل الخامس: عن أم الدرداء (٢) «أن أبا الدرداء (٣) - ﵁ - كان يجيء بعد ما يصبح فيقول: أعندكم غداء؟، فإن لم يجده، قال: فأنا إذا صائم» (٤).
الدليل السادس: قياس صيام النفل على صلاة النفل؛ وذلك: أن الصوم عبادة يتنوع جنسها فرضا ونفلا، ويخرج منها بالفساد، فوجب أن يخالف فرضها نفلها في شيء من أحكامها وشرائطها؛ كالصلاة يخالف فرضها نفلها في ترك التوجه إلى القبلة، والقيام مع القدرة، وجوازها على الراحلة في السفر (٥).
أدلة القول الثاني: يشترط في صيام التطوع تبييت النية من الليل، ولا يصح بنية من النهار.
الدليل الأول: عن حفصة زوج النبي - ﷺ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر، لا صيام له» (٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٩١ رقم ٩١٠٧، كتاب الصيام، باب من كان يدعو بغدائه فلا يجد فيفرض الصوم، وقال الألباني في مختصر صحيح البخاري ١/ ٥٥٦: "أما أثر أبي طلحة فوصله عبدالرزاق وابن أبي شيبة من طريقين عن أنس، فهو صحيح".
(٢) هي: هُجَيْمَة بنت حيي الوصابية الحميرية; أم الدرداء الصغرى، تابعية جليلة، فقيهة ومحدثة من رواة الحديث، وهي زوجة الصحابي الجليل أبو الدرداء الأنصاري الثانية، روت علما جما عن: زوجها أبي الدرداء، وعائشة بنت أبي بكر، وأبي هريرة، وطائفة، توفيت سنة ٨١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٧٧، تهذيب الكمال ٣٥/ ٣٥٢، الأعلام ٨/ ٧٧.
(٣) هو: عُوَيْمِر ابن قيس بن أمية، أبو الدرداء الأنصاري، من بني الخزرج، صحابي اشتهر بالشجاعة والنسك، ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب - ﵁ -، وهو أول قاض بها، وهو أحد الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد النبي - ﷺ -، مات بالشام سنة ٣٢ هـ، له في كتب الحديث ١٧٩ حديثا. ينظر: الاستيعاب ٣/ ١٢٢٧، والإصابة ٤/ ٦٢١، وأسد الغابة ٦/ ٩٤.
(٤) أخرجه البخاري تعليقا ٣/ ٢٩، كتاب الصوم، باب إذا نوى بالنهار صوما، ووصله: ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٩١ رقم ٩١٠٦، كتاب الصيام، باب من كان يدعو بغدائه فلا يجد فيفرض الصوم، وعبد الرزاق في المصنف ٤/ ٢٧٢ رقم ٧٧٧٤، باب إفطار التطوع وصومه إذا لم يبيته، وقال الألباني في مختصر صحيح البخاري ١/ ٥٥٦: "وصله ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، فهو صحيح".
(٥) ينظر: الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٦، المغني ٣/ ١١٤.
(٦) سبق تخريجه صفحة (١٦١).
[ ١٨٥ ]
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على عدم إجزاء صيام التطوع إلا بنية من الليل؛ لأن النص ورد بأن لا صوم لمن لم يُبَيِّته من الليل، ولم يخص من ذلك شيئا، فيبقى النص على عمومه (١).
الدليل الثاني: لأنه صوم شرعي، فوجبت له النية من الليل؛ كصيام الفرض (٢).
الدليل الثالث: ولأنها عبادة من شرط صحتها النية، فوجب أن يستوي نفلها وفرضها في وقت النية؛ كالصلاة والحج (٣).
الدليل الرابع: ولأنها عبادة تتنوع فرضا ونفلا، فوجب أن يكون محل النية في نفلها كمحل النية في فرضها؛ أصله الصلاة (٤).
الدليل الخامس: ولأن النهار لو كان زمانا لنية الفعل، لصَحَّتْ فيه نية الفرض كالليل (٥).
الدليل السادس: ولأن النية أحد ركني الصيام، فاختصت بأحد جنسَي الزمان وهو الليل، كما اختص الإمساك بالجنس الثاني وهو النهار (٦).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز صوم التطوع بنية من النهار، ولا يشترط تبييت النية؛ وذلك لصحة أدلتهم، وحديث عائشة - ﵂ - في عقده - ﷺ - نية الصيام من النهار نص في محل النزاع.
وأما استدلال أصحاب القول الثاني: بحديث حفصة - ﵂ - في اشتراط تبييت النية -وهو أقوى ما استدلوا به- فيجاب عنه:
أن عموم حديث حفصة - ﵂ - مخصوص بحديث عائشة - ﵂ - السالف الذكر؛ وتوضيح ذلك: أن حديث حفصة - ﵂ - واضح الدلالة على وجوب تبييت النية قبل الفجر، أي: في الليل، وقد جاء اللفظ عاما في الصيام، فيُعمَل به على عمومه.
_________________
(١) ينظر: المحلى ٤/ ٢٩٦، الاستذكار ٣/ ٢٨٦، المعلم ٢/ ٥٨، إكمال المعلم ٤/ ٨٨.
(٢) ينظر: شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٥٣، المعونة ١/ ٤٦٥، المنتقى للباجي ٢/ ٤١.
(٣) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٢٤، وشرح الرسالة له ١/ ١٥٤.
(٤) ينظر: الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٥.
(٥) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٢٤.
(٦) المصدر السابق.، وشرح الرسالة له ١/ ١٥٣.
[ ١٨٦ ]
ولكن جاء حديث عائشة - ﵂ -، وفيه: أن الرسول - ﷺ - قد نوى الصيام من النهار عندما لم يجد طعاما عندها، فدل ذلك على جواز عقد النية في النهار لصوم التطوع؛ لأن الحديث دل على أن الصيام كان صيام تطوع، فكان حديث عائشة - ﵂ - صالحا لصرف حديث حفصة - ﵂ - إلى صيام الفريضة (١). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٦، المجموع ٦/ ٣٠٣، المغني ٣/ ١١٤.
[ ١٨٧ ]