اختيار الشيخ: اختار أنه لا يشرع التلفظ بالنية، وأنه بدعة سيئة، فقال: "قلت لا أصل للنية باللسان للصوم، وكذا للصلاة، لا من كتاب ولا من سنة ولا من صحابي، بل هو مجرد رأي، فهي بدعة شرعية، وكل بدعة شرعية سيئة فيتعين تركها" (١).
وقال أيضا: "وأما الصلاة والطواف والصيام وغير ذلك من العبادات، فلا ينبغي له أن يتلفظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا لبينه الرسول - ﷺ - وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح" (٢).
تحرير محل الخلاف: الذي ظهر لي -والله أعلم- أن العلماء † فرقوا بين الجهر بالنية، وبين التلفظ بها، فجعلوا الجهر بالنية -أي رفع الصوت بها- غير مشروع، وقد نقل اتفاقهم على ذلك غير واحد من أهل العلم (٣).
وأما التلفظ بالنية دون الجهر بها فهو محل خلاف العلماء.
وقد اتفق الجميع على: أن التلفظ بها لا يجب ولا يشترط (٤)، وأن النية محلها القلب (٥)، وأنها لا تنعقد باللفظ دون عزم القلب (٦).
واختلفوا هل يشرع التلفظ بالنية مع عزم القلب، على قولين:
القول الأول: يشرع التلفظ بها في العبادات ومن ذلك الصوم.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٧٥.
(٢) المصدر السابق ٨/ ٤٢٥.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢/ ٩٧، ١٠٣ و٢٢/ ٢١٨، المدخل لابن الحاج ٢/ ٢٧٤، مرقاة المفاتيح ١/ ٤٢.
(٤) ينظر: مراقي الفلاح ١/ ٢٣٩، المقدمات الممهدات ١/ ١٥٦، المجموع ٦/ ٢٨٩، المغني ٣/ ١١٢، الاتباع لابن أبي العز ص ٦٢.
(٥) ينظر: مقاصد المكلفين للخطابي ص ٢٤، والمجموع ٦/ ٢٨٩، الذخيرة ١/ ٢٤٠، الأمنية في إدراك النية ص ١٧، والاتباع لابن أبي العز ص ٦٢، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٢/ ٢٣٦.
(٦) ينظر: مراقي الفلاح ١/ ٢٣٩، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني ١/ ٢٠٣، المجموع ٦/ ٢٨٩، التوضيح لابن الملقن ٢/ ١٧٦.
[ ١٦٥ ]
وبه قال: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في المذهب (٣).
القول الثاني: لا يشرع التلفظ بالنية في العبادات ومن ذلك الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة.
وبه قال: المالكية (٤)، وهو المنصوص عن الإمام أحمد (٥)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل ما فعله رسول الله - ﷺ - من تلبيته بالحج هو تلفظ بالنية، فيقاس عليه غيره من العبادات. وهل للسان مدخل في عقد النية؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يشرع التلفظ بالنية في العبادات، ومن ذلك الصوم.
الدليل الأول: عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - قالت: «كان النبي - ﷺ - إذا دخل عليَّ قال: «هل عندكم طعام»؟، فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم». فدخل علينا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حَيْس (٦)؛ فحبسناه لك، فقال: «أَدْنِيه» (٧)، فأصبح صائما وأفطر» (٨).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - قد تلفظ بالنية في هذا الحديث.
الدليل الثاني: حديث أنس - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: «لبيك عمرة وحجا» (٩).
_________________
(١) الجوهرة النيرة ١/ ١٣٦، رد المحتار ٢/ ٣٨٠، مراقي الفلاح ١/ ٢٣٩، الفتاوى الهندية ١/ ١٩٥.
(٢) المهذب ١/ ٣٥، البيان ١/ ١٠١، المجموع ٦/ ٢٨٩، إعانة الطالبين ٢/ ٥٦، مغني المحتاج ١/ ٣٤٣.
(٣) الإنصاف ١/ ١٤٢، كشاف القناع ١/ ٨٧، الروض المربع ص ٢٩، مطالب أولي النهى ١/ ١٠٦.
(٤) المدخل لابن الحاج ٢/ ٢٧٤، الشرح الكبير للدردير ١/ ٥٢٠، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني ١/ ٢٠٣، التاج والإكليل ٢/ ٢٠٧.
(٥) شرح عمدة الفقه كتاب الصلاة لابن تيمية ١/ ٥٩٢، الإنصاف ١/ ١٤٢، كشاف القناع ١/ ٨٧، مطالب أولي النهى ١/ ١٠٦.
(٦) الحَيْس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن. ينظر: الصحاح ٣/ ٩٢٠، النهاية ١/ ٤٦٧.
(٧) أَدْنِيه: من الإدناء، أي: قربيه. ينظر: النهاية ٢/ ١٣٨ مادة: دنا، عون المعبود ٧/ ٩٠، حاشية السندي على سنن النسائي ٤/ ١٩٣.
(٨) أخرجه مسلم ٢/ ٨٠٨ رقم ١١٥٤، كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وأبو داود ٢/ ٣٢٩ رقم ٢٤٥٥، كتاب الصوم، باب في الرخصة في ذلك، واللفظ له.
(٩) رواه مسلم ٢/ ٩٠٥ رقم ١٢٣٢، كتاب الحج، باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة.
[ ١٦٦ ]
وجه الاستدلال: أن الحديث فيه التصريح باللفظ، والحُكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس، فيقاس الصيام على الحج والعمرة (١).
الدليل الثالث: ولأن التلفظ بالنية كمال؛ لأنه أتى بالنية في محلها وهو القلب، ونطق بها اللسان؛ وذلك زيادة كمال (٢)، فتكون مستحبة.
الدليل الرابع: ولأن اللسان يعبر عما استقر في القلب (٣).
الدليل الخامس: ولأن اللسان يساعد القلب على استحضار النية، فيوافقه (٤).
الدليل السادس: ولأنها تنفع المشوش الخاطر الموسوس الفكر، إذا خشي أن لا يرتبط في قلبه عقد النية فيعضده بالقول حتى يذهب عنه اللبس (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يشرع التلفظ بالنية في الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن النيات محلها القلوب، والله تعالى يعلم ما في القلوب، ولو لم يتلفظ بالنية، والمتلفظ بها يعلم الله ﷾ بدينه الذي في قلبه (٧).
الدليل الثاني: عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحدث (٨) في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ (٩)» (١٠).
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح ١/ ٤٣، وكوثر المعاني الدراري ٢/ ٤٢٠.
(٢) ينظر: المدخل لابن الحاج ٢/ ٢٧٤.
(٣) ينظر: الشافي في شرح مسند الشافعي ١/ ١٩١.
(٤) ينظر مغني المحتاج ١/ ٣٤٣، وكوثر المعاني الدراري ٢/ ٤٢٠، وكشاف القناع ١/ ٨٧.
(٥) ينظر: مغني المحتاج ١/ ٣٤٣.
(٦) سورة الحجرات: الآية: ١٦.
(٧) ينظر: مجموع فتاوى صالح الفوزان ١/ ٢٣٨، وشرح العمدة كتاب الصلاة لابن تيمية ص ٥٩١.
(٨) الحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. ينظر: النهاية ١/ ٣٥١.
(٩) فهو رَدّ: أي مردود عليه. ينظر: النهاية ٢/ ٢١٣، تاج العروس ٨/ ٨٨.
(١٠) رواه البخاري ٣/ ١٨٤ رقم ٢٦٩٧، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم ٣/ ١٣٤٣ رقم ١٧١٨، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد المحدثات.
[ ١٦٧ ]
وفي لفظ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
وجه الاستدلال: إن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله - ﷺ -، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه تلفظ بالنية، وكذلك لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه عَلَّم أحدا من الصحابة التلفظ بالنية، ولو كان التلفظ مشروعا لنُقِل إلينا كما نُقِلت إلينا أدق أعماله، فعُلِم أن التلفظ بها بدعة مُحدَثة (٢).
الدليل الثالث: ولأنها لم تَرِد عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحد من السلف؛ ولو كانت خيرا لسبقونا إليها (٣).
الدليل الرابع: ولأن النية من أعمال القلب، فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح، كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان، لم تفتقر إلى غيره من الجوارح (٤).
الدليل الخامس: ولأن الصحابة الكرام - ﵃ - لم ينقلوا إلينا أن النبي - ﷺ - قد تلفظ بالنية، لا سرا ولا جهرا، ولا أَمَر بذلك، فلما لم ينقله أحد عُلِم قَطعا أنه لم يكن. وحينئذ فتَرْك التلفظ بها هو السُنَّة (٥).
الدليل السادس: ولأن المتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع، كان قد واضب على فعل مُبتَدع (٦).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه لا يشرع التلفظ بالنية في العبادات، ومن ذلك الصوم، بل التلفظ بها بدعة محدثة؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا لبينه الرسول - ﷺ - وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث عائشة، وقولهم إن النبي - ﷺ - قد تلفظ فيه بالنية، فيجاب عنه:
_________________
(١) رواه مسلم ٣/ ١٣٤٣ رقم ١٧١٨، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.
(٢) ينظر: شرح العمدة كتاب الصلاة لابن تيمية ص ٥٩١، واتباع لا ابتداع ص ١٠٧.
(٣) ينظر: القبس في شرح الموطأ ١/ ٢١٤، والمدخل لابن الحاج ٢/ ٢٧٤، وكشاف القناع ١/ ٨٧.
(٤) ينظر: الحاوي الكبير ٢/ ٩٢.
(٥) ينظر: حاشية الروض المربع ١/ ١٩٢.
(٦) ينظر: مرقاة المفاتيح ١/ ٤٢، إعلام الموقعين ٢/ ٣٨٩ - ٣٩١.
[ ١٦٨ ]
أين التلفظ بالنية في حديث عائشة؟، إن ما وقع من النبي - ﷺ - هو إخبار بأنه صائم. فأين من يقول مخبرا: إني صائم، ممن يقول: نويت صيام يوم كذا وكذا فرضا لله، هل يستويان مثلا؟ .
ثانيا: وأما استدلالهم بتلبية النبي - ﷺ -، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أنه - ﷺ - إنما قال ذلك في ابتداء إحرامه؛ تعليما للصحابة ما يُهِلُّون به، ويقصدونه من النُسُك (١).
الثاني: أن هذا ليس مما نحن فيه، فإن النبي - ﷺ - كان يَذكُر نُسُكه في تلبيته، فيقول: «لَبَّيك عمرة وحجا»، وإنما كلامنا أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: «اللهم إني أريد الحج أو العمرة»، حتى يستقيم لهم القياس (٢).
ثالثا: وأما استحبابهم التلفظ بالنية، فيجاب عنه:
أن الاستحباب حكم شرعي لا يكون إلا بدليل، ولا دليل (٣).
رابعا: وأما قولهم: إن اللسان يساعد القلب ويعبر عما استقر فيه، وليوافقه، فيجاب عنه:
"أن النية بليغ العلم، فمتى عَلِم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة، فلا يُتَصَور مع وجود العلم بالعقل أن يَفعل بلا نية، ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نيةٌ" (٤).
فلا معنى حين إذ لاقتران اللسان بعقد النية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة من أول كتاب الصلاة ص ٥٩١، ومرقاة المفاتيح ١/ ٤٣.
(٢) ينظر جامع العلوم والحكم ١/ ٩٦، ومرقاة المفاتيح ١/ ٤٢.
(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٢/ ٢٢٢، إعلام الموقعين ٢/ ٣٨٩ - ٣٩١.
(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ١٦٩ ]