اختيار الشيخ: اختار أن الحجامة لا تُفَطِّر ولكن يستحب تركها، فقال: "وحينئذ فيندب تركها (أي الحجامة) كالفَصْد (٢) ونحوه؛ تَحرُّزا عن إضعاف البدن" (٣).
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب والجماع (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٥).
واتفقوا أن خروج دم الحيض والنِفاس مفسد للصيام (٦).
واختلفوا في الحجامة هل تُفطِّر الصائم أم لا؟، على قولين:
القول الأول: أن الحجامة لا تُفطِّر الصائم.
وبه قال: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والظاهرية (١٠)، وهو اختيار الشيخ.
_________________
(١) الحِجامَة: مأخوذة من الحجم وهو المَصّ. والمِحجم، بالكسر: الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المص. ينظر: النهاية ١/ ٣٤٧، مختار الصحاح ص ٦٧، تاج العروس ٣١/ ٤٤٤.
(٢) الفَصْد: من فَصَد يفصِد فَصْدا وفِصادا، وهو شق الوريد وإخراج شيء من دمه بقصد التداوي ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٥٦، مختار الصحاح ص ٢٤٠، معجم لغة الفقهاء ص ٣٤٦.
(٣) مرعاة المفاتيح ٦/ ٥٣٣.
(٤) ينظر: الإقناع لابن المنذر ١/ ١٩٣، الإقناع لابن القطان ١/ ٢٣١، مراتب الإجماع ص ٣٩، الاستذكار ٣/ ٣٧٢، بداية المجتهد ٢/ ٥٢.
(٥) سورة البقرة: آية: ١٨٧.
(٦) ينظر: مراتب الإجماع ص ٤٠، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٢٣٠، المبسوط للسرخسي ٣/ ١٥٢، الاستذكار ٣/ ٣٢٤، شرح العمدة كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ٢٤٤ و٤٣٢.
(٧) بدائع الصنائع ٢/ ١٠٧، تحفة الفقهاء ١/ ٣٦٨، تبيين الحقائق ١/ ٣٢٢، البناية ٤/ ٤٠.
(٨) المدونة ١/ ٢٧٠، الرسالة ص ٦٠، جامع الأمهات ص ١٧، مواهب الجليل ٢/ ٤١٦. وعند المالكية: تكره الحجامة؛ لأن الغالب منها لحوق الضعف. ينظر: المعونة ١/ ٤٧٤، والقبس ١/ ٥٠٧.
(٩) الأم ٢/ ١٠٦، الحاوي ٣/ ٤٦٠ - ٤٦١، المجموع ٦/ ٣٤٩، روضة الطالبين ٢/ ٣٦٩.
(١٠) المحلى ٤/ ٣٣٥.
[ ٢٤٥ ]
وقال به من الصحابة: أم سلمة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، - ﵃ - (١).
القول الثاني: أن الحجامة تُفطِّر الحاجم والمحتجم وعليهما القضاء.
وبه قال: الحنابلة (٢)، وإسحق بن راهويه (٣)، والأوزاعي (٤).
وقال به: علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعائشة، - ﵃ -، وابن سيرين، والحسن البصري، وعطاء (٥).
سبب الخلاف:
قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: تعارض الآثار الواردة في ذلك" (٦).
أدلة القول الأول: القائلين بأن الحجامة لا تُفطِّر الصائم.
الدليل الأول: عن ابن عباس - ﵄ -: «أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» (٧).
وفي رواية: «احتجم رسول الله - ﷺ - بين مكة والمدينة وهو صائم محرم» (٨).
_________________
(١) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨، والاستذكار ٣/ ٣٢٢، والمجموع ٦/ ٣٤٩، والمغني ٣/ ١٢٠.
(٢) مسائل أحمد رواية أبي داوود ص ١٣٠، المغني ٣/ ١٢٠، الفروع ٥/ ٧، الإنصاف ٣/ ٣٠٢.
(٣) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢٤٢، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٠، المغني ٣/ ١٢٠، بداية المجتهد ٢/ ٥٣.
(٤) المجموع ٦/ ٣٤٩، بداية المجتهد ٢/ ٥٣.
(٥) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٧، والمجموع ٦/ ٣٤٩، والمغني ٣/ ١٢٠. بل إن عطاء أوجب عليهما الكفارة أيضا، ووُصِف قوله هذا بالشذوذ. ينظر: الاستذكار ٣/ ٣٢٦، المجموع ٦/ ٣٤٩، التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٠٩.
(٦) بداية المجتهد ٢/ ٥٣.
(٧) رواه البخاري ٢/ ٦٨٥ رقم ١٨٣٦، كتاب الصوم، باب الحجامة والقيئ للصائم.
(٨) رواه أحمد ٣/ ٤١٤ رقم ١٩٤٣، والدارقطني في السنن ٣/ ٢٦٠ رقم ٢٥١٣، كتاب الحج، باب المواقيت، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤٣٨ رقم ٨٢٦٤، في الصيام، باب الصائم يحتجم لا يبطل صومه، وقال شعيب الأرناؤوط: "إسناده ضعيف".
[ ٢٤٦ ]
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - احتجم في حجة الوداع وهو صائم؛ لأن ابن عباس ¢ لم يصحبه - ﷺ - في سفره وهو محرم إلا في حجة الوداع، فدل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تُفَطِّر.
قال ابن عبد البر: "فابن عباس شهد معه حجة الوداع، وشهد حجامته يومئذ محرم صائم. فإذا كانت حجامته - ﷺ - عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة؛ لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان؛ لأنه توفي في ربيع الأول - ﷺ - " (١).
الدليل الثاني: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أول ما كُرِهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب (٢) - ﵁ - احتجم وهو صائم، فمر به النبي - ﷺ -، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي - ﷺ - بعد في الحجامة للصائم»، «وكان أنس يحتجم وهو صائم» (٣).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد - ﵁ - قال: «رَخَّص النبي - ﷺ - في القُبلة للصائم، ورخَّص في الحجامة للصائم» (٤).
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الفطر بالحجامة منسوخ؛ لأن الرخصة تأتي بعد العزيمة (٥).
_________________
(١) الاستذكار ٣/ ٣٢٤.
(٢) هو: جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو عبد الله، صحابي هاشمي من شجعانهم، يقال له: جعفر الطيار، وهو من السابقين إلى الإسلام، وكان خطيب القوم أمام ملك الحبشة، كان أمير الجيش إلى مؤتة بعد زيد بن حارثة، فاستشهد هناك - ﵁ -، روى عنه: عمرو بن العاص، وابن مسعود، وغيرهم. ينظر: معرفة الصحابة ٢/ ٥١١، والاستيعاب ١/ ٢٤٢، السير ١/ ٢٠٦.
(٣) رواه الدارقطني في السنن ٣/ ١٤٩ رقم ٢٢٦٠، في الصيام، باب القبلة للصائم، وقال: "كلهم ثقات ولا أعلم له علة"، وعنه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤٤٦ رقم ٨٣٠٢، في الصيام، باب ما يستدل به على نسخ الحديث، وقال الألباني في الإرواء ٤/ ٧٣: "وهو كما قالا".
(٤) رواه ابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٢٣٠ رقم ١٩٦٧، في الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا، والنسائي في الكبرى ٣/ ٣٤٥ رقم ٣٢٢٤، في الصيام، باب الحجامة للصائم، والدارقطني في السنن ٣/ ١٥٢ رقم ٢٢٦٨، في الصيام باب القبلة للصائم، وقال: "كلهم ثقات، وغير معتمر يرويه موقوفا"، وصححه الألباني في الإرواء ٤/ ٧٤.
(٥) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٧٨.
[ ٢٤٧ ]
الدليل الرابع: عن ثابت البُناني (١) قال: سئل أنس بن مالك - ﵁ -: «أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي - ﷺ -؟، قال: لا؛ إلا من أجل الضعف» (٢).
الدليل الخامس: عن أبي سعيد - ﵁ - قال: «إنما كُرِهت للصائم من أجل الضعف» (٣).
الدليل السادس: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «يقولون: أفطر الحاجم والمحجوم؟، ولو احتجمتُ ما بالَيْتُ» (٤).
وجه الاستدلال: أن قول أبي هريرة - ﵁ - هذا يدل على أنه قد ثبت عنده الرخصة في الحجامة (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن الحجامة تُفطِّر الحاجم والمحتجم وعليهما القضاء.
الدليل الأول: عن ثَوْبان (٦) - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٧).
_________________
(١) هو: ثابت بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، أحد أئمة التابعين، روى عن: أنس، وابن الزبير، وابن عمر، وروى عنه: حميد الطويل، وشعبة، ومعمر، وغيرهم، توفي سنة ١٢٧ وقيل ١٢٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٢٠، تهذيب الكمال ٤/ ٣٤٢، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٨٢.
(٢) رواه البخاري ٣/ ٣٣ رقم ١٩٤٠، كتاب الصوم، باب الحجامة والقيء للصائم.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٨ رقم ٩٣٢٣، في الصوم، باب من رخص للصائم أن يحتجم، وابن خزيمة ٣/ ٢٣٢ رقم ١٩٧١، في الصوم، باب ذكر بيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٢٦٤ رقم ٨٢٦٧، في الصيام، باب الصائم يحتجم، وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٦٩: "رجاله ثقات"، وقال الألباني في تعليقه على ابن خزيمة: "إسناده صحيح موقوف".
(٤) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ٢١١ رقم ٧٥٢٧، في الصيام باب الحجامة للصائم، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٧٩، والنسائي في السنن الكبرى ٣/ ٣٣١ رقم ٣١٦٦.
(٥) ينظر: التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٠٧.
(٦) هو: ثَوْبان بن جَحْدَرٌ القرشي الهاشمي، أبو عبد الله، مولى رسول الله - ﷺ -، من أهل اليمن أصابه سبيا فاعتقه، ولم يزل معه في الحضر والسفر حتى توفي - ﷺ -، ثم خرج إلى الشام، ثم حمص، وتوفي بها سنة ٥٤ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ١/ ٥٠١، سير أعلام النبلاء ٣/ ١٦، تاريخ دمشق ١١/ ١٦٦.
(٧) رواه أبو داود ٢/ ٣٠٨ رقم ٢٣٦٧، في الصوم، باب في الصائم يحتجم، والنسائي في الكبرى ٣/ ٣١٨ رقم ٣١٢٠، وابن ماجة ١/ ٥٣٧ رقم ١٦٨٠، في الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم، وأحمد ٣٧/ ٦٤ رقم ٢٢٣٨١، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ١٣٢ رقم ٢٠٤٩: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وينظر: إرواء الغليل ٤/ ٦٥ - ٧٥.
[ ٢٤٨ ]
الدليل الثاني: عن شَداد بن أَوْس (١) - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أتى على رجل بالبَقِيع (٢) وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣).
الدليل الثالث: عن رافع بن خَدِيج (٤) - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٥).
وجه الاستدلال: أن الحديث نص في حصول الفطر بالحجامة (٦).
الدليل الخامس: عن سالم: «أن ابن عمر - ﵁ - كان يحتجم وهو صائم. فبلغه حديث أَوْس، فكان إذا كان صائما احتجم بالليل» (٧).
_________________
(١) هو: شَداد بن أَوْس بن ثابت، أبو يعلى الأنصاري الخزرجي، صحابي من الأمراء، ولاه عمر - ﵁ - إمارة حمص، ولما قتل عثمان - ﵁ - اعتزل، وعكف على العبادة، إلى أن توفي سنة ٥٨ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٣/ ١٤٥٩، سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٦٠، والأعلام ٣/ ١٥٨.
(٢) البقيع: أي بقيع الغَرْقَد: وهو مقبرة أهل المدينة، وهو معروف لا يجهله أحد، بجوار المسجد النبوي من جهة الشرق. ينظر: المعالم الأثيرة ص ٥٢.
(٣) رواه أبو داود ٢/ ٣٠٨ رقم ٢٣٦٩، في الصيام، باب في الصائم يحتجم، وابن ماجة ١/ ٥٣٧ رقم ١٦٨١، في الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم، وأحمد ٢٨/ ٣٣٦ رقم ١٧١١٣، وقال محققه الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ١٣٤ رقم ٢٠٥١.
(٤) هو: رافِع بن خَدِيج بن رافع، أبو عبد الله الأنصاري الأوسي الحارثي، كان عريف قومه، استصغر يوم بدر، وشهد أحدا والخندق، روى عنه: ابنه رفاعة، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، توفي بالمدينة سنة ٧٤ هـ. ينظر: الاستيعاب ٢/ ٤٧٩، الإصابة ٢/ ٣٦٢، السير ٣/ ١٨٢.
(٥) رواه الترمذي ٣/ ١٤٤ رقم ٧٧٤، أبواب الصوم باب كراهية الحجامة للصائم، وقال: "حديث حسن صحيح"، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: "أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج"، وأحمد ٣/ ٤٦٥ رقم ١٥٨٦٦، وقال شعيب الأرنؤوط: "حديث صحيح رجاله ثقات"، وابن خزيمة ٣/ ٢٢٧ رقم ١٩٦٤، ونقل عن علي بن عبد الله قوله: "لا أعلم في: «أفطر الحاجم والمحجوم» حديثا أصح من ذا"، وقال ابن قدامة: "رواه عن النبي - ﷺ - أحد عشر نفسا". المغني ٣/ ١٢٠.
(٦) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ٤٣٦، وينظر: معالم السنن ٢/ ١١٠.
(٧) أخرجه أحمد كما في مسائل ابنه عبد الله ص ١٨٢ رقم ٦٨٣، وهو عند البخاري معلقا ٣/ ٣٣، باب الحجامة والقيء للصائم: «وكان ابن عمر ﵄، يحتجم وهو صائم، ثم تركه، فكان يحتجم بالليل»، ووصله: مالك رواية أبي مصعب ١/ ٣٢٣ رقم ٨٣٨، باب الحجامة للصائم، وقال الألباني في مختصر البخاري ١/ ٥٦٥: "وصله مالك بإسناد صحيح عنه".
[ ٢٤٩ ]
وجه الاستدلال: أن ابن عمر - ﵄ - ما كان ليترك الحجامة في النهار، ويؤخرها إلى الليل إلا لأنه فهم أنها تفسد الصوم، وأنه حُكمٌ غير منسوخ.
الدليل الرابع: عن أبي العالية (١)، قال: دخلت على أبي موسى الأشعري - ﵁ - وهو أمير البصرة ممسيا، فوجدته يأكل ثمرا وكامخا (٢)، وقد احتجم. فقلت له: ألا تحتجم نهارا؟، فقال: «أتأمرني أن أهريق (٣) دمي وأنا صائم» (٤).
وجه الاستدلال: إنكار أبي موسى - ﵁ - على من أشار عليه بالحجامة في يوم الصيام، يدل على أنه كان يرى أنها مفسدة للصوم.
الدليل السادس: ولأن النبي - ﷺ - إنما احتجم وهو مُحْرِم صائم في السفر؛ لأنه لم يكن قط مُحْرِما مقيما ببلده، والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة وغيرها؛ فلا يلزم من حجامته أنها لا تُفطِّر، فاحتجم - ﷺ - وصار مُفطِرا، وذلك جائز (٥).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن الحجامة لا تُفطِّر الصائم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به؛ ولأن حديث ابن عباس - ﵁ - في احتجامه - ﷺ - ناسخ لأحاديث إفطار الحاجم والمحجوم.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما حديث أفطر الحاجم والمحجوم فيجاب عنه بثلاثة أجوبة:
_________________
(١) هو: رُفَيْع بن مِهْرَان الرِّيَاحِيّ، أبو العالية البًصْري، مولى امرأة من بني رياح، الإمام المقرئ الحافظ المفسر، أحد الأعلام من كبار التابعين، سمع من: عمر، وعلي، وأبي، توفي بعد ٩٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٨٤.
(٢) الكامَخ:، إدام يؤتدم به، أو المخلَّلات. ينظر: المصباح المنير ٨/ ١٥١، المعجم الوسيط ٢/ ٧٩٨.
(٣) أَهْرَق: أصله: أراق، أي: أسال. ينظر: مختار الصحاح ص ٣٢٦، القاموس المحيط ١/ ٩٣٠.
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ٣/ ٣٣٩ رقم ٣٢٠١، في الصيام باب الحجامة للصائم، وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٠٧ رقم ٩٣٠٧، في الصيام، باب من كره أن يحتجم الصائم، وقال الألباني في مختصر البخاري ١/ ٥٦٥: "وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، والنسائي، والحاكم".
(٥) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ٤٤٤، ومعالم السنن ٢/ ١١١.
[ ٢٥٠ ]
الجواب الأول: أنه منسوخ ودليل النسخ أمران:
الأول: أن حديث شداد بن أوس - ﵁ - والذي فيه: «أفطر الحاجم والمحجوم»، كان في زمان الفتح. أما حديث ابن عباس - ﵄ - والذي فيه إثبات حجامة النبي - ﷺ - وهو صائم كان في حجة الوداع (١).
قال ابن عبد البر: "وصح النسخ فيها؛ لأن حجامته - ﷺ - صحت عنه وهو صائم محرم عام حجة الوداع، وقوله: «افطر الحاجم والمحجوم»، كان منه عام الفتح، في صحيح الأثر بذلك" (٢).
الثاني: ويدل على النسخ أيضا قوله في حديث أنس - ﵁ - السابق: «ثم رخص النبي - ﷺ - بعدُ في الحجامة»، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد النهي (٣).
الجواب الثاني: أن حديث ابن عباس - ﵄ - أصح سندا، فوجب تقديمه (٤).
الجواب الثالث: أن معناه: تَعَرَضا للفطر، أما المحجوم: فلضعفه بخروج الدم، فربما لحِقَه مشقة فعجز عن الصوم فأفطر بسببها. وأما الحاجم: فقد يصل إلى جوفه شيء من الدم أو غيره إذا ضم شفتيه على قارورة الحجامة. كما يقال للمتعرض للهلاك: هَلَكَ فلان، وإن كان باقيا سالما. وكقوله - ﷺ -: «من ولي القضاء فقد ذُبِح بغير سكين» (٥)؛ أي: تعرض للذبح بغير سكين (٦).
ثانيا: وأما قولهم في حديث ابن عباس - ﵄ - إن النبي - ﷺ - احتجم وهو مسافر، والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة، فيجاب عنه:
_________________
(١) ينظر: المجموع ٦/ ٣٥٢، والسنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٤٤٦، والحاوي الكبير ٣/ ٤٦١.
(٢) الاستذكار ٣/ ٣٢٥.
(٣) ينظر السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٤٤٦، والمجموع ٦/ ٣٥٢.
(٤) المصدران السابقان.
(٥) رواه أبو داوود ٣/ ٢٩٨ رقم ٣٥٧١، كتاب الأقضية، باب في طلب القضاء، واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁، والترمذي ٣/ ٦٠٦ رقم ١٣٢٥، أبواب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله - ﷺ - في القاضي، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٥١٤ رقم ٢١٧١: "حسن صحيح".
(٦) ينظر: معالم السنن ٢/ ١١٠، والمجموع ٦/ ٣٥٣.
[ ٢٥١ ]
أن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن ابن عباس - ﵁ - قد أثبت الصيام للنبي - ﷺ - حين احتجم؛ ولو أن الحجامة كانت قد أفسدت صومه - ﷺ - لقال: إنه - ﷺ - أفطر بالحجامة، كما يقال: أفطر الصائم بشرب الماء، وبأكل التمر، وما أشبه ذلك، ولا يقال: شَرِب الماء صائما، ولا أكل التمر وهو صائم (١).
ثالثا: وأما استدلالهم بأن الصحابة كانوا يؤخرون الاحتجام إلى الليل، فيجاب عنه:
بأن عمل الصحابة ليس صريحا في كونهم يرون الفطر بالحجامة. ولعل هذا التأخير إلى الليل خشية الضعف الذي يؤدي إلى الفطر، ويؤيد ذلك أن أنسا - ﵁ - وأبا سعيد - ﵁ - قد عللا ترك الصحابة للحجامة بذلك كما سبق.
والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: معالم السنن ٢/ ١١١، والمجموع ٦/ ٣٥٣.
[ ٢٥٢ ]