اختيار الشيخ: اختار جواز الصيام والفطر في السفر، فقال: "وفيه دلالة لمذهب الجمهور في جواز الصوم والفطر جميعا" (١).
تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض والمسافر، وذلك في الجملة (٢)، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام، أنه يجزئه (٤).
واختلفوا في حكم الصيام في السفر على قولين:
القول الأول: يجوز الصوم والإفطار في السفر.
وبه قال: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٩)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يحل الصيام في السفر ولا يصح.
وهو قول: الظاهرية (١٠).
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٧/ ١١. يعني في حديث ابن عباس الذي سيأتي في الأدلة.
(٢) حكى الإجماع: ابن حزم في مراتب الإجماع ص ٤٠، والنووي في روضة الطالبين ٢/ ٣٦٩، وابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٦٧، والرافعي في الشرح الكبير ٣/ ٢١٧، وابن قدامة في المغني ٣/ ١١٦.
(٣) سورة البقرة: آية: ١٨٤.
(٤) ينظر: مراتب الإجماع ص ٤٠، الاستذكار ٣/ ٣٠٥، البناية للعيني ٤/ ٧٦، المغني ٣/ ١٥٥، التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٢٧.
(٥) الحجة على أهل المدينة ١/ ٣٧٨، المبسوط ٣/ ٩١، بدائع الصنائع ٢/ ٩٥، تبيين الحقائق ١/ ٣٣٣.
(٦) المدونة ١/ ٢٧٢، الكافي ١/ ٣٣٧، المنتقى ٢/ ٤٨، مواهب الجليل ٢/ ٤٠١.
(٧) مختصر المزني ٨/ ١٥٣، المهذب ١/ ٣٢٧، الوسيط ٢/ ٥٤٠، المجموع ٦/ ٢٦٤.
(٨) المغني ٣/ ١١٦، المبدع ٣/ ١٣، الإنصاف ٣/ ٢٨٧، كشاف القناع ٢/ ٣١٢.
(٩) التمهيد ٢٢/ ٤٨، المجموع ٦/ ٢٦٥، بدائع الصنائع ٢/ ٩٥، تفسير الماوردي ١/ ٢٣٨.
(١٠) المحلى ٤/ ٣٨٤. وقيَّدوا: تحريم الصيام وعدم الاجزاء بصيام رمضان دون غيره من الصيام سواء كان الصيام واجبا أو مستحبا.
[ ١٩٤ ]
وروي ذلك عن: عبد الرحمن بن عَوف (١)، وعبد الله بن عمر، وابن عباس -في رواية-، وأبي هريرة ﵃ (٢).
سبب الخلاف: يرجع سبب اختلافهم في هذه المسألة إلى أمرين والله أعلم:
السبب الأول: اختلافهم هل المسافر مخاطب بالصيام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أي في الآية إضمارا، أم لا؟ (٣).
السبب الثاني: هل صيام رمضان في السفر منسوخ أم لا؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بجواز الصوم والإفطار في السفر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤).
وجه الاستدلال من الآية: أن الخطاب عام للمسافر والمقيم (٥).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله افترض صيام الأيام الثلاثة لمن لم يجد (الهَدْي) (٧) حال كونه في سفر الحج؛ لأن المخاطبين هنا هم الغرباء؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨).
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث، أبو محمد القرشي الزهري، من كبار الصحابة، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، توفي بالمدينة سنة ٢٢ هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: الطبقات الكبرى ٣/ ١٢٥، معرفة الصحابة ١/ ١١٦، وتهذيب الكمال ١٧/ ٣٢٤.
(٢) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٢، المجموع ٦/ ٢٦٤، المحلى ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤، بدائع الصنائع ٢/ ٩٥.
(٣) ينظر: مناهج التحصيل ٢/ ٨، وبداية المجتهد ٢/ ٥٧.
(٤) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
(٥) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩١.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٩٦.
(٧) الهَدْي: اسم لما يهدى أي يُنقَل، وهو ما يُنقَل للذبح من النَعَم إلى الحَرَم. ويكون من الإبل والبقر والغنم. ينظر: طلبة الطلبة ص ٣٥، التعريفات للجرجاني ص ٢٥٦.
(٨) ينظر: تفسير مجاهد ص: ٢٢٨، وتفسير الطبري ٣/ ١١٠، والمحلى ٤/ ٤٠١.
[ ١٩٥ ]
الدليل الثالث: عن عائشة - ﵂ - أن حمزة بن عمرو الأَسْلمي (١) - ﵁ - قال للنبي - ﷺ -: أصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام -، قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» (٢).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث نص في إثبات الخيار للمسافر في الصوم والإفطار (٣).
وفيه دليل على جواز صيام الفرض والنفل في السفر؛ لأن سؤال حمزة بن عمرو - ﵁ - عام، فإذا خرج الجواب مطلقا حمل على عمومه، ولا يُخص صوم دون صوم إلا بدليل (٤).
الدليل الرابع: وعنه - ﵁ - أيضا قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جُناح (٥)؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هي (رخصة) (٦) من الله، فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (٧).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - جعل الفطر في السفر رخصة، وهذا يُشعِر بأن حمزة - ﵁ - سأل عن صيام الفريضة؛ وذلك إن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب (٨).
الدليل الخامس: وعنه - ﵁ - أيضا، قال: يا رسول الله، إني صاحب ظَهْر (٩) أُعَالِجه (١٠) أسافر عليه، وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان، وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجد
_________________
(١) هو: حمزة بن عمرو بن عُوَيْمر بن الحارث الأسلمي المدني، صحابي روى عن: أبي بكر، وعمر، وعنه: ابنه محمد، وعائشة أم المؤمنين، وغيرهما. هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبة الله عليه، توفي سنة ٦١ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣١٥، معرفة الصحابة ٢/ ٦٨٠، تاريخ الإسلام ٢/ ٦٣٩.
(٢) متفق عليه: رواه البخاري ٣/ ٣٣ رقم ١٩٤٣، كتاب الصيام، باب الصوم في السفر والإفطار، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٨٩ رقم ١١٢١، كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر.
(٣) ينظر: عون المعبود ٧/ ٢٩.
(٤) ينظر: المنتقى للباجي ٢/ ٥٠.
(٥) الجُناح: أي الإثم والتضييق. ينظر: مشارق الأنوار ١/ ١٥٥، ومعجم لغة الفقهاء ١/ ١٦٧.
(٦) الرخصة في اللغة: هي اليسر والسهولة، وفي الشرع: صرف الأمر من عسر إلى يسر بسبب عذر في المكلف. ينظر: أصول الشاشي ص ٣٨٥.، ومعجم مقاييس اللغة ٢/ ٥٠٠.
(٧) رواه مسلم ٢/ ٧٩٠ رقم ١١٢١، كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر.
(٨) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٨٠، وعمدة القاري ١١/ ٤٥.
(٩) الظَهْر: الإبل التي يحمل عليها ويركب. ينظر: النهاية ٣/ ١٦٦، لسان العرب ٤/ ٥٢٢.
(١٠) أُعَالجه: أي: أزاوله، وأمارسه وأكاري عليه. النهاية ٣/ ٢٨٦، تاج العروس ٦/ ١٠٨.
[ ١٩٦ ]
بأن أصوم، يا رسول الله، أهون علي من أن أؤخره، فيكون دينا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري، أو أفطر؟ قال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزةُ» (١).
وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في أن صيام حمزة - ﵁ - كان في رمضان، فخيره رسول الله - ﷺ - بين الصيام والإفطار (٢).
الدليل السادس: عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم، إلا رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن رَواحَة (٣)» (٤).
وجه الاستدلال: أن الصوم والإفطار في السفر لو لم يكونا مباحين لما صام النبي - ﷺ - وعبد الله بن رواحة ¢، وأفطر الصحابة (٥).
وفيه رَدّ على من منع صوم رمضان في السفر (٦).
الدليل السابع: عن أنس - ﷺ - قال: «كنا نسافر مع النبي - ﷺ - فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٧).
_________________
(١) رواه أبو داود ٢/ ٣١٦ رقم ٢٤٠٣، كتاب الصوم، باب الصوم في السفر، واللفظ له، والحاكم ١/ ٥٩٨ رقم ١٥٨١، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤٠٥ رقم ٨١٤٣، باب جواز الفطر في السفر القاصد دون القصير، وينظر: إرواء الغليل ٤/ ٦١ رقم ٩٢٦.
(٢) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٨٠، وعمدة القاري ١١/ ٤٥.
(٣) هو: عبد الله بن رَواحَة بن ثعلبة، أبو محمد الأنصاري الخزرجي، صحابي أحد النقباء، شهد العقبة، وبدرا، واستخلفه النبي - ﷺ - على المدينة في إحدى غزواته، روى عنه: ابن عباس، وأبو هريرة ﵃، قتل يوم مؤتة شهيدا سنة ٨ هـ. ينظر: الإصابة ٤/ ٧٢، والاستيعاب ٣/ ٨٩٨، والأعلام ٤/ ٨٦.
(٤) متفق عليه: رواه البخاري ٣/ ٣٤ رقم ١٩٤٥، كتاب الصوم، باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر، ومسلم ٢/ ٧٩٠ رقم ١١٢٢، كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر، واللفظ له.
(٥) ينظر: عمدة القاري ١١/ ٤٦، وإرشاد الساري ٣/ ٣٨٥.
(٦) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٦٥.
(٧) رواه البخاري ٣/ ٣٤ رقم ١٩٤٧، كتاب الصوم، باب لم يعب أصحاب النبي - ﷺ - بعضهم بعضا في الصوم والإفطار، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٨٨ رقم ١١١٨، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر
[ ١٩٧ ]
وفي رواية: سئل أنس - ﵁ - عن صوم رمضان في السفر؟ فقال: «سافرنا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (١).
الدليل الثامن: عن أبي سعيد الخدري - ﷺ - قال: «كنا نغزوا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يَجِد (٢) الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن» (٣).
وجه الاستدلال: في الحديث حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه؛ لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر، يدل على أن ذلك عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به. ولا حجة لأحد مع السُنَّة الثابتة، وقد ثبت أنه - ﷺ - صام ولم يعب على من صام ولا على من أفطر، فوجب التسليم له (٤).
الدليل العاشر: عن ابن عباس - ﵄ - قال: «سافر رسول الله - ﷺ - في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان (٥)، ثم دعا بإناء من ماء، فشرب نهارا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة». فكان ابن عباس - ﵄ - يقول: «صام رسول الله - ﷺ - في السفر وأفطر»، فمن شاء صام ومن شاء أفطر (٦).
وجه الاستدلال: الحديث صريح أنه - ﷺ - صام في السفر، وهو رد على من لم يُجِز الصوم فيه (٧).
_________________
(١) رواه البخاري ٣/ ٣٤ رقم ١٩٤٧، كتاب الصوم، باب لم يعب أصحاب النبي - ﷺ - بعضهم بعضا في الصوم والإفطار، ومسلم ٢/ ٧٨٧ رقم ١١١٨، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، واللفظ له.
(٢) وجدت على فلان: إذا غضبت عليه. ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ١١٠ تاج العروس ٩/ ٢٦١.
(٣) رواه مسلم ٢/ ٧٨٧ رقم ١١١٦، في الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ..
(٤) ينظر: شرح البخاري لابن بطال ٤/ ٨٨، التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٤٥، عمدة القاري ١١/ ٥٠.
(٥) عُسْفان: بضم العين وسكون السين وفاء وألف وآخره نون: بلد على مسافة ثمانين كيلا من مكة شمالا على طريق المدينة المنورة. ينظر. المعالم الأثيرة ص ١٩٢، معجم البلدان ٦/ ١٧٣.
(٦) متفق عليه: رواه البخاري ٣/ ٣٤ رقم ١٩٤٨، كتاب الصوم، باب من أفطر في السفر ليراه الناس، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٨٥ برقم ١١١٣،كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
(٧) ينظر: عمدة القاري ١١/ ٤٦، نخب الأفكار ٨/ ٣٣٣.
[ ١٩٨ ]
وهذا ابن عباس - ﵄ - يقول: «فمن شاء صام ومن شاء أفطر»، أي: لا حرج على أحدهما (١).
الدليل الحادي عشر: ولأن المريض لو تكلف فصام صح إجماعا، فكذا المسافر (٢).
أدلة القول الثاني: لا يحل الصيام في السفر ولا يصح.
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن معنى الآية: فليصم عدة من أيام، أو فعليه عدة من أيام، وكلمة ﴿عَلَى﴾ للوجوب، فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إيجاب صوم أيام أخر، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجبا (٤).
فصار وقت القضاء في حق المسافر كالشهر في حق المقيم، فلا يجوز الأداء قبله (٥).
الوجه الثاني: أنه تعالى أعاد فيما بعد ذلك هذه الآية، ثم قال عقيبها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)، ولا بد وأن يكون هذا اليسر والعسر شيئا تقدم ذكرهما، وليس هناك يسر إلا أنه أذن للمريض والمسافر في الفطر، وليس هناك عسر إلا كونهما صائمَين فكان قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ معناه: يريد منكم الإفطار ولا يريد منكم الصوم (٧).
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح ٤/ ١٤٠٣.
(٢) ينظر: التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٢٧، الاستذكار ٣/ ٣٠٥، وبداية المجتهد ٢/ ٥٨.
(٣) سورة البقرة: آية: ١٨٤.
(٤) ينظر: مفاتيح الغيب للرازي ٥/ ٢٤٥.
(٥) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩١، وبدائع الصنائع ٢/ ٩٥، المحلى ٤/ ٣٩٩.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
(٧) ينظر: مفاتيح الغيب ٥/ ٢٤٥.
[ ١٩٩ ]
الدليل الثاني: عن ابن عباس - ﵄ -: «أنّ رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَدِيد (١) أفطر، فأفطر الناس» (٢).
وفي رواية: قال ابن شِهاب (٣): «فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، ويرونه الناسخ المحكم» (٤).
الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله (٥) - ﵄ -: أنّ رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاع الغَميم (٦)، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام؟ فقال: «أولئك العُصَاة! أولئك العُصَاة!» (٧).
_________________
(١) الكَديد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة. يُعرف اليوم باسم (الحمَض): وهو أرض بين عُسفان وخليص على مسافة (٩٠) كيلا من مكة، على طريق المدينة النبوية. ينظر: المعالم الأثيرة ص ٢٣١، معجم البلدان ٤/ ٥٠١.
(٢) أخرجه البخاري ٤/ ٢١٣ رقم ١٩٤٤، كتاب الصوم، باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر، ومسلم ٢/ ٧٨٤ رقم ١١١٣، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
(٣) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر القرشي الزهري، تابعي من كبار الحفاظ والفقهاء، مدني سكن الشام، هو أول من دون الأحاديث النبوية، ودون معها فقه الصحابة، أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه: مالك بن أنس، وطبقته، توفي سنة ١٢٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦، تاريخ دمشق ٥٥/ ٢٩٤، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥.
(٤) رواه مسلم ٢/ ٧٨٥ رقم ١١١٣، في الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
(٥) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، السلمي، صحابي أحد المكثرين من الرواية؛ شهد بيعة العقبة، وغزا مع النبي - ﷺ - ١٩ غزوة، وكانت له في أواخر أيامه حلقة بالمسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم، توفي بالمدينة سنة ٧٨ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٣/ ٥٧٤، معرفة الصحابة ٢/ ٥٣٥، معجم الصحابة ١/ ٤٣٨.
(٦) كُرَاع الغَميم: موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة، وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال. ينظر: فتح الباري ٤/ ١٨١، معجم البلدان ٤/ ٥٠٣، شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٢٣٠. ويُعرَف اليوم باسم (برقاء الغميم) على مسافة ٦٤ كيلا من مكة على طريق المدينة. المعالم الأثيرة ص ٢٣١.
(٧) أخرجه مسلم ٢/ ٧٨٥ رقم ١١١٤، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
[ ٢٠٠ ]
وجه الاستدلال: إن كان صيامه - ﷺ - في هذه السفرة في رمضان فقد (نسخه) (١) بقوله: «أولئك العصاة»، وصار الفطر فرضا والصوم معصية، ولا سبيل إلى خبر ناسخ لهذا أبدا، وإن كان صيامه - ﷺ - في هذه السفرة تطوعا فهذا أحرى للمنع من صيام رمضان في السفر (٢).
الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظُلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟»، فقالوا: صائم، فقال: «ليس مِن البِّر (٣) الصوم في السفر» (٤).
وجه الاستدلال: إن اللفظ جاء عاما، (والعِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) (٥) (٦).
الدليل الخامس: عن أنس بن مالك الكَعْبي (٧) - ﵁ - أنه أتى النبي - ﷺ - بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي - ﷺ -: «هلم إلى الغداء»، فقال: إني صائم، فقال له النبي - ﷺ -: «إن الله ﷿ وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحُبْلى (٨) والمُرْضِع» (٩).
_________________
(١) النَّسْخ: في اللغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي: أزالته. وفي الشرع: هو رفع حكمٍ شرعي بدليلٍ شرعي متأخر. ينظر: مختار الصحاح ص ٣٠٩، التعريفات للجرجاني ص ٤٧.
(٢) ينظر: المحلى ٤/ ٣٩٩.
(٣) البِرّ: يأتي بمعاني كثيرة، والمقصود هنا الطاعة والعبادة. ينظر: النهاية ١/ ١١٧.
(٤) متفق عليه: رواه البخاري ٣/ ٣٤ رقم ١٩٤٦، كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر»، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٨٦ رقم ١١١٥، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر.
(٥) ينظر تفصيل هذه القاعدة في: إرشاد الفحول ١/ ٣٣٢
(٦) ينظر: المحلى ٤/ ٣٩١/ فتح الباري ٤/ ١٨٤.
(٧) هو: أنس بن مالك الكعبي القُشَيْري، أبو أمية، بصري، له صحبة، وحديث واحد، رواه عنه: أبو قلابة الجرمي، وعبد الله بن سوادة القشيري، وحديثه في السنن. ينظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢٩، معرفة الصحابة ١/ ٢٤٠، تهذيب الكمال ٣/ ٣٧٨.
(٨) أصل الحَبَل: الِامْتِلَاء، والحَبَل الحَمل، وهو من ذلك لأنه امتلاء الرَّحم. ينظر: لسان العرب ١١/ ١٣٩.
(٩) رواه النسائي ٤/ ١٨٠ رقم ٢٢٧٤، كتاب الصيام، باب وضع الصيام عن المسافر، واللفظ له، وأبو داود ٢/ ٣١٧ رقم ٢٤٠٨، كتاب الصوم، باب اختيار الفطر، والترمذي ٣/ ٨٥ رقم ٧١٥، أبواب الصيام، باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع، وابن ماجه ١/ ٥٣٣ رقم ١٦٦٧، كتاب الصيام، باب ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع، وقال الألباني في صحيح أبي داود رقم ٢٠٨٣: "إسناده حسن صحيح".
[ ٢٠١ ]
وجه الاستدلال: أن الله قد وضع عن المسافر شطر الصلاة كما وضع عنه الصيام فلم يصح منه (١).
الدليل السادس: عن عبد الرحمن بن عوف ¢ قال: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» (٢).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز الصوم والفطر في السفر؛ وذلك لقوة أدلتهم، ولأن الإجماع استقر على جواز الصيام في السفر.
قال الكاساني: "لأن جواز الصوم للمسافر في رمضان مجمع عليه؛ فإن التابعين أجمعوا عليه بعد وقوع الاختلاف فيه بين الصحابة، والخلاف في العصر الأول لا يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني، بل الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عندنا (٣)؛ على ما عرف في أصول الفقه" (٤).
وأما الجواب عما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن في الآية إضْمارا، وعليه إجماع أهل التفسير. وتقديرها: فمن كان منكم مريضا، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر (٥).
_________________
(١) ينظر المحلى ٤/ ٤٠١.
(٢) أخرجه ابن ماجة مرفوعا ١/ ٥٣٢ رقم ١٦٦٦، باب ما جاء في الإفطار في السفر، والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا، كذا أخرجه النسائي ٤/ ١٨٣ رقم ٢٢٨٤، باب ذكر قوله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤١١ رقم ٨١٦٦، باب الرخصة في الصوم في السفر، وقال: "وهو موقوف، وفي إسناده انقطاع، وروي مرفوعا وإسناده ضعيف"، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة ٧/ ٩٨ رقم ٣٠٩٩.
(٣) ينظر: الفصول في الأصول ٣/ ٣٣٩.
(٤) بدائع الصنائع ٢/ ٩٥، وينظر: التمهيد ٢٢/ ٤٩.
(٥) ينظر تفسير الماوردي النكت والعيون ١/ ٢٣٨، وتفسير البغوي ١/ ٢١٥، التفسير الكبير ٥/ ٢٤٥، تفسير الجلالين ص ٣٨.
[ ٢٠٢ ]
وتمام تقرير هذا الكلام: أن (الإضمار) (١) في كلام الله جائز في الجملة، وقد دل الدليل على وقوعه هاهنا، أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ (٢)، والتقدير: فضرب فانفجرت. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٣)، أي: فحَلَق فعليه فدية. فثبت أن الإضمار جائز (٤).
الثاني: أن قوله ﷾: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لبيان الترخص بالفطر، فينتفي به وجوب الأداء لا جوازه (٥).
وبيانه: أن الله تعالى جعل المرض والسفر، من الأعذار المُرخِصة للإفطار؛ تيسيرا وتخفيفا على أربابها وتوسيعا عليهم، فلو تحتم عليهم الصوم في غير السفر ولم يجز لهم في السفر لكان فيه تعسير وتضييق عليهم، وهذا يضاد موضوع الرخصة وينافي معنى التيسير (٦).
ثانيا: وأما استدلالهم بقول ابن شهاب الزهري: «فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، ويرونه الناسخ المحكم»، فيجاب عنه من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن هذه الزيادة (مدرجة) (٧) من قول الزهري كما جزم بذلك البخاري، وكذلك وقعت عند مسلم مدرجة، فلا حجة فيها (٨).
_________________
(١) الإضْمَار هو: الإخفاء، وتستعمله العرب للاختصار. ويفرّق بين الحذف والإضمار فيقال: إنّ المضمر ما له أثر من الكلام، والمحذوف ما لا أثر له. ينظر: لسان العرب ١١/ ٤٦٦، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ١/ ٢١٩.
(٢) سورة البقرة: آية: ٦٠.
(٣) سورة البقرة: آية: ١٩٦.
(٤) ينظر: مفاتيح الغيب ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وبدائع الصنائع ٢/ ٩٥.
(٥) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩١.
(٦) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٩٥.
(٧) الإدراج هو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فيحسبها من يسمعها من كلام النبي - ﷺ -، فيرويها كذلك. ينظر: الباعث الحثيث اختصار علوم الحديث ص ٧٣.
(٨) ينظر: صحيح البخاري رقم ٤٢٧٦، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، وصحيح مسلم رقم ١١١٣، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، وفتح الباري ٤/ ١٨١، ونيل الأوطار ٤/ ٢٦٦.
[ ٢٠٣ ]
الوجه الثاني: أنه - ﷺ - صام بعد هذه القصة في السفر، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سافرنا مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم، مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك، في السفر (١).
الوجه الثالث: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -، فالمراد به واقعة معينة، وهي غزاة الفتح، فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فطره آخر أمريه، لا أنه حرم الصوم (٢).
الوجه الرابع: أن راوي الحديث وهو ابن عباس - ﵁ - قد جاء عنه أنه قال: «لا تَعِب على من صام، ولا على من أفطر، قد صام رسول الله - ﷺ - في السفر وأفطر» (٣).
وقال أيضا: «إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم، فمن يسر الله عليه الصيام فليصم، ومن يسر عليه الفطر فليفطر» (٤).
فهذا ابن عباس لم يجعل إفطاره - ﷺ - في السفر بعد صيامه ناسخا للصوم في السفر، ولكنه جعله على جهة التيسير (٥).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «أولئك العصاة أولئك العصاة»، فيجاب عنه:
أن النبي - ﷺ - إنما قال ذلك لأنه قد كان أمرهم بالإفطار في ذاك اليوم بخصوصه، فسماهم عصاة لمخالفة أمره، لا لمجرد الصوم في السفر (٦).
_________________
(١) رواه مسلم ٢/ ٧٨٩ رقم ١١٢٠، كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل.
(٢) ينظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داوود ٧/ ٣٥.
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ٣٤ رقم ١٩٤٨، كتاب الصوم، باب من أفطر في السفر ليراه الناس، ومسلم ٢/ ٧٨٥ رقم ١١١٣، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، واللفظ له.
(٤) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٦٦، كتاب الصيام، باب الصيام في السفر، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١٧٢.
(٥) ينظر: التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٣٥.
(٦) ينظر: الروضة الندية لصديق حسن خان ١/ ٢٢٩.
[ ٢٠٤ ]
رابعا: وأما استدلالهم بحديث: «ليس من البر الصوم في السفر»، فيجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن معنى الحديث: ليس البر الصوم في السفر حتى يُغشى على الصائم ويحتاج إلى أن يُظَلَّل ويُنضَح عليه، إذ الله قد رخص للمسافر في الفطر، وجعل له أن يصوم في أيام أخر، وأَعلَم سبحانه في محكم تنزيله أنه أراد بهم اليسر لا العسر في ذلك (١).
الوجه الثاني: ويحتمل ليس من البر الذي هو أبر البر وأعلى مراتب البر الصوم في السفر، وإن كان الصوم في السفر برا إلا أن غيره في البر أبر منه، كما قال - ﷺ -: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، فتَرُدّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان» قالوا: فما المسكين؟ يا رسول الله، قال: «الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطَن له، فيُتَصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» (٢).
فلم يكن معنى قوله: «ليس المسكين بالطواف» على معنى إخراجه إياه من أسباب المسكنة كلها، ولكنه أراد بذلك: ليس هو المسكين المتكامل المسكنة الذي لا يسأل الناس، ولا يُعرَف فيُتصدَّق عليه. فكذلك قوله: «ليس البر الصيام في السفر» ليس ذلك على إخراج الصوم في السفر من أن يكون بِرّا، ولكنه على معنى: ليس من البر الذي هو أبر البر الصوم في السفر؛ لأنه قد يكون الإفطار هناك أبر فيه إذا كان على التقوي للقاء العدو وما أشبه ذلك (٣).
الوجه الثالث: قولهم: إن اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيجاب عنه:
أن قول النبي - ﷺ - خارج على سبب، وهو أنه رأى رجلا قد جَهَدَه الصوم فقال هذا القول، فهو عموم خرج على سبب (٤).
_________________
(١) ينظر: صحيح ابن خزيمة ٢/ ٩٧٠.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة: رواه البخاري ٢/ ١٢٥ رقم ١٤٧٩، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ وكم الغنى، ومسلم ٢/ ٧١٩ رقم ١٠٣٩، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه، واللفظ له.
(٣) ينظر: شرح معاني الآثار ٢/ ٦٣، التمهيد ٤/ ٣٠١، نخب الأفكار ٨/ ٣٣٣.
(٤) ينظر: التنبيه على مبادئ التوجيه ٢/ ٧٢٦.
[ ٢٠٥ ]
خامسا: وأما استدلالهم بحديث: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» فيجاب عنه:
أن المحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا، ومع وقفه فهو (مُنْقَطع) (١)؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم، حالة المشقة؛ جمعا بين الأدلة (٢).
سادسا: وأما استدلالهم بحديث: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»، فيجاب عنه:
بأنه مختلف في صحته، وعلى التسليم بصحته: فإن الوضع لا يستلزم عدم صحة الصوم في السفر (٣)، بل المقصود: وضع الوجوب؛ بدليل بقية الحديث (٤)؛ لأن الحامل والمرضع إذا صامتا رمضان أجزأهما، ولا يكونان كمن صام قبل وجوب الصوم عليه، بل وجوب الصيام ثابت في حقهما بدخول شهر رمضان، وجُعل لهما تأخير الصيام إن شاءا ذلك، والمسافر في ذلك مثلهما (٥).
وأما ما قاله الظاهرية: من التفريق بين صيام رمضان، وصيام غيره من الواجبات أو النوافل في السفر، بأن منعوا الأول، وأجازوا الثاني:
فهو تفريق لا دليل عليه، بل الأدلة الصحيحة الصريحة قد دلت على أن النبي - ﷺ - وصحابته الكرام - ﵃ - صاموا في شهر رمضان، واستمر الصحابة على ذلك بعد وفاة رسول الله - ﷺ - كما سبق في أدلة الجمهور.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) المُنْقَطع: لغة: هو اسم فاعل من "الانقطاع" ضد الاتصال. واصطلاحا: ما لم يتصل إسناده، على أي وجه كان انقطاعه. ينظر: شمس العلوم ٨/ ٥٥٦٠، تيسير مصطلح الحديث ص ٩٤.
(٢) ينظر: المجموع ٦/ ٢٦٤، وبدائع الصنائع ٢/ ٩٥، وفتح الباري ٤/ ١٨٤، ونيل الأوطار ٤/ ٢٦٧.
(٣) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٦٧.
(٤) ينظر: التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٤٣.
(٥) ينظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ١/ ٣٩٧.
[ ٢٠٦ ]