اختيار الشيخ: قال في اختياره: "قلت والراجح عندي: إن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة في ليلته ولم ير الهلال" (١).
تحرير محل الخلاف: من المسائل التي يبحثها الفقهاء مسألة: صيام يوم الشك، والتي يعبر عنها آخرون بصيام يوم الغيم، وهذا الاختلاف في التسمية راجع إلى اختلافهم في تعريف يوم الشك، والتي هي مسألتنا.
وقد اختلف أهل العلم في تعريف يوم الشك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إذا غيمت السماء ليلة ثلاثين من شعبان ولم ير الهلال فصبيحة الغيم هو يوم الشك.
وبه قال: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يوم الشك يوم الثلاثين من شعبان سواء كانت السماء صحوا أو مغيمة، إذا تحدث برؤيته أو شهد بها من لا يثبت بقوله فإن لم يتحدث برؤيته أحد فليس يوم شك.
وبه قال: الشافعية (٤)، ومال إليه: ابن عبد السلام (٥) من المالكية (٦).
القول الثالث: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحوا.
وبه قال: الحنابلة (٧).
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٤٦.
(٢) مراقي الفلاح ص ٢٣٩، البناية ٤/ ١٧، البحر الرائق ٢/ ٢٨٤، رد المحتار ٢/ ٣٨١.
(٣) التنبيه لابن بشير ٢/ ٧١٢، جامع الأمهات ص ١٧٠، مختصر خليل ص ٦١، مواهب الجليل ٢/ ٣٩٢.
(٤) الوسيط ٢/ ٥٣٥، البيان ٣/ ٥٦٠، روضة الطالبين ٢/ ٣٦٧.
(٥) هو: أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف، الهَوّاري التونسي، من فقهاء المالكية. كان إماما حافظا عالما بالحديث، ولي قضاء الجماعة بتونس، سمع: عبد الله بن محمد الطائي القرطبي، وعنه: القاضي ابن حيدرة، وابن عرفة، وغيرهما، من مؤلفاته: شرح على مختصر ابن الحاجب، وديوان فتاوى، توفي سنة ٧٤٩ هـ، ينظر: شجرة النور الزكية ١/ ٣٠١، الديباج المذهب ٢/ ٣٣٠، الأعلام ٦/ ٢٠٥.
(٦) مواهب الجليل ٢/ ٣٩٣، شرح الزرقاني على خليل ٢/ ٣٤٧، الفواكه الدواني ١/ ٣٠٦، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٥١٣.
(٧) مسائل أحمد رواية أبي داوود ص ١٢٧، الكافي ١/ ٤٥١، الفروع ٥/ ٩٧، الإنصاف ٣/ ٣٤٩.
[ ١٢٠ ]
سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى أمرين:
أولا: هل أمره - ﷺ - بإتمام العدة ثلاثين لأن ذلك اليوم هو يوم من شعبان، أو لأنه يوم مشكوك فيه؟ .
ثانيا: هل يصدق إطلاق يوم الشك على يوم الصحو بعد أن ترآءا الناس الهلال ولم يروه.
أدلة القول الأول: القائلين بأنه إذا غيمت السماء ليلة ثلاثين من شعبان ولم ير الهلال فصبيحة الغيم هو يوم الشك.
الدليل الأول: عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» يعني تمام ثلاثين (١).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - بين أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين، ولا يكون الشك إلا بوجود علة وهي الغيم (٢).
الدليل الثاني: عن عمار بن ياسر (٣) - ﵁ - قال: «من صام اليوم الذي يُشكّ فيه، فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ٧/ ٥٣ رقم ٥٣٠٢، كتاب الطلاق، باب اللعان، ومسلم ٢/ ٧٦١ رقم ١٠٨٠، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال ، واللفظ له.
(٢) ينظر: مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص ٦٤٦.
(٣) هو: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العَنْسِي، أبو اليقظان، مولى بنى مخزوم، أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به، هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا والخندق، وبيعة الرضوان، ولاّه عمر بن الخطّاب - ﵁ - الكوفة، وشهد الجمل وصفين مع علي، وقتل بصفين سنة ٣٧ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٤/ ٢٠٧٠، وطبقات ابن سعد ٣/ ٢٤٦، سير أعلام النبلاء ١/ ٤٠٦.
(٤) رواه أبو داود ٢/ ٣٠٠ رقم ٢٣٣٤، كتاب الصوم، باب كراهية صوم يوم الشك، والترمذي ٣/ ٦١ رقم ٦٨٦، أبواب الصوم، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي ٤/ ١٥٣ رقم ٢١٨٨، كتاب الصيام، باب صيام يوم الشك، وابن ماجه ١/ ٥٢٧ رقم ١٦٤٥، كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام يوم الشك، وذكره البخاري تعليقا، في كتاب الصوم ٣/ ٢٧، ينظر: تغليق التعليق ٣/ ١٣٩. وصححه الألباني في الإرواء ٤/ ١٢٥ رقم ٩٦١.
[ ١٢١ ]
وجه الاستدلال: أن حديث عمار مفسر بالنهي عن صوم يوم الشك، وهذا يوم شك؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان، ولا معنى للشك إلا التردد بين الجهتين (١). ولا يتصور ذلك إلا بوجود الغيم.
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم (٢) فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين» (٣).
وجه الاستدلال: فأَمرُه - ﷺ - بإكمال عدة شعبان لا لأنه من شعبان يقينا ولكن لعدم إمكان الرؤية وهذا هو الشك.
الدليل الرابع: ولأن عدم رؤيته في الصحو دليل على أنه يوم من شعبان جزما (٤).
الدليل الخامس: ولأن رد شهادة من رآه في الصحو دليل على غلطه، وهذا ظاهر ومقابل الظاهر الموهوم لا المشكوك فيه، وأما إن كان في غيم فهو شك، وإن لم يشهد به أحد (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن يوم الشك يوم الثلاثين من شعبان سواء كانت السماء صحوا أو مغيمة، إذا تحدث برؤيته أو شهد بها من لا يثبت بقوله فإن لم يتحدث برؤيته أحد فليس يوم شك.
استدلوا بحديث: ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة أو ظلمة، فأكملوا العدة عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان» (٦).
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٨٩، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ٥/ ٢٩٢.
(٢) غَبِي عليكم: بالتخفيف أي خفي. أو «غُبِّي» بضم الغين وتشديد الباء المكسورة، لما لم يسم فاعله، من الغباء: شبه الغبرة في السماء. ينظر: النهاية ٣/ ٣٤٢، لسان العرب ١٥/ ١١٤.
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ٢٧ رقم ١٩٠٩، كتاب الصيام، باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا »، ومسلم ٢/ ٧٦٢ رقم ١٠٨١، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٤) ينظر: الخلاصة الفقهية ص ١٩٠.
(٥) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٢/ ٢٨٤.
(٦) رواه النسائي ٤/ ١٥٣ رقم ٢١٨٩، كتاب الصيام، باب صيام يوم الشك، واللفظ له، وأحمد ٣/ ٤٤٥ رقم ١٩٨٥، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٥٤٩ رقم ١٩١٧: "هذا إسناد جيد".
[ ١٢٢ ]
وجه الاستدلال: فقد حكم النبي - ﷺ - بأن يوم الغيم هو يوم من شعبان. وأنه ليس يوم شك (١).
أما لو شهد من ردت شهادته سواء كان ذلك في يوم صحو أو يوم شك فإن شهادته تورث الشك، هل هو يوم من شعبان أو يوم من رمضان.
قال ابن عبد السلام المالكي: "وهو الأظهر عندي؛ لأننا ليلة الغيم مأمورون بإكمال العدة ثلاثين يوما لخبر: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان» أو «فاقدروا له»؛ فإن هذا يدل على أن صبيحة ليلة الثلاثين من شعبان عملا (بالاستصحاب) (٢) " (٣).
أدلة القول الثالث: القائلين بأنه هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحوا.
استدلوا بحديث ابن عمر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال. ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». قال نافع: (كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما، بعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر (٤) أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما) (٥).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن ابن عمر - ﵁ - وهو راوي الحديث كان يصوم إذا حال دون رؤية الهلال سحاب أو قتر؛ مما يدل على أنه ليس يوم الشك المنهي عنه، وما كان لابن عمر - ﵄ - وهو
_________________
(١) ينظر: أسنى المطالب ١/ ٤١٩، والفقه الإسلامي للزحيلي ٣/ ١٦٣٢.
(٢) الاستصحاب لغة: طلب الصحبة، وهي الملازمة. ينظر القاموس المحيط ١/ ١٠٤. واصطلاحا: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًا. ينظر: معالم أصول الفقه عند أهل السنة ص ٢١٠.
(٣) ينظر: الفواكه الدواني ١/ ٣٠٦.
(٤) قَتَر: أي غُبار. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ١٢، تاج العروس ١٣/ ٣٦١.
(٥) رواه أبو داود ٢/ ٢٩٧ رقم ٢٣٣٠، باب الشهر يكون تسعا وعشرين، واللفظ له، وأحمد ٨/ ٧١ رقم ٤٤٨٨، وهو دون قول ابن عمر عند: مسلم ٢/ ٧٥٩ رقم ١٠٨٠، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ٨٧ رقم ٢٠٠٩.
[ ١٢٣ ]
الحريص على اتباع النبي - ﷺ - أن يخالف أمره. أما إذا كانت السماء صحوا فكان لا يصومه؛ فدل على أنه هو يوم الشك المنهي عن صيامه (١).
الوجه الثاني: قوله - ﷺ -: «فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» عقب قوله: «إنما الشهر تسع وعشرون» فقد أتى بحرف الفاء المشعرة بالسبب؛ فكأنه قال: الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون؛ فاقدروا له هذا العدد إذا غم عليكم (٢).
فيكون اليوم الذي يلي التاسع والعشرين حال الغيم هو الأول من رمضان لا يوم الشك.
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: إذا غيمت السماء ليلة ثلاثين من شعبان ولم يُرَ الهلال فصبيحة الغيم هو يوم الشك؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولسلامة أدلتهم من المعارضة.
وأما الجواب عن أدلة القولين الآخرين فيكون بما يلي:
أولا: أما قولهم: إن يوم الغيم هو يوم من شعبان قطعا فغير مسلم، لأنه لو رؤي الهلال بعد مضي ٢٨ يوما من رمضان لكان يوم الغيم ذلك هو الأول أم رمضان يقينا؛ لأن الشهر لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوما، ولكن يحكم بأنه اليوم المكمل للثلاثين من شعبان لوجود الشك.
وأما اشتراطهم شهادة من لا تقبل شهادته في يوم الغيم حتى يكون يوم شك: فلا دليل عليه. ثم إن من لا تقبل شهادته لا يعتبر حديثه (٣).
ثانيا: وأما استدلالهم بلفظة: «فاقدروا له» وبفعل ابن عمر - ﵁ - على أن يوم الصحو ليس بيوم شك فيجاب عنه:
أن هذا الاستدلال قد يُسَلَّم، لو لم تأت إلا رواية فاقدروا له وأن معناها تقديره بتسعة وعشرين يوما، لكن الرواية جاءت صريحة في إتمام الثلاثين كما هو في حديث ابن عمر - ﵄ -
_________________
(١) ينظر: المغني ٣/ ١٠٧ - ١٠٨، وشرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١٢٤.
(٢) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٩٤.
(٣) ينظر: منح الجليل ٢/ ١١٦
[ ١٢٤ ]
أن رسول الله - ﷺ -، قال: «إن الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين» (١).
فهذه الرواية الصحيحة صريحة في إتمام الثلاثين، وإن كانت السماء مغيمة.
وأما صيام ابن عمر - ﵄ - فليس دليلا على أن ذلك اليوم ليس يوم شك؛ بدليل أن ابن عمر كان يصومه ولا يوجب صيامه، فدل على أنه كان يصومه احتياطا، وهو اجتهاد منه - ﵁ - (٢).
والله أعلم.
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٤٥ رقم ٧٩٣١، كتاب الصيام باب الصوم لرؤية الهلال أو استكمال العدد ثلاثين، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٨٤ رقم ١٥٣٩، كتاب الصوم، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرطهما، ولم يخرجاه". وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣٠٩٣.
(٢) ينظر: زاد المعاد ٢/ ٤٤ - ٤٥.
[ ١٢٥ ]