اختيار الشيخ: اختار أنه لا يباح الفطر إلا في السفر الطويل الذي يبيح القصر، فقال: "لا يباح الفطر عند الجمهور إلا في السفر الطويل الذي يبيح القصر، وقد تقدم ذكر قدره في الصلاة" (١).
وكان قال في الصلاة: "والراجح عندي ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أنه لا يقصر الصلاة في أقل من ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي، وذلك أربعة بُرُد، أي: ستة عشر فَرْسَخا (٢) " (٣).
تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو؛ أن يترخص بقصر الصلاة والفطر في رمضان (٤).
واتفقوا أن تحديد هذه المسافة هي مناط الرخصة في القصر والفطر، فما يصلح دليلا لقصر الصلاة يصلح أيضا دليلا على تحقق رخصة الفطر في السفر (٥).
فقد قال عطاء: "تُفطِر إذا قَصَرتَ وتصوم إذا أَوْفَيت الصلاة" (٦).
واختلفوا في حد السفر المبيح للفطر، تبعا لاختلافهم في حد السفر المبيح لقصر الصلاة، على أقوال كثيرة أوصلها ابن المنذر وغيره إلى عشرين قولا (٧).
ولعلي أكتفي بذكر ثلاثة منها لاشتهارها:
القول الأول: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٧/ ١٧.
(٢) الْمِيلُ: يساوي تقريبا: ١٨٤٨ م. وسمي بالهاشمي لأن بني هاشم حددوه وأعلموه. وَالْفَرْسَخُ: يساوي ٣ أميال أو ٥٥٤٤ م. الْبَرِيدُ العربي: ٤ فراسخ أو ٢٢١٧٦ م. فتكون المسافة تقريبا: ٨٨ (كم) و٧٠٤ (م)، وقَدَّرها بعضهم بـ (٨٣) كم. ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي ١/ ١٤٢، والمطلع على ألفاظ المقنع ص ١٣٢، المغرب ص ٤٥١.
(٣) مرعاة المفاتيح ٤/ ٣٨١.
(٤) ذكر الإجماع كل من: ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٣٤٣، و٣٤٦، وفي الإجماع ص ٤١، وابن القطان في الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٥) ينظر: المغني ٣/ ١١٦، بدائع الصنائع ٢/ ٩٤، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٧، والمجموع ٦/ ٢٦٣.
(٦) مصنف عبد الرزاق ٤/ ٢٧٠ رقم ٧٧٦٥، باب السفر في شهر رمضان.
(٧) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٣٤٦ وما بعدها.
[ ٢١٦ ]
وهو قول: الحنفية (١).
القول الثاني: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة يومين قاصدين (٢)، أو مسيرة يوم وليلة بالسَيْر الحَثِيث (٣)، أو أَرْبَعَةِ بُرُد ١٦ فرسخا ٤٨ ميلا هاشميا.
وهو قول: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: يجوز الفطر في كل سفر تُعورِف على أنه سفر.
وهو مذهب: الظاهرية (٧).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل يعمل بإطلاق لفظ السفر الوارد في نصوص الكتاب والسنة في الأخذ برخصة الإفطار، أم يقيد لفظ السفر بما جاء في نصوص أخرى؟، كما سيأتي معنى إن شاء الله في الأدلة؟ .
أدلة القول الأول: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
الدليل الأول: عن خُزَيْمة بن ثابت (٨) - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أنه رَخَّص ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر» (٩).
_________________
(١) بدائع الصنائع ٢/ ٩٤، تحفة الفقهاء ١/ ٣٥٨، الهداية ١/ ٨٠، البحر الرائق ٢/ ٣٠٤.
(٢) يقال: ليلة قاصدة، أي هَيّنة السيرِ، لا تعبَ فيه ولا بطءَ. ينظر: الصحاح ٢/ ٥٢٥، لسان العرب ٣/ ٣٥٤.
(٣) السير الحثيث: هو السير السريع الذي لا فتور فيه. ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ٢٢٥، لسان العرب ١٣/ ٥٣٢.
(٤) الرسالة ص ٦١، الكافي ١/ ٣٣٧، المنتقى ٢/ ٤٩، الذخيرة ٢/ ٥١٢.
(٥) مختصر المزني ٨/ ١٥٣، الحاوي ٣/ ٤٤٥، البيان ٣/ ٤٦٨، الوسيط ٢/ ٥٣٩، المجموع ٦/ ٢٦٣.
(٦) المغني ٣/ ١١٦، المحرر ١/ ٢٢٨، المبدع ٣/ ١٣، الإنصاف ٣/ ٢٨٧، كشاف القناع ٢/ ٣١١.
(٧) ينظر: المحلى ٤/ ٣٨٤. وحدد ابن حزم أقله بميل.
(٨) هو: خُزيمْة بن ثابِت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري الخطمي، أبو عمارة المدني، ذو الشهادتين، من أشراف الأوس في الجاهلية والإسلام، ومن شجعانهم المقدمين، وحمل راية بني خطمة يوم فتح مكة، وعاش إلى خلافة علي بن أبي طالب، وشهد معه صفين، فقتل فيها سنة ٣٧ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣٧٨، معرفة الصحابة ٢/ ٩١٣، سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٨٧.
(٩) أخرجه أحمد ٣٦/ ٢٠٠ رقم ٢١٨٧٥، وقال محقق المسند: "حديث صحيح"، وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٢ رقم ٢٧٦، كتاب الطهارة، باب توقيت المسح على الخفين، عن علي - ﵁ -.
[ ٢١٧ ]
وجه الاستدلال من وجوه:
الأول: أن تحديد الرسول - ﷺ - لرخصة المسح في السفر بثلاثة أيام يلزم منه، أن تكون هذه المدة هي المعيار الشرعي في السفر لكل رخصة، سواء كانت: للمسح، أو للقصر، أو للفطر، أو لغير ذلك، بجامع مشقة السفر في كل.
الثاني: ولأنه لا يُتصَور أن يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها، ومدة السفر أقل من هذه المدة (١).
الثالث: ولأن النبي - ﷺ - رخص لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، لأن (الألف واللام في المسافر لاستغراق الجنس) (٢)، فلو قلنا بأن مدة السفر أقل من ثلاثة أيام ولياليهن لم تعم الرخصة لكل مسافر (٣).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ -، قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرم (٤)» (٥).
وجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - منع المرأة من السفر خلال هذه المدة إلا إذا كان معها زوجها أو محرم، وتعليقه - ﷺ - هذا الحكم بمدة الثلاثة أيام يُفهَم منه أن سفر الثلاثة أيام هو الذي ينصرف إليه اسم السفر عند الإطلاق، فينبغي أن يُقيَّد به (٦).
الدليل الثالث: ولأن وجوب إتمام الصلاة وكذا وجوب الصيام كان ثابتا بدليل مقطوع به، فلا يجوز رفعه إلا بمثله، وما دون الثلاث مختلف فيه، والثلاث مجمع عليه (٧)، فلا يجوز رفعه بما دون الثلاث (٨).
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٩٤، وتبيين الحقائق ١/ ٢٠٩، المبسوط ١/ ٢٣٥.
(٢) لأنها من صيغ العموم. ينظر: إرشاد الفحول ١/ ٢٩١.
(٣) ينظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ١/ ٣٩٢.
(٤) المَحْرَم: ذَاتُ الرَّحِم فِي الْقَرَابَة، وهي مَن لَا يَحِلُّ لَه نِكَاحُهَا مِنَ الأَقارب كالأَب وَالِابْن وَالْعَمّ وَمَن يَجْرِي مَجْرَاهُم. ينظر: لسان العرب ١٢/ ١٢٣.
(٥) رواه البخاري ٢/ ٤٣ رقم ١٠٨٦، أبواب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة.
(٦) ينظر: رخصة الفطر في سفر رمضان مجلة الجامعة الإسلامية العدد: ٥٠ - ٥١ ص: ١٣٣. وينظر: بدائع الصنائع ١/ ٩٤.
(٧) ذكر الإجماع أيضا: ابن القطان في الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ١٦٧.
(٨) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٩٤.
[ ٢١٨ ]
أدلة القول الثاني: لا يحل الفطر في أقل من مسيرة يومين قاصدين، أو مسيرة يوم وليلة بالسير الحثيث، أو أربعة بُرُد ١٦ فرسخا ٤٨ ميلا هاشميا.
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت من رسول الله - ﷺ -: «لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها، أو ذو مَحْرَم» (١).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حُرْمَة» (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أطلق السفر على مسيرة يومين أو يوم وليلة، فلفظ السفر وإن جاء مجملا في الآية -التي ستأتي معنا إن شاء الله- وبعض الأحاديث النبوية، إلا أن هذه الأحاديث وما ورد في معناها تعتبر مفسرة له.
ولا اختلاف بين ما جاء في تحديده باليوم والليلة في بعض الروايات، وتحديده باليومين في أخرى؛ إذ المقصود بمسيرة اليوم والليلة: إذا كانت الدابة سريعة، مع الجِدّ في السير، وكان الوقت صيفا، وأما المقصود بمسيرة اليومين والليلتين: إذا ما كانت الدابة ثقيلة بطيئة، ولم يكن هناك جِدّ في السير. والدليل أنهم لم يختلف تقديرهم للمسافة في القولين، إذ حددوها في كليهما بأربعة برد، ثمانية وأربعين ميلا (٣).
الدليل الثالث: عن عطاء بن أبي رباح: «أن ابن عمر وابن عباس - ﵄ - كانا يُصَلِّيان ركعتين، ويفطران في أربعة بُرُد فما فوق ذلك» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ٣/ ١٩ رقم ١٨٦٤، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء.
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٤٣ رقم ١٠٨٨، أبواب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٩٧٧ رقم ١٣٣٩، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.
(٣) ينظر: المجموع ٤/ ٣٢٣، الاستذكار ٢/ ٢٤٢.
(٤) رواه البخاري في صحيحه معلقا ٢/ ٤٣، باب في كم يقصر الصلاة، ووصله: البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٩٦ رقم ٥٣٩٧، جماع أبواب صلاة المسافر والجمع في السفر، باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة، وصححه الألباني في الإرواء ٣/ ١٧ رقم ٥٦٨.
[ ٢١٩ ]
الدليل الرابع: وعن عطاء، قال: سئل ابن عباس: أأقصر الصلاة إلى عَرَفة (١)؟، فقال: «لا ولكن إلى عُسْفان وإلى جُدَّة وإلى الطائِف (٢)» (٣).
الدليل الخامس: عن ابن عمر - ﵄ -: «أنه قصر في أربعة برد» (٤).
الدليل السادس: عن ابن عمر - ﵁ -: «أنه كان يقصر في مسيرة اليوم التام» (٥).
وجه الاستدلال: "مسيرة اليوم التام بالسير الحثيث هي أربعة برد أو نحوها" (٦).
الدليل السابع: عن نافع: «أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة» (٧).
أدلة القول الثالث: يجوز الفطر في كل سفر تُعورِف على أنه سفر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٨).
_________________
(١) عَرَفة: هي المشعر الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة، وهي على الطريق بين مكة والطائف، على ٢٣ كيلا شرقا من مكة. ينظر: المعالم الأثيرة ص ١٨٩، ومعجم البلدان ٤/ ١٠٤.
(٢) عُسْفان: بلد على مسافة ثمانين كيلا من مكة شمالا على طريق المدينة، وجُدَّة: هي المدينة المشهورة على ساحل البحر الأحمر، على مسافة ٧٣ كيلا. غرب مكة، والطائف: مدينة تبعد عن مكة بتسعة وتسعين كيلا إلى الشرق. ينظر: المعالم الأثيرة ص ٨٨ و١٧٠ و١٩١.
(٣) رواه الشافعي في مسنده ١/ ٣٢٧ رقم ٣٤٥، كتاب الصلاة، باب مسافة ما لا تقصر الصلاة فيه وما تقصر فيه، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٩٦ رقم ٥٣٩٩، باب السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة، وصححه النووي في المجموع ٤/ ٣٢٨، وكذا الحافظ في التلخيص الحبير ٢/ ١١٧.
(٤) رواه الإمام مالك في الموطأ ص ١٤٧ رقم ١١ ورقم ١٢، وصححه ابن حزم في المحلى ٥/ ٥، وابن عبد البر أيضا في الاستذكار ٢/ ٢٣٣، وكذا النووي في المجموع ٥/ ٤٢٥.
(٥) أخرجه الإمام مالك في الموطأ ص ١٤٧ رقم ١٣، باب ما يجب فيه قصر الصلاة، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٥٢٥ رقم ٤٣٠٠، باب في كم يقصر الصلاة، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٩٦ رقم ٥٣٩٤، في جماع أبواب صلاة المسافر والجمع في السفر، باب السفر الذي تقصر في مثله.
(٦) الاستذكار ٢/ ٢٣٣.
(٧) أخرجه مالك في الموطأ ص ١٤٨ رقم ١٤، باب ما يجب فيه قصر الصلاة، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٥٢٣ رقم ٤٢٩٥، باب الصلاة في السفر، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٩٦ رقم ٥٤٠١، في جماع أبواب صلاة المسافر والجمع في السفر، باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة.
(٨) سورة النساء: آية: ١٠١.
[ ٢٢٠ ]
وجه الاستدلال من الآية: أن الله ﷿ قد رتب أحكام القصر على السفر، والسفر ورد مطلقا في هذه الآية غير مقيد، فيبقى على إطلاقه متناولا كل ضرب في الأرض (١).
الدليل الثاني: عن أنس - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين» (٢).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث ذكره أنس - ﵁ - تحديدا للمسافة التي كان النبي - ﷺ - إذا خرج إليها قصر الصلاة (٣).
الدليل الثالث: عن شُرَحْبِيل بن السِّمط (٤) أنه خرج إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين، فقيل له، فقال: رأيت عمر - ﵁ - صلى في ذي الحليفة (٥) ركعتين، فقلت له، فقال: «إنما أفعل كما رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل» (٦).
وجه الاستدلال: أن عمر ¢ قد نسب هذا الفعل إلى رسول الله - ﷺ -، فيكون هذا هو هديه - ﷺ - في السفر.
الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فرسخا قصر الصلاة» (٧).
_________________
(١) ينظر: الروضة الندية ص ٣٥٤، المحلى ٤/ ٣٨٤.
(٢) رواه مسلم ١/ ٤٨١ رقم ٦٩١، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب المسافة التي يقصر فيها الصلاة.
(٣) ينظر: سبل السلام ١/ ٣٨٨.
(٤) هو: شُرَحْبيل بن السِّمْط بن الأسود بن جبلة بن عدي الكندي، أبو يزيد، يقال له صحبة، شهد القادسية وغيرها، وولي حمص نحوا من عشرين سنة وتوفي بها سنة ٤٠ هـ أو بعدها. ينظر: تاريخ دمشق ٢٢/ ٤٥٥، تاريخ الإسلام ٢/ ٣٥٠، تهذيب التهذيب ٤/ ٣٢٣.
(٥) ذو الحُلِيْفة: هي قرية بظاهر المدينة النبوية على طريق مكة، بينها وبين المدينة تسعة أكيال، وتعرف اليوم: بأبيار علي. ينظر: معجم البلدان ٢/ ٢٩٥، المعالم الأثيرة ص ١٠٣.
(٦) رواه مسلم ١/ ٤٨١ رقم ٦٩٢، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٠٠ رقم ٨١١٣، كتاب الصلوات، باب في مسيرة كم تقصير الصلاة، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٥٢٩ رقم ٤٣١٨، في الصلاة، باب المسافر متى يقصر إذا خرج مسافرا؟ . وفي سنده: من هو متروك ومنهم من كذبه، ينظر: إرواء الغليل ٣/ ١٥.
[ ٢٢١ ]
الدليل الخامس: عن دِحْيَة بن خَلِيفة (١) - ﵁ - أنه خرج من قرية من دِمَشق (٢) مرة إلى قدر قرية عُقبة (٣) من الفُسْطاط (٤)، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: «والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رَغِبُوا (٥) عن هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك (٦).
الدليل السادس: عن ابن عمر - ﵁ - قال: «لو سافرت ميلا لقصرت» (٧).
وفي رواية: «إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر»، يعني: من الصلاة (٨).
_________________
(١) هو: دِحْيَة بن خليفة بن فروة بن فضالة الكَلْبي، صحابيّ بعثه رسول الله - ﷺ - برسالته إلى (قيصر) يدعوه للإسلام، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان يشبه بجبريل ﵇، شهد اليرموك، ثم نزل دمشق وسكن المزة، وعاش إلى خلافة معاوية. ينظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٢٤٩، تاريخ دمشق ١٧/ ٢٠١، تاريخ الإسلام ٢/ ٤٠٦، معرفة الصحابة ٢/ ١٠١٢.
(٢) دِمَشق: هي عاصمة الجمهورية العربية السورية، قيل: سميت بذلك لأنهم دمشقوا في بنائها، أي: أسرعوا، وقيلغير ذلك. ينظر: مراصد الأطلاع ٢/ ٥٣٤، المعجم الجغرافي لدول العالم ص/٢٨٥.
(٣) المقصود القرية التي كان يقطن فيها عقبة بن عامر. ينظر: صحيح ابن خزيمة ٢/ ٩٨١.
(٤) الفُسْطَاط: هو بيت من أدم أو شعر، وكل مدينة جامعة فسطاط، ويجمع: فساطيط. ومنه قيل لمدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص: الفسطاط، وهي المعنية في هذا الحديث. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٢٩٩، النهاية ٣/ ٨٥٣، غريب الحديث ١/ ٣١٨.
(٥) رَغِبَ عن الشيء: تَرَكَه مُتَعَمّدا، وزَهِد فِيه ولَم يُرِدْه. ينظر: لسان العرب ١/ ٤٢٣.
(٦) أخرجه أحمد ٤٥/ ٢٠٦ رقم ٢٧٢٣٠، واللفظ له، وأبو داود ٢/ ٣١٩ رقم ٢٤١٣، كتاب الصوم، باب قدر مسيرة ما يفطر فيه، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٩٨١ رقم ٢٠٤١، باب الرخصة في الفطر في رمضان في مسيرة أقل من يوم وليلة، إن ثبت الخبر، وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢/ ٢٧٩: "إسناده ضعيف" ..
(٧) رواه ابن حزم في المحلى ٤/ ٣٨٦ بسنده عن ابن أبي شيبة، وقال عنه: "إسناده كالشمس"، وذكره عنه أيضا الحافظ في الفتح ٢/ ٥٦٧ وصححه. وكذا الصنعاني في السبل ١/ ٣٨٨.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٢ رقم ٨١٣٩، باب في مسيرة كم يقصر الصلاة، وابن المنذر في الأوسط ٤/ ٣٥٠ رقم ٢٢٧٠، باب ذكر المسافة التي يقصر المرء الصلاة إذا خرج إليها، وصححه الحافظ في الفتح ٢/ ٤٦٧، والألباني في الصحيحة ١/ ٣٠٨.
[ ٢٢٢ ]
الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه لا يحل الفطر في أقل من مسيرة يومين قاصدين، أو مسيرة يوم وليلة بالسير الحثيث، أو أربعة بُرُد ١٦ فرسخ ٤٨ ميلا هاشميا، والأفضل ترك التحديد بمسيرة الأيام والاكتفاء بمسافة أربعة برد، ما يساوي تقريبا (٨٨) كيلومتر؛ وذلك لأمور:
الأول: لأن التمسك بالتحديد الزمني، دون وضع معيار ثابت بالمقادير المساحية، كالأميال والكيلومترات وغيرها، يقلل الفائدة من العمل بهذه الرخصة وخصوصا بعد أن تطورت وسائل المواصلات في العصر الحديث تطورا يكاد يكون مذهلا، إذ ما كان يقطع في يوم ويومين وثلاث، فيما مضى صار الآن يقطع بالسيارات العادية في أقل من ساعة. فمعنى ذلك أن المسلم لا يتاح له العمل بالرخصة الآن إلا إذا سافر عدة آلاف من الأميال، كما أنه لن يستفيد من الرخصة إذا ما سافر بالطائرات (١).
الثاني: ولأن التمسك بمسافة أربعة برد امتاز بالوضوح فقد حددت فيه المسافة بمقياس مساحي وهو أربعة برد. وأن هذا القياس ارتكز على علامات مادية يمكن الرجوع إليها للتأكد من مقداره وضبطه؛ وهو من مكة إلى عُسْفان، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى جُدَّة.
وقد نقل عن الإمام مالك أنه ترك التحديد بمسيرة الأيام، وتمسك بتحديد المسافة بأربعة برد، فقد سئل عن الرجل يخرج إلى ضَيْعَتِه (٢) على ليلتين أيقصر صلاة؟ قال: نعم، وأَبْيَن من ذلك، البرد والفراسخ والأميال، على كم ضيعته منه من ميل أو فرسخ؟ . فقال: على خمسة عشر فرسخا فذلك خمسة وأربعون ميلا، فقال: نعم أرى أن تقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك. الصلاة تقصر في مسيرة أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلا، وهذا منه قريب، فأرى أن يقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك (٣).
الثالث: ولأنه الذي صح عن ابن عباس وابن عمر - ﵄ -.
_________________
(١) ينظر: رخصة الفطر في سفر رمضان مجلة الجامعة الإسلامية العدد: ٥٠ - ٥١، ص: ١٣٢.
(٢) الضَيْعة والضِياع: ما للرجل من نخل وكرم وأرض، وقيل هي حرفة الرجل. ينظر: تهذيب اللغة ٣/ ٤٧، تاج العروس ٢١/ ٤٣٣.
(٣) ينظر: البيان والتحصيل ١/ ٤٢٩.
[ ٢٢٣ ]
الرابع: ولأن الأخذ بهذا التحديد، فيه الأخذ بالأحوط؛ إذ لم يخرج عنه إلا من قال بتحديد مسيرة ثلاثة أيام. وسيجاب عن دليلهم الذي استدلوا به إن شاء الله.
وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما الجواب عن ما استدل به الحنفية من تحديد مدة السفر بثلاثة أيام، فيجاب عنه:
أما استدلالهم بحديث المسح على الخُفَّيْن (١)، فيجاب عنه:
أنه إنما سيق لبيان أكثر مدة المسح، لا لتحديد مدة السفر، فلا يصح الاحتجاج به هاهنا (٢).
والدليل أن الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت ¢ فهم ذلك من ترخيصه - ﷺ -، فقال: «وايْم الله لو مضى السائل في مسألته لجعلها خمسا» (٣).
وأما استدلالهم بنهي المرأة عن السفر بلا محرم مدة ثلاثة أيام فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: إن هذا الحديث قد ورد بعدة روايات، فالتمسك بإحداها دون بقيتها فيه تحكم، إلا إذا كان هناك ما يرجح رواية على الأخرى. والذي يترجح هنا رواية يوم وليلة، ورواية يومين؛ لأن النبي - ﷺ - قصد أقل ما يكون سفرا، وكانت الثمانية والأربعون ميلا هو المقدار الذي يسار في هذه المدة على السير المعتاد (٤).
الوجه الثاني: ولأن عدم وجود تقدير مساحي لتحديد هذه المسافة بالأميال أو الفراسخ أو البرد، جعل التحديد الزمن بمسيرة ثلاثة أيام قليل الفائدة، خاصة في هذا العصر الذي صارت تقطع فيه المسافات الطوال في الساعات المعدودات.
ثانيا: وأما ما استدل به أصحاب القول الثالث من أن السفر جاء مطلقا في الكتاب، فيجاب عنه:
_________________
(١) الخُفَّين: تثنية خُفّ، وهو الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه من شيء ثخين. التعريفات الفقهية ص ٨٨.
(٢) ينظر: المغني ٢/ ١٩٠.
(٣) رواه أحمد ٣٦/ ١٩٦ رقم ٢١٨٧١، واللفظ له، وقال محققه الأرنؤوط: "حديث صحيح"، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١٧ رقم ١٣٢٠، وابن ماجه ١/ ١٨٤ رقم ٥٥٣، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر. وقال الألباني في صحيح أبي داود ١/ ٢٧٢: "فهي زيادة صحيحة ثابتة".
(٤) ينظر: البيان والتحصيل ١/ ٤٣٠.
[ ٢٢٤ ]
أن لفظ السفر وإن جاء مطلقا في الكتاب الكريم، وفي السنة المطهرة، إلا أن الرسول - ﷺ - أوضح المراد منه، في منعه المرأة من السفر بدون زوج أو محرم مدة معينة، كما جاء في الأحاديث التي ذُكرت (١).
فعُلِم من ذلك أن أدنى المسافة التي يطلق عليها لفظ السفر، هي مسيرة هذه المدة من الزمن.
وقد فهم الصحابة الكرام هذا المعنى: فعن ابن عباس - ﵄ - قال: «إذا سافرتَ يوما إلى العشاء فأَتِمَّ الصلاة، فإن زِدتَ فاقصُر» (٢).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث أنس ¢، فيجاب عنه:
أنه ليس معناه أن غاية سفره - ﷺ - كانت ثلاثة أميال أو فراسخ، بل معناه أنه - ﷺ - كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر (٣).
وذلك عند توجهه إلى مكة كما جاء في بعض طرق الحديث عند البخاري (٤).
فيكون مقدار الثلاثة أميال أو الثلاثة فراسخ الواردة في حديث أنس - ﵁ - هي بداية القصر، وليست هي مقدار المسافة التي تناط بها الرخصة (٥).
رابعا: وكذا يجاب عن فعل عمر - ﵁ - (٦).
خامسا: وأما استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان إذا سافر فرسخا قصر الصلاة»، فيجاب عنه:
أنه حديث لا يصح (٧).
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٩٣.
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ٥٢٤ رقم ٤٢٩٩، كتاب الصلاة باب في كم يقصر الصلاة، واللفظ له، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٠١ رقم ٨١٣٥، كتاب الصلوات، في مسيرة كم يقصر الصلاة.
(٣) ينظر: المجموع ٤/ ٣٢٩.
(٤) صحيح البخاري: برقم ١٧١٤ كتاب: الحج، باب: نحر البدن قائمة.
(٥) ينظر: التوضيح لابن الملقن ٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧، إكمال المعلم ٣/ ١٤، ونيل الأوطار ٣/ ٢٤٥.
(٦) ينظر: الاستذكار ٢/ ٢٤١.
(٧) قال ابن عبد البر: "فيه أبو هارون العبدي متروك". ينظر: الاستذكار ٢/ ٢٣٩.
[ ٢٢٥ ]
سادسا: وأما ما ورد من قول ابن عمر - ﵄ -، أنه يقصر في سفر ساعة ونحو ذلك مما يتعارض مع التحديد السابق: فإن التحديد بأربعة برد هو أصح الروايتين عن ابن عمر - ﵄ - (١).
ثم إنه قد جاء عن ابن عمر - ﵁ -، أنه كان يخرج إلى الغَابة (٢) فلا يفطر ولا يقصر (٣).
سابعا: وأما ما جاء في قصة دِحية - ﵁ - فيجاب عنه:
أن الحديث في صحته كلام، وعلى فرض صحته، فإن دحية ¢ لم يذكر فيه أن رسول الله - ﷺ - أفطر في قصير السفر، إنما قال إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله - ﷺ -، ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة في الافطار أصلا (٤). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: معالم السنن ١/ ٢٦٢.
(٢) الغَابة: هي موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة، من طرفائه صنع منبر النبي - ﷺ -، وهو على بريد منها. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٨٠.
(٣) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٤٠٦ برقم ٨١٤٥.
(٤) ينظر: معالم السنن ٢/ ١٢٧، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٤٠٦.
[ ٢٢٦ ]