اختيار الشيخ: اختار أن المباشرة تجوز لمن يملك نفسه، وتُكره لمن لا يملك نفسه، فقال: "وقد ظهر مما ذكرنا أن أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي (٢) ومن وافقه، من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث المختلفة" (٣).
تحرير المسألة: نحا المصنفون والفقهاء في مسألة المباشرة والقبلة للصائم منحيين: فمنهم من أدرجهما تحت باب واحد، ومنهم من أفرد كل واحدة منهما بباب مستقل (٤).
والأدلة في المسألتين بعضها خاص بكل مسألة، وبعضها مشترك. وظهر لي أن من المناسب إفراد كل مسألة على حدة وذكر الأقوال والنصوص التي تخص كل مسألة.
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء أن المباشرة التي هي الجماع، محرمة على الصائم، مفسدة للصيام (٥).
واختلفوا في المباشرة التي هي دون الجماع على أربعة أقوال:
القول الأول: جواز المباشرة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
وهو قول: الحنفية في ظاهر الرواية (٦)، والشافعية (٧).
_________________
(١) المُباشرة: الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد يرِد بمعنى الوطء في الفرج، والمقصود هنا الأول. ينظر: النهاية ١/ ١٢٩، لسان العرب ٤/ ٦١، تاج العروس ١٠/ ١٩٢.
(٢) هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله القرشيّ المُطَّلِبِيّ، أحد أئمة المذاهب الأربعة، وإليه ينتسب الشافعية، جامع لعلوم الفقه والأصول والحديث واللغة، نشر مذهبه بالحجاز والعراق، ثم انتقل إلى مصر ونشر بها مذهبه، وبها توفي سنة ٢٠٤ هـ. من تصانيفه: الأم في الفقه؛ والرسالة في أصول الفقه. ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٩٢؛ سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥؛ الأعلام ٦/ ٢٦.
(٣) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٨٤.
(٤) من الذين أفردوا كل واحدة منهما بباب مستقل: البخاري، وابن خزيمة في صحيحيهما، والدارمي، وابن ماجة في سننهما، وابن أبي شيبة في مصنفه.
(٥) ينظر: الإقناع لابن المنذر ١/ ١٩٣، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٢٣٥، مراتب الإجماع ص ٣٩.
(٦) المبسوط ٣/ ٥٨، بدائع الصنائع ٢/ ١٠٦، الجوهرة النيرة ١/ ١٣٩، تحفة الفقهاء ١/ ٣٦٧. قال في البحر الرائق ٢/ ٢٩٣: "والمباشرة كالقبلة في ظاهر الرواية".
(٧) المهذب ١/ ٣٣٥، فتح العزيز ٦/ ٤٢٥، المجموع ٦/ ٣٥٥، نهاية المحتاج ٣/ ١٧٤.
[ ٢٥٦ ]
وهو قول: الحنابلة في المذهب (١)، وهو اختيار الشيخ.
وبه قال: ابن عمر، وابن عباس - ﵄ - (في رواية عنهما) (٢).
القول الثاني: تكره المباشرة للصائم.
وهو: مذهب المالكية (٣)، ورواية عن أبي حنيفة (٤)، ورواية عن أحمد (٥).
وقال به: ابن عباس، وابن عمر (في الرواية الأخرى عنهما)، وعبد الله بن مغفل (٦) - ﵃ -، والزهري، وسعيد ابن المسيب، وعطاء (٧).
القول الثالث: تباح المباشرة مطلقا.
وروي ذلك عن: عائشة، وابن عباس في رواية، وسعد بن أبي وقاص (٨)، وابن مسعود، وحذيفة - ﵃ -، وعكرمة (٩)، والحسن البصري (١٠).
_________________
(١) الكافي ١/ ٤٤٩، المبدع ٣/ ٣٨، الإنصاف ٣/ ٣٢٩.
(٢) تنظر أقوالهم في: المحلى ٤/ ٣٤٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٧.
(٣) المدونة ١/ ٢٦٨، الذخيرة ٢/ ٥٠٤، التاج والإكليل ٣/ ٣٣٢، الفواكه الدواني ١/ ٣١٦.
(٤) المبسوط ٣/ ٥٩، بدائع الصنائع ٢/ ١٠٧، البناية ٤/ ٤٧، رد المحتار ٢/ ٤١٧.
(٥) رواية أحمد وإسحاق ٣/ ١٢٤٠، شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٤٨٧.
(٦) هو: عبد الله بن مغفل بن عبد نهم المزني، من مشاهير الصحابة، شهد بيعة الشجرة، سكن المدينة، وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقهوا الناس بالبصرة، توفي سنة ٥٧ هـ وقيل بعدها. ينظر: معرفة الصحابة ٤/ ١٧٨٠، سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٨٣، وتهذيب التهذيب ٦/ ٤٢.
(٧) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٧، مصنف عبد الرزاق ٤/ ١٨٩، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٦، المحلى ٤/ ٣٤٤.
(٨) هو: سعد بن مالك، واسم مالك أهيب بن عبد مناف بن زهرة، أبو إسحاق القرشي، من كبار الصحابة، أسلم قديما وهاجر، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى. تولى قتال جيوش الفرس وفتح الله على يديه العراق. توفي بالمدينة سنة: ٥٥ هـ. ينظر: أسد الغابة ٢/ ٢١٤، الإصابة ٣/ ٦٢، تهذيب التهذيب ٣/ ٤٨٤.
(٩) هو: عِكْرِمة أبو عبد الله القرشي مولى ابن عباس، المدني أصله من البربر من أهل المغرب، الحبر العالم من علماء التابعين، ومن المتبحرين بالتفسير، روى عن ابن عباس وعائشة وغيرهما، وعنه إبراهيم النخعي والشعبي وغيرهما، توفي سنة ١٠٥ هـ. ينظر: السير ٥/ ١٢، تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧١.
(١٠) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٧، مصنف عبد الرزاق ٤/ ١٨٨، ١٩١، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٦، المحلى ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
[ ٢٥٧ ]
القول الرابع: أن المباشرة سنة مستحبة.
وبه قال: ابن حزم الظاهري (١).
أدلة القول الأول: القائلين تجوز المباشرة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان النبي - ﷺ - يباشر وهو صائم، ولكنه كان أَمْلَكُكُم لِإِرْبِهِ (٢)» (٣).
وجه الاستدلال: لمّا كان النبي - ﷺ - يباشر وهو صائم، وكان أملك الناس لإربه، فغير ذي الشهوة يأخذ حكمه (٤).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ -: «أن رجلا سأل النبي - ﷺ - عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب» (٥).
وجه الاستدلال: أن نهيه - ﷺ - للشاب وإذنه للشيخ يدل على أنه لا تُباح المباشرة لمن خشي أن تغلبه الشهوة، وظن أنه لا يملك نفسه عند المباشرة (٦).
_________________
(١) المحلى ٤/ ٣٣٨.
(٢) يقال: إِرْبه، وأَرَبه، واختُلف في الأشهر منهما: فرجح النووي الأول، ورجح ابن الأثير الثاني. واختلف في معناه، فقيل: معناهما واحد وهو حاجة النفس، وقيل: بالفتح الحاجة، وبالكسر فيه وجهان: الأول الحاجة أيضا، والثاني العضو، ويقصد به من الأعضاء الذَكَر خاصة. ينظر: النهاية في الغريب ١/ ٣٦، وشرح مسلم للنووي ٧/ ٢١٦، ومعالم السنن ٢/ ١١٣. والمقصود في الحديث: حاجة النفس؛ كما جاء ذلك صريحا في رواية الموطأ ص ٢٩٣.
(٣) رواه البخاري ٢/ ٦٨٠ رقم ١٨٢٦، في الصيام، باب المباشرة للصائم، ومسلم ٢/ ٧٧٧ رقم ١١٠٦، في الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، واللفظ له.
(٤) ينظر: المغني ٣/ ١٢٨، وطرح التثريب ٤/ ١٣٨.
(٥) رواه أبو داود ١/ ٧٢٦ رقم ٢٣٨٧، في الصوم، باب كراهيته للشاب، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٢٣١ رقم ٧٨٧٢، في الصيام، باب كراهية القبلة لمن حركت القبلة شهوته، وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ١٤٨ رقم ٢٠٦٥: "إسناده حسن صحيح".
(٦) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٥٠.
[ ٢٥٨ ]
وفُهِم من تعليله - ﷺ - أن الحكم دائر مع تحريك الشهوة، والتعبير بالمعنى المذكور، أي: بالشيخ والشاب، جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم، وأحوال الشباب في قوتها، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم (١).
الدليل الثالث: عن ابن عباس - ﵄ - قال: «لا بأس للشيخ أن يباشر»، يعني: وهو صائم (٢).
الدليل الرابع: عن وَبَرة (٣)، قال: «جاء رجل إلى ابن عمر - ﵁ - قال: أباشر امرأتي وأنا صائم؟ فقال: لا، ثم جاءه آخر، فقال: أباشر امرأتي وأنا صائم؟ قال: نعم، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، قلتَ لهذا: نعم، وقلت لهذا: لا، فقال: إن هذا شيخ، وهذا شاب» (٤).
وجه الاستدلال: أن ابن عمر وابن عباس - ﵄ - قد أباحا المباشرة للشيخ؛ وذلك لما عَلِما من أن الشيخ يملك نفسه عند المباشرة بعكس الشاب.
الدليل الخامس: ولأنها مباشرة لغير شهوة؛ فأشبهت لَمْس اليد لحاجة (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين تكره المباشرة للصائم.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله ﷿ منع المباشرة في هذه الآية في نهار رمضان. والمباشرة أن تلاقي البشَرَةُ البشرةَ على وجه الاستمتاع، وهو أعم من الجماع (٧).
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقاني للموطأ ٢/ ٢٤٥، وطرح التثريب ٤/ ١٣٧، وإرشاد الساري ٣/ ٣٦٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٧ رقم ٩٤٣٢، كتاب الصيام باب ما ذكر في المباشرة للصائم.
(٣) هو: وَبَرة بن عبد الرحمن المُسليُّ، أبو خزيمة الكوفي الثقة، سمع: ابن عمر، وسعيد بن جبير، وروى عنه: بيان بن بشر، ومسعر، توفي سنة ١١٦ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٣٣٣، تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٢٦، تهذيب التهذيب ١١/ ١١١.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٧ رقم ٩٤٣٢، كتاب الصيام، باب ما ذكر في المباشرة للصائم.
(٥) ينظر: المغني ٣/ ١٢٨.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٨٧.
(٧) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٤٨٧، فتح الباري ٤/ ١٥٠، ونيل الأوطار ٤/ ٢٥١.
[ ٢٥٩ ]
الدليل الثاني: عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه» (١).
وجه الاستدلال: فمعنى كلام أم المؤمنين عائشة - ﵂ -: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القُبلة والمباشرة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثله - ﷺ - في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قُبلةٍ أو مباشرة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها (٢).
قال العراقي (٣): "واحتج من كره مطلقا: بأن غيره؟ لا يساويه في حفظ نفسه عن المواقعة بعد ميله إليها، فكان ذلك أمرا خاصا به" (٤).
الدليل الثالث: عن الأسود (٥)، قال: قلت لعائشة - ﵂ -: أيباشر الصائم؟، يعني امرأته،؟ قالت: لا، قلت: أليس رسول الله - ﷺ -، كان يباشر وهو صائم؟ قالت: «كان رسول الله - ﷺ -، أملكُكُم لإِرْبه» (٦).
_________________
(١) رواه البخاري ٢/ ٦٨٠ رقم ١٨٢٦، في الصوم باب المباشرة للصائم، ومسلم ٢/ ٧٧٦ رقم ١١٠٦، في الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، واللفظ له.
(٢) ينظر: شرح مسلم النووي ٧/ ٢١٧، وشرح الزرقاني للموطأ ٢/ ٢٤٤، وعون المعبود ٧/ ٨.
(٣) هو: زين الدين عبد الرحيم بن حسين، أبو الفضل العراقي الكردي، المحدث الشافعي. طلب العلم عن جماعة منهم: العز بن جماعة، وابن التركماني، وغيرهما. تتلمذ عليه: ابنه أبو زرعة، والهيثمي، وابن حجر، وغيرهم. توفي بالقاهرة ٨٠٦ هـ، من مؤلفاته: الألفية في علوم الحديث، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين. ينظر: طبقات الشافعية ٤/ ٢٩، وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٠، الأعلام ٣/ ٣٤٤.
(٤) طرح التثريب ٤/ ١٣٨.
(٥) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو الفقيه الحافظ المخضرم، كان عالم الكوفة في عصره، روى عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم. وعنه ابنه: عبد الرحمن، وأخوه عبد الرحمن، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي، وغيرهم، توفي سنة ٧٥ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٧٠، سير أعلام النبلاء /٥٠، تهذيب التهذيب ١/ ٣٤٣.
(٦) رواه أحمد ٤١/ ٤٣٤ رقم ٢٤٩٦٥، واللفظ له، وقال محققه الأرنؤوط: "صحيح"، والنسائي في السنن الكبرى ٣/ ٣٠٩ رقم ٣٠٩٦، في المباشرة للصائم، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٩٢ رقم ٨٠٩١، في الصيام باب كراهية القبلة لمن حركت شهوته، وينظر إرواء الغليل ٤/ ٨٠ رقم ٩٣٤.
[ ٢٦٠ ]
وجه الاستدلال: أن عائشة - ﵂ - منعت من مباشرة الصائم مطلقا، وعللت أن مباشرة النبي - ﷺ - كانت من خصائصه.
الدليل الرابع: عن عطاء، قال: قيل لابن عباس - ﵄ -: المباشرة، قال: «أَعِفّوا صومَكم» (١).
الدليل الخامس: عن ابن عمر - ﵄ -: «أنه كان يكره القُبلة والمباشرة للصائم» (٢).
الدليل السادس: ولأن المباشرة من دواعي الجماع؛ فلا يُؤمَن أن يقترن بها إنزال مَنِيّ، أو مَذِيّ، أو أن تدعو إلى الازدياد والإكثار، فيفضي إلى الجِماع (٣).
أدلة القول الثالث: القائلين بأن المباشرة تباح للصائم مطلقا.
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ -: «أن رسول الله - ﷺ - كان يباشر وهو صائم، ثم يجعل بينه وبينها ثوبا»، يعني الفَرْج (٤).
الدليل الثاني: عن عائشة بنت طلْحة (٥) أنها كانت عند عائشة زوج النبي - ﷺ -، فدخل عليها زوجها هنالك؛ وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (٦)؛ وهو صائم، فقالت له
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٧ رقم ٩٤٣٥، كتاب الصيام، باب ما ذكر في المباشرة للصائم.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٧ رقم ٩٤٣٦، في الصيام، باب ما ذكر في المباشرة للصائم، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٩١ رقم ٨٠٨٩، في الصيام، باب كراهية القبلة لمن حركت شهوته.
(٣) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٤٨٧.
(٤) رواه أحمد في المسند ٤٠/ ٣٦٤ رقم ٢٤٣١٤، وقال شعيب الأرنؤوط: "حديث صحيح"، وقال الألباني في الإرواء ٤/ ٨٣: "سند جيد وهو على شرط مسلم".
(٥) هي: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية، بنت أخت أم المؤمنين عائشة ﵂ أم كلثوم، روت عن: خالتها عائشة، وعنها: حبيب بن أبي عمرة، وابن أخيها طلحة بن يحيى، وغيرهما، توفيت بعد ١٠٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٦٩، تهذيب الكمال ٣٥/ ٢٣٧، الأعلام ٣/ ٢٤٠.
(٦) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، القرشي التيمي المدني، ابن أخت أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، وعمته عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي - ﷺ -، روى: عن أبيه، وخالته أم سلمة، وعنه: ابنه طلحة، وابن عمه القاسم بن محمد، وأخته أسماء، وغيرهم، توفي بعد ٧٠ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٥/ ١٩٤، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٩١.
[ ٢٦١ ]
عائشة: «ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقَبِّلها وتلاعبها؟»، فقال: أقبلها وأنا صائم؟ !، قالت: «نعم» (١).
وجه الاستدلال: هذا الحديث دليل على أن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - لا ترى تحريم القبلة والمباشرة للصائم ولا أنها من خصائص النبي - ﷺ -، ولا أنها تفرق بين الشاب والشيخ في ذلك، بل الكل عندها سواء (٢).
ولأن عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيام أم المؤممين عائشة - ﵂ - هي وزوجها عبد الله فتيين في عنفوان الشباب (٣).
الدليل الثالث: عن مَسْرُوق (٤) قال: سألت عائشة - ﵂ -: ما يحل للرجل من امرأته صائما؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» (٥).
وجه الاستدلال: فهذه عائشة - ﵂ - تقول فيما يَحرُم على الصائم من امرأته وما يحل له منها ما قد ذُكِر، فدل ذلك على أن المباشرة كانت مباحة عندها للصائم الذي يأمن على نفسه ومكروهة لغيره، ليس لأنها حرام عليه، ولكنه لا يأمن إذا فعلها من أن تغلبه شهوته فيقع فيما يَحرُم عليه (٦).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ص/٢٩٢ رقم ١٦، في الصيام باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٩٥ رقم ٣٣٩٩، في الصيام باب القبلة للصائم، وصححه الألباني في الصحيحة ١/ ٤٣٢.
(٢) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٢٤٢، وفتح الباري ٤/ ١٥٠، وإرشاد الساري ٥/ ٣٦٨.
(٣) ينظر: المحلى ٤/ ٣٤٥.
(٤) هو: مَسْرُوْق بنُ الأَجْدَع بن مَالِك الوَادِعِيّ الهَمْدَانِيّ، أبو عائشة، تابعي ثقة من أهل اليمن، قدم المدينة في أيام أبي بكر ﵁، وسكن الكوفة، روى عن: أبي بكر، وعمر، وعائشة، وغيرهم، وعنه: الشعبي، والنخعي، وأبو الضحى، وغيرهم، توفي سنة ٦٣ وقيل ٦٢ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٧٦، سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٣، تهذيب التهذيب ١٠/ ١١١.
(٥) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٨٩ رقم ٧٤٣٩، في الصيام، باب مباشرة الصائم، والدارمي في السنن ١/ ٦٩٥ رقم ١٠٧٩، كتاب الطهارة، باب مباشرة الحائض، بسند صحيح كما ذكر الحافظ في الفتح ٤/ ١٤٩، والألباني كما في الصحيحة ١/ ٤٣٥.
(٦) ينظر: نخب الأفكار للعيني ٨/ ٥١٥.
[ ٢٦٢ ]
الدليل الرابع: عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه سئل: أتباشر وأنت صائم؟ قال: «نعم، وآخذ بجهازها» (١).
الدليل الخامس: عن ابن مسعود - ﵁ -: «أنه كان يباشر امرأته بنصف النهار، وهو صائم» (٢).
أدلة القول الرابع: القائلين تستحب المباشرة للصائم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: أن الآية نصت أن المؤمن الحق هو من جعل النبي - ﷺ - أسوته وقدوته في أفعاله وأقواله، ومما ثبت عنه - ﷺ - مباشرته زوجاته في يوم الصيام؛ فكان من السنة فعل ذلك.
الدليل الثالث: واستدل ابن حزم بالأحاديث والآثار التي استدل بها أصحاب القول الثالث القائلين بإباحة المباشرة مطلقا، وحملها على الاستحباب.
قال ابن حزم: "وإذ قد صَحَّ أن القُبلة والمباشرة مستحبتان في الصوم، وأنه لم ينه الصائم في امرأته عن شيء إلا الجماع: فسواء تعمد الإمناء في المباشرة، أو لم يتعمد، كل ذلك مباح لا كراهة في شيء من ذلك؛ إذ لم يأت بكراهيته نص ولا إجماع، فكيف إبطال الصوم به! " (٤).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: التفريق بين من يملك نفسه، ومن لا يملك نفسه؛ وذلك أن كثيرا من الأحاديث التي ذكرت هي موضع اشتراك في الاحتجاج بها بين أصحاب الأقوال المذكورة، إلا أن التفصيل المذكور في أدلة القول الأول يقوي دلالتها
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٧ رقم ٩٤٢٩، في الصيام باب ما ذكر في المباشرة للصائم، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٩٥ رقم ٣٣٩٧، في الصيام باب القبلة للصائم، وذكره ابن حزم في المحلى ٤/ ٣٤٦، وصححه، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٣٧: "سنده صحيح على شرط مسلم".
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٤/ ١٩٠ رقم ٧٤٤٢، في الصيام، باب مباشرة الصائم، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٧ رقم ٩٤٣٠، في الصيام، باب ما ذكر في المباشرة للصائم، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٩٥ رقم ٨١٠٧، في الصيام، باب وجوب القضاء على من قبل فأنزل، وقال ابن حزم في المحلى ٤/ ٣٤٦: "وهذه أصح طريق عن ابن مسعود"، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٣٦: "سند صحيح على شرطهما".
(٣) سورة الأحزاب: آية: ٢١.
(٤) المحلى ٤/ ٣٤٧.
[ ٢٦٣ ]
على أن المقصود ما رآه أصحاب القول الأول من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وكذا التفريق بين الشاب والشيخ.
وتحمل الأحاديث التي فيها النهي -إن صحت- على من لا يملك نفسه، وأما الأحاديث التي فيها جواز المباشرة فتحمل على من ملك إربه والله أعلم.
وأما الجواب عما استدل به الآخرون فقد أرجأته إلى المسألة التالية، وهي حكم القبلة للصائم؛ لأن ما يجاب به هنا يجاب به هناك (١). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر الترجيح في صفحة (٢٧٥ - ٢٧٨).
[ ٢٦٤ ]