اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور، القائلين بعدم اعتبار دخول الشهر بالحساب الفلكي، حيث قال: "قلت: ويرد هذا القول حديث ابن عمر الآتي: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»، وقوله - ﷺ - بالخطاب العام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وقوله في نفس الحديث: «لا تصوموا حتى تروه» (٢) " (٣).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء على أنه يجب صوم رمضان برؤية الهلال (٤).
واختلفوا إذا لم يُرى الهلال فهل يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر، على قولين:
القول الأول: لا يُعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر.
وهو قول جمهور أهل العلم من: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ ﵀.
القول الثاني: يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر.
_________________
(١) المراد بالحساب الفلكي هنا: معرفة البروج والمنازل، وتقدير سير كل من الشمس والقمر، وتحديد الأوقات بذلك؛ وهذا هو ما يعرف بحساب التسيير، وليس المراد بالحساب هنا الاستدلال بالأحوال الفلكية على وقوع الحوادث الأرضية؛ من ولادة عظيم أو موته، ومن شدة وبلاء، وأمثال ذلك، مما فيه ربط الأحداث بأحوال الأفلاك علما بميقاتها، أو تأثيرا في وقوعها من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله. ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ٣/ ٣٦.
(٢) سيأتي تخريجها صفحة (٧٩ - ٨٠).
(٣) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٣١.
(٤) ينظر: الإقناع لابن المنذر ١/ ٢٢٧، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٢٢٨، بدائع الصنائع ٢/ ٨٠، بداية المجتهد ٢/ ٤٦، الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٩، القوانين الفقهية ص ٧٩، المبدع في شرح المقنع ٣/ ٣.
(٥) المبسوط /٧٨، رد المحتار ٢/ ٣٨٧، البناية ٤/ ١٧، درر الحكام ١/ ٢٠٠، البحر الرائق ٢/ ٢٨٤
(٦) الاستذكار ٣/ ٢٨٩، الذخيرة ٢/ ٤٩٣، جامع الأمهات ص ١٧٠، التاج والإكليل ٣/ ٢٨٩.
(٧) الحاوي ٣/ ٤٢٣، حلية العلماء ٣/ ١٤٨، البيان ٣/ ٤٧٥، المجموع ٦/ ٢٧٩.
(٨) المغني ٣/ ١١٢، المبدع ٣/ ٦، الإقناع ١/ ٣٠٣، دقائق أولي النهى ١/ ٤٧١.
[ ٧٨ ]
وروي ذلك عن: مُطَرِّف بن الشِّخِّير (١) (٢)، وابن قُتَيْبَة (٣) (٤)، وابن سُرَيْج (٥) من الشافعية (٦).
سبب الخلاف: قد يرجع سبب اختلافهم إلى ما يلي:
السبب الأول: الإجمال الذي في لفظة اقدروا له ما المقصود منها (٧)، وسيتبين -إن شاء الله- عند عرض الأدلة تفسير كل فريق لهذه اللفظة.
السبب الثاني: هل يعتبر الحساب دليلا شرعيا لإثبات الأهلة؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر.
الدليل الأول: عن ابن عمر - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان، فضرب بيديه فقال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا - ثم عقد إبهامه في الثالثة - فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين» (٨)
_________________
(١) هو: مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّيْر أبو عبد الله الحرشي العامِرِي البصري التابعي، ولد في عهد النبي - ﷺ -، وعاش في البصرة، حدث عن: أبيه، وعن علي، وعمار، وأبي ذر، وغيرهم، وكان ثقة فاضلا، ورعا مجاب الدعوة، مات سنة ٩٥ هـ، زمن ولاية الحجاج بن يوسف للعراق. ينظر: طبقات بن سعد ٧/ ١٤١، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٧٤.
(٢) تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٣، التمهيد ١٤/ ٣٥٢. وشكك ابن عبد البر في نسبته إليه.
(٣) هو: عبد الله بن مسلم بن قُتَيْبة الدِينَوَري القاضي، أبو محمد النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، منها: غريب القرآن الكريم، تأويل مختلف الحديث، كان رأسا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة دينا فاضلا، توفي ببغداد سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١١/ ٤١١، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٧، الأعلام ٤/ ١٣٧.
(٤) تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٣، التمهيد ١٤/ ٣٥٢.
(٥) هو: أحمد بن عمر بن سُرَيْج، أبو العباس البغدادي، القاضي الملقب بـ الباز الأشهب، من كبار فقهاء الشافعية، صنف أكثر من أربعمائة كتاب، فقد أكثرها، توفي سنة ٣٠٦ هـ. ينظر: طبقات الشافعية ٢/ ٨٧، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٠١، الأعلام ١/ ١٨٥.
(٦) الحاوي الكبير ٣/ ٤٢٢، المجموع ٦/ ٢٧٩، العزيز للرافعي ٣/ ١٧٨، روضة الطالبين ٢/ ٣٤٧.
(٧) بداية المجتهد ٢/ ٤٧.
(٨) رواه مسلم ٢/ ٧٥٩ رقم ١٠٨٠، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين.
[ ٧٩ ]
الدليل الثاني: وعنه أيضا، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (١).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الهلال فقال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين» (٢).
وجه الاستدلال من الأحاديث: "أن النبي - ﷺ - أمر بالصوم للرؤية والإفطار لها في قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، ونهى عن كل منهما عند عدمها في قوله: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه»، وأمرهم إذا كان غيم أو نحوه ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة ثلاثين، ولم يأمرهم بالحساب، ولا بالرجوع إلى الحساب، بل حصر بطريق النفي والإثبات الشهر بالرؤية، فدل على أنه لا اعتبار شرعا لما سواها في إثبات الأهلة، وهذا تشريع من الله على لسان رسوله - ﷺ - عام للحاضر والباد، أبدا إلى يوم القيامة، ولو كان هناك أصل آخر للتوقيت لأوضحه لعباده؛ رحمة بهم، وما كان ربك نسيا" (٣).
الدليل الرابع: عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنا أمة أُمِّيَّة (٤)، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (٥).
وجه الاستدلال: قال ابن تيمية (٦): "قوله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» هو خبر تَضمَّن نهيا. فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته -هي الأمة الوسط-، أُمِّيَّة لا تَكتُب ولا تَحسِب.
_________________
(١) رواه البخاري ٣/ ٢٧ رقم ١٩٠٧، كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا».
(٢) رواه مسلم ٢/ ٧٦٢ رقم ١٠٨١، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٣) أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث ٣/ ١٤، وينظر: إحكام الأحكام ٢/ ٨.
(٤) أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى، وقيل للعرب: الأُمِّيُّون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة. ينظر: النهاية ١/ ٦٨، تاج العروس ٣١/ ٢٣٧.
(٥) رواه البخاري برقم ١٩١٣ كتاب الصوم باب: قول النبي - ﷺ -: «لا نكتب ولا نحسب»، ومسلم برقم ١٠٨٠ كتاب الصيام باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال
(٦) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، الإمام الفقيه المجتهد، أخذ الفقه عن والده، وغيره من العلماء، وتتلمذ عليه كثير من العلماء، منهم: ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، من مصنفاته: كتاب درء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السنة، توفي سنة ٧٢٨ هـ. ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة ٤/ ٤٩١، المنهج الأحمد ٥/ ٢٤، الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص ١٦.
[ ٨٠ ]
فمن كَتَب أو حَسَب، لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم. بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة. فيكون قد فَعَل ما ليس من دينها، والخروجُ عنها محرَّمٌ، منهيٌّ عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمَين منهيّا عنهما" (١).
الدليل الخامس: ولأن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى (٢)
الدليل السادس: ولأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه (٣).
الدليل السابع: ولأنه حَدْس وتَخْمين فلم يجز التعويل عليه (٤).
الدليل الثامن: ولأن الناس لو كُلِّفوا بحساب المنجمين لضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشَرْعُ إنما يُعَرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أي أنّ أهل الحساب إذا التبَس عليهم الهلال اهتدوا بحساب النجوم (٧).
الدليل الثاني: عن ابن عمر - ﵄ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له» (٨).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٩).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٥/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) ينظر: إحكام الأحكام ٢/ ٨.
(٣) ينظر: المغني ٣/ ١١٢.
(٤) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٢٢٧.
(٥) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١١٢.
(٦) سورة النحل: الآية: ١٦.
(٧) ينظر: المُعْلِم بفوائد مسلم ٢/ ٤٣.
(٨) سبق تخريجه صفحة (٧٠).
(٩) سبق تخريجه صفحة (٨٠).
[ ٨١ ]
وجه الاستدلال من الحديثين: أن قوله - ﷺ -: «فاقدروا له» معناه: قَدِّروه بحساب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وأن قوله: «فأكملوا العدة» خطاب للعامة (١).
الدليل الرابع: عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (٢).
وجه الاستدلال: أن الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء مُعلَّلا (بعِلَّة) (٣) منصوصة وهي: أن الأمة لا تكتب ولا تحسب، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما (٤)، فإذا وصلت الأمة إلى حال في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور (٥).
الدليل الخامس: ولأنه إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه أنه يُرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعي. وبيان ذلك: أنه ليست حقيقة الرؤية شرطا في اللزوم؛ لأنهم متفقون على أن المحبوس في المَطْمُورة (٦) إذا عَلِم أن اليوم من رمضان إما بإكمال العِدَّة أو بالاجتهاد بالعلامات، وجب عليه الصوم، وإن لم يَرَ الهلال، ولم يخبره من رآه (٧).
_________________
(١) ينظر: المسالك في شرح الموطأ ٤/ ١٥٩.
(٢) سبق تخريجه صفحة (٨٠).
(٣) العِلَّة: في اللغة: المرض، أو هي تَغَيّر المَحلّ. وفي الاصطلاح اختلف في تعريفها، وأحسن ما قيل في تعريف العلة، أنها: «وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم». وهي ركن من أركان القياس. ينظر: لسان العرب ١١/ ٤٧١، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص ١٤٦، إرشاد الفحول ٢/ ١٠٩.
(٤) ينظر: الفروق ٢/ ٦٢.
(٥) ينظر: بحث حكم إثبات أول الشهر القمري وتوحيد الرؤية، للشيخ بكر أبو زيد، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث.
(٦) المَطْمُورَة: مَكَان يحفر في الأَرْض ضيق من أعلى واسع من أسفل، قد هيئ لتحفظ فيه الغَلَّة، وهو السِجن أيضا، والجمع مطامير. ينظر: النهاية ٣/ ١٣٨، المصباح المنير ٢/ ٣٧٨، تاج العروس ١٢/ ٤٣٣.
(٧) ينظر إحكام الأحكام ٢/ ٨.
[ ٨٢ ]
الدليل السادس: ولأن المكلف عرف الشهر بدليل؛ فأَشبَه لو عَرَفه بالبَيِّنة (١).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يعتبر الحساب دليلا يثبت به دخول الشهر؛ ولكن لا مانع من إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري الرؤية.
وقد جاء في قرار هيأة كبار العلماء: "إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعا" (٢). وسبب هذا الترجيح يرجع لأمور:
الأول: صحة ما استدلوا به، ولصراحته في أن الرؤيا لا تَعلُّق لها بالحساب، وإنما العبرة بالرؤية البصرية.
الثاني: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني وبيان ذلك كما يلي:
أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، فيجاب عنه:
أن معنى الاهتداء بالنجم في الآية: هو الاهتداء في الطرق في البر والبحر (٣).
قال قَتادَة (٤): «وإن الله ﵎ إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهْتَدى بها، وجعلها رجوما للشياطين. فمن تعاطى فيها غير ذلك: فَقَدَ رأيَه، وأخطأَ حظَه، وأضاعَ نصيبَه، وتَكَلَّفَ ما لا علم له به» (٥).
ثانيا: وأما تفريقهم بين رواية «فاقدروا له» بجعلها بمعنى قدروه بحساب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم ورواية «فأكملوا العدة» خطاب للعامة. فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن لفظة فاقدروا له جاءت مُفسَّرة عن النبي - ﷺ - مما لا يترك شكا أن المقصود منها الإتمام وذلك كما جاء بسند صحيح عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن
_________________
(١) ينظر المهذب ١/ ٣٣٠.
(٢) قرار رقم (١٠٨) وتاريخ ٢\ ١١\١٤٠٣ هـ.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٥٦١، وتفسير الماوردي ٣/ ١٨٢، وتفسير الرازي ٢٠/ ١٩١.
(٤) هو: قَتادَة بن دِعامَة بن عكابة، أبو الخطاب السَدوسي البصري الضرير الأكمه، وهو حافظ عصره، قدوة المفسرين والمحدثين، روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعكرمة. وعنه: مِسْعَر، وشُعبة، والأوزاعي، وخلق كثير، توفي سنة ١١٧ هـ بواسط. ينظر: الطبقات ٧/ ٢٢٩، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩، تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥٥.
(٥) تفسير الطبري ١٧/ ١٨٥.
[ ٨٣ ]
الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين» (١).
فهذه الرواية الصحيحة، صريحة في تفسير المرفوع بالمرفوع (٢).
الوجه الثاني: جاء في رواية لحديث ابن عمر - ﵄ -: «أن ابن عمر كان لا يأخذ بهذا الحساب» (٣).
فهذا تفسير منه لرواية: «فاقدروا له»، وأنها بمعنى الرواية الأخرى: «فاقدروا له ثلاثين».
قال ابن العربي: "فصار وجوب رمضان عنده (٤) مختلف الحال؛ يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد؟ وهذا بعيد عن النُبَلاء" (٥).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «إنا أُمَّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب»، فيجاب عنه:
أن هذا الحديث محض خبر من النبي - ﷺ - لأمته أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو إما أن يكون ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما، ومَرَدّ معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال؛ كما في الأحاديث المتقدمة المشعرة بالحصر في هذين السبيلين، لا بكتاب ولا بحساب. فهذا خبر منه - ﷺ - يتضمن نهيا عن الاعتماد على الكتاب والحساب في أمر الهلال، وفطم للأمة عن الاعتماد عليه، إذ أغناهم بنصب الرؤية أو الإكمال دليلا على أوائل الشهور، وهذا الظاهر في خبرية النص هو الذي يتفق مع الحقائق الشرعية والدلائل النصية
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٤٥ رقم ٧٩٣١، كتاب الصيام باب الصوم لرؤية الهلال أو استكمال العدد ثلاثين، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٨٤ رقم ١٥٣٩، كتاب الصوم. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرطهما، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني بشواهده، ينظر: الإرواء رقم ٩٠٢، ٩٠٣.
(٢) ينظر: إرشاد الساري ٣/ ٣٥٦.
(٣) رواه أبو داوود ٢/ ٢٩٧ رقم ٢٣٢٠، كتاب الصوم، باب الشهر يكون تسعا وعشرين، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٤٣ رقم ٧٩٢٣، كتاب الصيام باب الصوم لرؤية الهلال أو استكمال العدد ثلاثين. وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ٨٨: "إسناده صحيح".
(٤) يعني: ابن سريج بعد تفريقه السابق بين الروايتين.
(٥) المسالك في شرح الموطأ ٤/ ١٥٩.
[ ٨٤ ]
من الأحاديث السابقة. إذا فيتعين إبقاء النص على ظاهره في الخبرية، ولا يُصرَف عنها إلى العِلِّيَّة إلا بدليل، وصرفه يؤدي إلى تعارض النصوص كما هو بَيِّن (١).
رابعا: وأما قولهم إن حقيقة الرؤية ليست شرطا في اللزوم، واستدلالهم بالمحبوس في المطمورة فيجاب عنه:
أن المحبوس في المطمورة معذور، فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده، فإن تبين خطؤه بيقين أعاد. وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعي للوجوب إنما هو الرؤية، لا عِلْم ذلك بالحساب؛ لقوله - ﷺ - «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» الحديث (٢).
سادسا: وأما جعلهم الحساب دليلا صحيحا كالبينة العادلة فيجاب عنه:
أن الحساب ليس دليلا شرعيا يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه (٣).
والله أعلم.
_________________
(١) ينظر بحث: حكم إثبات أول الشهر القمري وتوحيد الرؤية للشيخ بكر أبو زيد مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث.
(٢) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١١٣ - ١١٤.
(٣) ينظر: المغني ٣/ ١١٢.
[ ٨٥ ]