اختيار الشيخ: اختار القول باعتبار اختلاف المطالع، فقال: "قلت: لا مَناص من اعتبار اختلاف المطالع (١) في باب الصوم أيضا" (٢).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء على أنه يجب صوم رمضان برؤية الهلال (٣)، لقوله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٤).
واتفقوا أيضا على أن خليفة المسلمين إذا أصدر أمرا بثبوت رؤية الهلال، فحَكَم بأن الغد من رمضان أو من شوال، -وكان يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع في اجتهاده، ونقل أمره هذا إلى جميع الأقطار الإسلامية الخاضعة لولايته-، وجب الامتثال لأمره؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخِلاف (٥) (٦).
وإن اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حِسّا وعقلا، ولم يخالف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه (٧).
واختلفوا لو تمت رؤيته في بلد، هل يلزم جميع البلاد الصوم بتلك الرؤية أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا عبرة باختلاف المطالع؛ فإذا رؤي الهلال في بلد إسلامي في المشرق وجب على جميع البلدان الإسلامية الصوم برؤيتهم ولو كانوا في أقصى المغرب وأهله لم يروه.
_________________
(١) المَطالِع: جمع مَطلع، وطلع القمر وغيره طلوعا فهو طالع، وكل ما بدا لك من علو فقد طَلَع، ووقت طلوعه المطلِع، وموضع طلوعه المطلَع. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٣٧٥، جمهرة اللغة ٢/ ٩١٥، مختار الصحاح ص ١٩١.
(٢) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٢٧.
(٣) ينظر: الإقناع لابن المنذر ١/ ٢٢٧، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٢٢٨، بدائع الصنائع ٢/ ٨٠، بداية المجتهد ٢/ ٤٦، الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٩، المبدع في شرح المقنع ٣/ ٣.
(٤) سيأتي تخريجه صفحة (٧٠).
(٥) فتح القدير للكمال ٢/ ٣٢٤، الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٣٥، المجموع ٦/ ٢٨٣، المغني ٣/ ١٦٥.
(٦) تنظر القاعدة في: شرح تنقيح الفصول ص ٤٤١، الفروق ٢/ ١٠٣.
(٧) أبحاث هيئة كبار العلماء قرار رقم ٢، وتاريخ ١٣/ ٨/١٣٩٢ هـ. ينظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٢٨ ص ٣٢١، وينظر: رد المحتار على الدر المختار ٢/ ٣٩٣.
[ ٦٧ ]
وبه قال: الحنفية في (ظاهر المذهب) (١) (٢)، والمالكية في (المشهور) (٣) (٤)، والليث ابن سعد (٥) (٦)، والشافعية في قول (٧)، والحنابلة (٨).
القول الثاني: العبرة باختلاف المطالع؛ حيث إنّه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم.
وهو رواية عن: الإمام مالك (٩) (١٠)، ووجه عند الشافعية (١١).
_________________
(١) هو ما جاء في كتب محمد بن الحسن الشيباني الست: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والسِيَر الكبير، والسِيَر الصغير، والمبسوط أو الأصل والزيادات. وقد جمع فيها فقه أبي حنيفة، ويعتبر ما جاء فيها هو الراجح في المذهب، ويُعبَّر عن الترجيح بأنه في ظاهر الرواية. ينظر: رد المحتار ١/ ٥٠.
(٢) بدائع الصنائع ٢/ ٨٠، تبيين الحقائق ١/ ٣١٦، فتح القدير ٢/ ٣١٣، رد المحتار ٢/ ٣٩٣.
(٣) مذهب جمهور المالكية أن المشهور ما كثر قائله، لا ما قوي دليله. ينظر: رفع العتاب والملام ص ١٧.
(٤) القوانين الفقهية ص ٧٩، التوضيح لخليل ٢/ ٣٧٩، مواهب الجليل ٢/ ٣٨٣، الشرح الكبير للدردير ١/ ٥١٠. وهي رواية ابن القاسم والمصريين عن مالك. ينظر: النوادر والزيادات ٢/ ١١، الاستذكار ٣/ ٢٨٢، بداية المجتهد ٢/ ٥٠.
(٥) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولى خالد بن ثابت بن ظاعن، أبو الحارث، إمام أهل مصر في عصره، حديثا وفقها، ولد في قلقشندة - قرية من أسفل أعمال مصر - سنة ٩٤ هـ، روى عنه خلق كثير منهم: ابن عجلان شيخه، وابن لهيعة، توفي في القاهرة سنة ١٧٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٥١٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ١٣٦، الأعلام ٥/ ٢٤٨.
(٦) ينظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ١١٢، الاستذكار ٣/ ٢٨٢، المجموع ٦/ ٢٧٤، المغني ٣/ ١٠٧.
(٧) الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٩، المجموع ٦/ ٢٧٣، كفاية النبيه ٦/ ٢٤٦، مغني المحتاج ٢/ ١٤٤.
(٨) مسائل أحمد رواية أبي داود ص ١٢٨، المغني ٣/ ١٠٧، المبدع ٣/ ٧، كشاف القناع ٢/ ٣٠٣.
(٩) هو: مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، أخذ العلم عن: نافع مولى ابن عمر، والزُهري، وربيعة الرأي، ونظرائهم، توفي بالمدينة سنة ١٧٩ هـ، من تصانيفه: الموطأ؛ وتفسير غريب القرآن؛ ينظر: ترتيب المدارك ١/ ١٠٤، الديباج المذهب ص ١٧؛ شجرة النور الزكية ١/ ٨٠؛ سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨.
(١٠) ينظر: النوادر والزيادات ٢/ ١١، الاستذكار ٣/ ٢٨٢، بداية المجتهد ٢/ ٥٠. وهي رواية المدنيين.
(١١) الحاوي الكبير ٣/ ٤٠٩، المجموع ٦/ ٢٧٤، كفاية النبيه ٦/ ٢٤٦.
[ ٦٨ ]
وهو اختيار: الزَّيْلَعي (١) من الحنفية (٢)، وإسحاق بن راهَوِيْه (٣) (٤)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: إن كانت المسافة بين البلدين متقاربة لا تختلف المطالع لأجلها فحكمها حكم بلد واحد؛ فإذا رؤي الهلال في أحدهما وجب على أهل البلد الآخر الصيام، وإن تباعدا في المسافة لم يجب الصوم على أهل البلد الآخر.
وبه قال الشافعية في المعتمد عندهم في المذهب (٥).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم: هو تعارض الأثر والنظر. أما النظر: فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف فيجب أن يحمل بعضها على بعض؛ لأنها في قياس الأفق الواحد. وأما الأثر: فحديث ابن عباس الذي سيأتي في أدلة القول الثاني والثالث (٦).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا عبرة باختلاف المطالع.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٧).
_________________
(١) هو: عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين أبو محمد الزّيْلَعي، الإمام العلامة الحنفي، قدم القاهرة سنة ٧٠٥ هـ فأفتى ودرّس، ونشر الفقه، وانتفع به الناس، وتوفي فيها سنة ٧٤٣ هـ، ودفن بالقرافة، من مصنفاته: تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق، وشرح الجامع الكبير. ينظر: الجواهر المضية ١/ ٣٤٥، الأعلام للزركلي ٤/ ٢١٠، حسن المحاضرة ١/ ٤٧٠.
(٢) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١/ ٣٢١، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٣٩٣.
(٣) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، من بني حنظلة من تميم، أبو يعقوب المروزي، المعروف بابن راهويه، عالم خراسان في عصره، طاف البلاد لجمع الحديث، وأخذ عنه أحمد والشيخان، اجتمع له الفقه والحديث والحفظ والصدق والورع والزهد، استوطن نيسابور وتوفي بها سنة ٢٣٨ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٣٤٥، سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٥٨، تهذيب الكمال ٢/ ٣٧٣، الأعلام ١/ ٢٩٢.
(٤) ينظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ١١٢، الاستذكار ٣/ ٢٨٢، المجموع ٦/ ٢٧٤، المغني ٣/ ١٠٧.
(٥) المجموع ٦/ ٢٧٣، العزيز ٣/ ١٧٩، كفاية النبيه ٦/ ٢٤٧، مغني المحتاج ٢/ ١٤٤، وفيما يعتبر به: البعد والقرب عندهم ثلاثة أوجه: الأول: وهو أصحها، أن التباعد يختلف باختلاف المطالع. والثاني: الاعتبار باتحاد الإقليم واختلافه. والثالث: أن التباعد هو مسافة القصر والتقارب دونها. ينظر: المجموع ٦/ ٢٧٣.
(٦) ينظر: بداية المجتهد ٢/ ٥٠.
(٧) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
[ ٦٩ ]
وجه الاستدلال من الآية الكريمة: اتفق المسلمون على معنى الآية في اعتبار رؤية الهلال سببا في إيجاب صوم رمضان؛ فدل ذلك على أن رؤية الهلال هي شهود الشهر (١).
وبما أن رؤية الهلال قد ثبتت بشهادة الثّقات، وجب الصيام على جميع المسلمين (٢)؛ لأن العبرة بثبوت الشهر نفسه من أي مطلع كان؛ وذلك لأن الشارع أناط عموم الحكم -وهو وجوب الصوم- بثبوت الشهر نفسه، بشرط العلم به، وأن يكون من شهد الشهر بالغا عاقلا صحيحا مقيما (٣).
الدليل الثاني: عن ابن عمر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليْكم (٤) فاقْدُرُوا له (٥)» (٦).
الدليل الثالث: وعنه أيضا عن النبي - ﷺ - أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» (٧).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة - ﵃ - أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمِّيَ (٨) عليكم فأكملوا العدد» (٩).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٢٤٩.
(٢) ينظر: المغني ٣/ ١٠٧.
(٣) ينظر الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٩٩.
(٤) يقال: غُمَّ علينا الهلال غَما فهو مَغموم، إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو غيره. من غَمَمت الشيء إذا غَطَّيْته. ينظر: النهاية ٣/ ٣٨٨، لسان العرب ١٢/ ٤٤٢، وتاج العروس ٣٣/ ١٨١.
(٥) فاقدروا له: أي قَدِّروا له عدد الشهر حتى تُكملوه ثلاثين يوما، وقيل بمعنى ضَيِّقوا له. ينظر: النهاية ٤/ ٢٣، مختار الصحاح ص ٢٤٨، لسان العرب ٥/ ٧٨.
(٦) أخرجه البخاري ٤/ ١٣٥ رقم ١٩٠٠، في الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا، ومسلم ٢/ ٧٥٩ رقم ١٠٨٠، في الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٧) أخرجه البخاري ٤/ ١٤٣ رقم ١٩٠٦، في الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا»، ومسلم ٢/ ٧٥٩ رقم ١٠٨٠، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٨) يقال: أُغْمِيَ علينا الهلال غُمِّيَ، فهو مُغْمى ومُغَمى، إذا حال دون رؤيته غيم أو قترة. وأصل التغمية الستر والتغطية. ينظر: النهاية ٣/ ٣٨٩، لسان العرب ١٥/ ١٣٥، المصباح المنير ٢/ ٤٥٤.
(٩) أخرجه البخاري ٤/ ١٤٣ رقم ١٩٠٩، في الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا»، ومسلم ٢/ ٧٦٢ رقم ١٠٨١، في الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، واللفظ له.
[ ٧٠ ]
وجه الاستدلال من الأحاديث: أن الخطاب عام، وقد علق بمطلق الرؤية في قوله - ﷺ -: «حتى تروا»، و«لرؤيته» فإذا ثبتت الرؤية من قوم فإنه يَصْدُق اسم الرؤية، فثبت ما تُعُلِّق به من عموم الحكم، فيعم الوجوب جميع المسلمين (١).
ومن المقرر أصوليا أنّ: (المطلق) (٢) يجرى على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد (٣).
الدليل الخامس: عن أبي عُمَير بن أنس (٤) قال: حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أُغْمِيَ علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركَبْ (٥) من آخر النهار، فشهدوا عند النبي - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، «فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» (٦).
_________________
(١) ينظر: فتح القدير لابن الهمام ٢/ ٣١٤.
(٢) المُطْلق في اللغة: من الإطلاق: وهو الحل والإرسال. واصطلاحا: هو المُتناوِل لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وقيل: ما يدل على واحد غير معين. ويُقابِله المقيد. ينظر: روضة الناظر ٢/ ١٠٢، التعريفات للجرجاني ص ٢٠٩، تاج العروس ٢٦/ ١٠٢.
(٣) ينظر: شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا ص: ٣٢٣.
(٤) هو: أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري، قيل اسمه عبد الله، وكان أكبر ولد أنس، رَوَى عَن: عمومة لَهُ من الأنصار من أصحاب النبي - ﷺ -، روى عنه: أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، كان ثقة قليل الحديث. ينظر: الطبقات الكبرى ٧/ ١٩٢، تهذيب الكمال ٣٤/ ١٤٢، تهذيب التهذيب ١٢/ ١٨٨.
(٥) الرَكب: جمع راكب، وهم أصحاب الإبل خاصة دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها. ينظر: الصحاح ١/ ١٣٨، النهاية ٢/ ٢٥٦.
(٦) أخرجه أبو داود ١/ ٣٠٠ رقم ١١٥٧، كتاب الصلاة، باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد، والنسائي ٣/ ١٨٠ رقم ١٥٥٧، كتاب صلاة العيدين، باب الخروج إلى العيدين من الغد، وابن ماجه ١/ ٥٢٩ رقم ١٦٥٣، باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، والدارقطني في سننه ٢/ ١٧٠ رقم ٢١٨٤، وحسنه، وصححه الألباني في الإرواء رقم ٦٣٤.
[ ٧١ ]
الدليل السادس: عن رِبْعي بن حِراش (١)، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي - ﷺ - لأهلاّ الهلال (٢) أمس عشيّة (٣)، «فأمر النبي - ﷺ - أن يفطروا» (٤).
وجه الاستدلال من الحديثين: أن هؤلاء القوم الذين أخذ النبي - ﷺ - برؤيتهم قد رأوا الهلال في غير المدينة، وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأنّ شهادتهم كانت آخر النهار، والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة (٥).
الدليل السابع: قياس (٦) البلدان البعيدة على الضواحي والمدن القريبة من بلد الرؤية لعدم وجود دليل على اختصاص كل منهما بحكم، فالبيّنة العادلة ممثلة بشهادة الثقات قد أثبتت رؤية الهلال، فوجب الصيام؛ كما في حالة تقارب البلدان (٧).
أدلة القول الثاني: القائلين باعتبار اختلاف المطالع.
_________________
(١) هو: رِبْعي بن حِرَاش بن جَحْش بن عمرو الغَطَفَانِيُّ، أبو مريم الكوفي، التابعي الجليل المشهور، سمع من: عمر، وعلي، وأبي موسى ﵃، وعنه: أبو مالك الأشجعي، ومنصور بن المعتمر، وآخرون، توفي سنة ١٠٠ هـ، وقيل غير ذلك، ينظر: الطبقات ٦/ ١٢٧، سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٥٩، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٧.
(٢) أي: رأو الهلال وأبصروه. ينظر: النهاية ٥/ ٢٧١، لسان العرب ١١/ ٧٠٣.
(٣) العَشِيّ: قيل ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: هو آخر النهار. ينظر النهاية ٣/ ٢٤٢، وتهذيب اللغة ٣/ ٣٨، والمصباح المنير ٢/ ٤١٢.
(٤) رواه أبو داود ٢/ ٣٠١ رقم ٢٣٣٩، كتاب الصوم، باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤١٦ رقم ٨١٨٩، كتاب الصيام، باب من لم يقبل على رؤية هلال الفطر إلا شاهدين عدلين، والدارقطني في سننه ٣/ ١٢٣ رقم ٢٢٠٢، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية الهلال، وقال: "هذا إسناد حسن ثابت"، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ١٠٤: "إسناده صحيح".
(٥) ينظر: كتاب الصيام من شرح عمدة الفقه لابن تيمية ١/ ١٧٢.
(٦) القياس في اللغة: التقدير، ومنه: "قست الثوب بالذراع". وهو في الشرع: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما. وقيل غير ذلك. ينظر روضة الناظر ٢/ ١٤١، طلبة الطلبة ص ١٦٧.
(٧) ينظر: المغني ٣/ ١٠٧، وينظر: المُعْلِم ٢/ ٤٥.
[ ٧٢ ]
الدليل الأول: عن كُرَيْب (١) أن أم الفَضْل بنت الحارث (٢) بعثته إلى معاوية (٣) - ﵄ - بالشام (٤)،
فقال: قَدِمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس - ﵁ -، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: «لا هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -» (٥).
وجه الاستدلال من الحديث: أنّ ابن عبّاس ﵄ لم يعمل برؤية أهل الشّام وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -، فدلّ ذلك على أنّه قد حفظ من رسول الله - ﷺ - أنّه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر (٦)، فلأهل الشام رؤيتهم، ولأهل المدينة رؤيتهم.
_________________
(١) هو: كُرَيب بن أبي مسلم، أبو رشيدين الهاشمي العباسي مولاهم الحجازي، أدرك عثمان، وروى عن: أم الفضل، وابن عباس، وأم سلمة، وغيرهم، وكان ثقة كثير الحديث. مات سنة ٩٨ هـ. ينظر طبقات ابن سعد ٥/ ٢٩٣، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٩ هـ.
(٢) هي: أم الفضل لُبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، الصحابية الجليلة، أخت ميمونة أم المؤمنين، وزوجة العباس عم النبي - ﷺ -، وخالة خالد بن الوليد، توفيت في خلافة عثمان ﵁. ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٩٠٧، سير أعلام النبلاء ٢/ ٣١٤.
(٣) هو: صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، مؤسس الدولة الأموية بالشام، وأحد دهاة العرب الكبار، كان فصيحا حليما وقورا، ولد بمكة، وأسلم عام الفتح، ولاه أبو بكر ثم عمر، وأقره عثمان على الديار الشامية، تنازل له الحسن بن علي عام الجماعة، وكثرت الفتوحات في خلافته، توفي في دمشق سنة ٦٠ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٥/ ٢٤٩٦؛ سير أعلام النبلاء ٣/ ١١٩، والإصابة ٦/ ١٢٠.
(٤) يقال: الشام والشأم والشآم، وهو اسم هذا القُطر العزيز على ما عرفته العرب، وهو يتناول عامة الأقاليم الداخلة اليوم في فلسطين وسورية بحسب الاصطلاح الحديث. ينظر: خطط الشام لمحمد كُرْد عَلي ١/ ٧، ومعجم البلدان لياقوت الحموي ٣/ ٣١١ ..
(٥) أخرجه مسلم ٢/ ٧٦٥ رقم ١٠٨٧، كتاب الصيام، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم.
(٦) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٣٠، وينظر: شرح مشكل الآثار ١/ ٤٢٢.
[ ٧٣ ]
الدليل الثاني: عن ابن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (١).
الدليل الثالث: وعنه أيضا عن النبي - ﷺ -؛ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (٢).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة - ﵁ -؛ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم فأكملوا العدد» (٣).
وجه الاستدلال من الأحاديث: أن رسول الله - ﷺ - علّق صيام رمضان على رؤية أناس مخصوصين وهم أهل البلد الذين رأوا الهلال، وبما أن أهل البلد الآخر لم يروه فلا يلزمهم الصيام (٤).
الدليل الخامس: استدلوا بفعل الصحابة الكرام؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الخلفاء الراشدين - ﵃ - أنهم كانوا يكتبون إلى الآفاق إذا رأوا الهلال، ولو كانت الرؤية تلزم أهل الآفاق الأخرى بالصوم لكتبوا إليهم. فدل ذلك على عدم لزوم الصوم على أهل بلد لم يروا الهلال، ولو كان ذلك لازما لبلغوهم؛ إذ لا يتصور إهمالهم لأمور الدين (٥).
الدليل السادس: القياس على اختلاف مطالع الشمس المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة، فهي معتبرة شرعا، ومنعقد عليها بالإجماع، فلما كان لكل بلد شروقه وغروبه، وظهره وعصره تبعا لاختلاف مطالع الشمس، وجب أن يكون لكل بلد صيامهم، تبعا لاختلاف مطلع الهلال عندهم (٦).
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٧٠).
(٢) سبق تخريجه ص: (٧٠).
(٣) سبق تخريجه ص: (٧٠).
(٤) ينظر: أعلام الحديث للخطابي ٢/ ٩٤٣، والكواكب الدراري للكرماني ٩/ ٨٥.
(٥) ينظر: الذخيرة ٢/ ٤٩١.
(٦) ينظر الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي ٢/ ٥٧، ورد المحتار على الدر المختار ٢/ ٣٩٣، وبحث: توحيد بدايات الشهور القمرية لفضيلة الشيخ محمد علي السايس، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثالث ٢/ ٩٣٨.
[ ٧٤ ]
القول الثالث: القائلين بأنه إن كانت المسافة بين البلدين متقاربة لا تختلف المطالع لأجلها فحكمها حكم بلد واحد؛ فإذا رؤي الهلال في أحدهما وجب على أهل البلد الآخر الصيام، وإن تباعدا في المسافة لم يجب الصوم على أهل البلد الآخر.
الدليل الأول: حديث كريب السابق (١).
وجه الاستدلال من الحديث: أن المسافة بين المدينة والشام قد وجدت فيها مسافة القصر، واختلاف الإقْلِيم (٢)، واختلاف المطالع، واحتمال عدم الرّؤية؛ فلذلك لم يلتزم ابن عباس برؤية أهل الشام (٣).
الدليل الثاني: حديث: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا ثم يخرجوا لعيدهم من الغد (٤).
وجه الاستدلال: أن الركب الذين شهدوا برؤية الهلال جاءوا آخر النهار، وقد كانوا رأوا الهلال بالأمس، ومع هذا فإن النبي - ﷺ - قد اعتبر رؤيتهم؛ وذلك لاتحاد المطلع.
الدليل الثالث: لأنّ مطلع الذين رأوا الهلال هو نفسه مطلع الذين لم يروه، وإنما لم يره هؤلاء إما لتقصيرهم في التَّأَمُّل، أو لعارض، بخلاف مختلفي المطلع (٥).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: عدم اعتبار اختلاف المطالع في ثبوت بدء الصوم وإن تباعدت البلدان، شريطة أن تكون الأقاليم والبلدان مشتركة في جزء من ليلة الرؤية.
وسبب ترجيح هذا القول: قوة أدلته، ودقة وجوه الاستدلال بها، ولتعليق الشارع الكريم عموم الحكم بمطلق الرؤية.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٧٣).
(٢) الإقْلِيم: مأخوذ من قلامة الظفر لأنه قطعة من الأرض، وعند القدماء سبعة أقاليم، كإقليم الهند وإقليم اليمن، وغيرها من مناطق الأرض تكاد تتحد فيها الأحوال المناخية والنظم الاجتماعية. ينظر: مختار الصحاح ص/٢٥٩، المصباح المنير ٢/ ٥١٥، المعجم الوسيط ٢/ ٧٥٦.
(٣) ينظر: الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي ٢/ ٥٧، وينظر: المُفْهِم للقرطبي ٣/ ١٤٢.
(٤) سبق تخريجه ص: (٧١).
(٥) ينظر: المجموع ٦/ ٢٧٣.
[ ٧٥ ]
وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث كريب مولى ابن عباس، فيجاب عنه:
أن الحجة في حديث ابن عباس - ﵁ - في (المرفوع) (١) منه؛ لا في ما فهمه الناس من اجتهاده، وذلك في قوله: «هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -». وقصد ابن عباس بهذا الأمر -والله أعلم- قوله - ﷺ -: «لا تصوموا حتّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين».
فهو لا يريد بقوله: «هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -» أن عنده عن الرسول - ﷺ - حديثا خاصا بهذه المسألة يدل على عدم الصيام. والدليل على أن ابن عباس قصد هذا الحديث قوله في آخر حديث كريب: «فلا نزال نصوم حتّى نكمل ثلاثين» (٢).
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث ابن عمر وأبي هريرة - ﵄ -، فيجاب عنه:
أن الخطاب في تلك الأحاديث لا يختصّ بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين. فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللّزوم؛ لأنّه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم (٣).
ثالثا: وأما من فَرَّق بين القرب والبعد، فإن تفريقه لا دليل عليه من الشرع، وإنما أنتجه الدليل العقلي، بدليل أنهم اختلفوا في الضابط الذي يعتبر به البعد والقرب، فمنهم من جعل الضابط هو اتحاد المطلع واختلافه، ومنهم من جعله اتحاد الإقليم واختلافه، ومنهم من جعله مسافة القصر (٤).
رابعا: وأما استدلالهم بالقياس على اختلاف مطالع الشمس فلا حجة فيه؛ لأن طلوع الشمس وغروبها يتكرر في كل يوم، ويشق مراعاته، ويلحق المشقة في اعتبار طلوعه وغروبه،
_________________
(١) المَرْفُوع: هو الحديث الذي أضيف إلى النبي - ﷺ - قولًا أو فعلًا. ينظر: الباعث الحثيث ص ٤٥.
(٢) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) ينظر: المصدر السابق ٤/ ٢٣١.
(٤) ينظر: المجموع ٦/ ٢٧٣.
[ ٧٦ ]
بخلاف الهلال (١)؛ فإنه ليس في السنة إلا رمضان واحد، ولا يلزم من التوحيد في الأزمان السابقة إلا قضاء اليوم الأول الذي لم يروا الهلال فيه ولا حرج في ذلك.
أما في أزماننا هذه فلا يلزم شيء أبدا؛ لأنه من المتيسر جدا بعد الاختراعات الحديثة تبليغ ثبوت الرؤية في لمح البصر، وقبل أن يطلع النهار الجديد في أي بلد إسلامي مهما كان بعيدا عن بلد الرؤية؛ فقد ثبت علميا أنه ليس بين أي بلدين إسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها أكثر من تسع ساعات، هكذا قال أهل التخصص والعهدة عليهم (٢).
خامسا: وأما استدلالهم بفعل الخلفاء الراشدين: أنهم كانوا لا يكتبون إلى الآفاق إذا رأوا الهلال، فيجاب عنه:
أنه لو تيسر للخلفاء والولاة في صدر الإسلام ما هو متيسر الآن من إذاعة الأخبار في جميع أنحاء المعمورة في أقل من لمح البصر، ما ترددوا في إبلاغ ثبوت الأهلة إلى جميع الولايات الإسلامية، ليتوحد مظهرهم الديني ويتفقوا في بدء الصيام والإفطار وسائر أعيادهم ومواسمهم الدينية (٣). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١٧٣.
(٢) ينظر: بحث توحيد بدايات الشهور القمرية لفضيلة الشيخ محمد علي السايس مجلة المجمع الفقهي الإسلامي العدد الثالث ٢/ ٩٤٥، حيث أشار إلى أن هذا ما قرره الأستاذ الشيخ محمد أبو العلا البنا مدرس الفلك بكلية الشريعة بجامعة الأزهر.
(٣) المصدر السابق.
[ ٧٧ ]