اختيار الشيخ: اختار منع صيام يوم الغيم على أنه من رمضان، إذا لم يُرى الهلال، فقال: "إن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، أي: إذا لم يكمل عدد شعبان ثلاثين يوما، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها" (١).
وقال أيضا: "وفعل ابن عمر اجتهاد منه مخالف لأحاديث إكمال العدة ثلاثين يوما" (٢).
تحرير محل الخلاف: قال ابن المنذر: "صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة" (٣).
واختلفوا إذا حال دون الرؤية غيم أو قتر ولم يُرَ الهلال، هل يصام على أنه من رمضان؟ على قولين:
القول الأول: لا يصام يوم الغيم على أنه من رمضان.
وهو قول: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٢٥.
(٢) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٣٠. يعني حديث ابن عمر الآتي.
(٣) نقل هذا الإجماع عن ابن المنذر جمع من أهل العلم كابن حجر في الفتح ٤/ ١٢٣، وابن الملقن في التوضيح ١٣/ ٦١، والعيني في عمدة القاري ١٠/ ٢٧٢، والزرقاني في شرح الموطأ ٢/ ٢٢٧، وغيرهم. ولم أجد هذا القول في ما وقفت عليه من كتبه.
(٤) الهداية ١/ ١١٧، الاختيار ١/ ١٣٠، درر الحكام ١/ ١٩٨، مجمع الأنهر ١/ ٣٤٧، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي ١/ ١١٧. وعند الحنفية: يكره صيامه كراهة تحريم. ينظر: البحر الرائق ٢/ ٢٨٥.
(٥) تهذيب المدونة ١/ ٣٥٧، ٤٣٧، الرسالة ص ٥٩، الذخيرة ٢/ ٥٠١، جامع الأمهات ص ١٧١. واختلف المالكية في: النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ . ينظر: مواهب الجليل ٢/ ٣٩٤.
(٦) الحاوي ٣/ ٤٠٩، حلية العلماء ٣/ ١٤٨، المجموع ٦/ ٤٠٣. وعندهم: يحرم صيامه. ينظر: المهذب ١/ ٣٤٦، والتنبيه ص ٦٨، والبيان ٣/ ٥٥٧.
(٧) المغني ٣/ ١٠٨، والشرح الكبير ٣/ ٥، وشرح الزركشي ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨، والإنصاف ٣/ ٢٦٩.
(٨) المحلى ٤/ ٤٤٤.
[ ١٢٦ ]
القول الثاني: يجب صيام يوم الغيم على أنه من رمضان.
وهو المذهب عند: الحنابلة (١).
سبب الخلاف: ويرجع سبب اختلافهم في هذه المسألة إلى ثلاثة أسباب والله أعلم:
السبب الأول: احتياطهم في الغيم خاصة للصيام.
والسبب الثاني: اختلافهم في تفسير قوله - ﷺ -: «فإن غم عليكم فاقدروا له» (٢) هل معناه أتموا عدته، أو ضيقوا له؟ (٣).
والسبب الثالث: اختلافهم في مفهوم إتمام العدة هل هي عدة شعبان أو عدة رمضان.
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يصام يوم الغيم على أنه من رمضان.
الدليل الأول: عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة؛ فلا تصوموا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين» (٤).
وجه الاستدلال: دل الحديث على أنه يجب على من لم يَرَ الهلال، ولا أخبره من رآه أن يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما، ثم يصوم، ولا يجوز له أن يصوم يوم الثلاثين من شعبان (٥).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قال النبي - ﷺ -، أو قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين» (٦).
_________________
(١) مسائل أحمد رواية أبي داوود ص ١٢٧، المغني ٣/ ١٠٨، الروض المربع ١/ ٢٢٥، دقائق أولي النهى ١/ ٤٧٠، الإنصاف ٣/ ٢٦٩. وهو من مفردات المذهب. قال المرداوي: "ورد صاحب الفروع جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب. وقال: لم أجد عن أحمد قولا صريحا بالوجوب، ولا أمر به، فلا يتوجه إضافته إليه".
(٢) سبق تخريجه صفحة (٧٠).
(٣) ينظر: بداية المجتهد ٢/ ٤٧.
(٤) رواه البخاري ٣/ ٢٧ رقم ١٩٠٧، كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٦٠ رقم ١٠٨٠، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر
(٥) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٢٧.
(٦) رواه البخاري ٣/ ٢٧ رقم ١٩٠٩، في الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا »، واللفظ له، ومسلم ٢/ ٧٦٢ رقم ١٠٨١، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
[ ١٢٧ ]
وجه الاستدلال: في هذا الحديث تصريح بأن عدة الثلاثين المأمور بإتمامها في حديث ابن عمر - ﵄ - السابق -حال الغيم- هي من شعبان (١)؛ فتكون رواية فأكملوا عدة شعبان مُبَيِّنَة (٢) لرواية فأكملوا العدة (٣).
الدليل الثالث: عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان، ولا تستقبلوا الشّهر استقبالا، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان» (٤).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث بيان أن اليقين لا يُزيله الشّكّ، ولا يزيله إلّا يقين مثله؛ لأنّه - ﷺ - أمر النّاس ألّا يدّعوا ما هم عليه من يقين شعبان إلّا بيقين رؤية واستكمال العدّة، وأنّ الشّكّ لا يعمل في ذلك شيئا، ولهذا نهى عن صوم يوم الشّكّ؛ اطّراحا لأعمال الشّكّ، وإعلاما أنّ الأحكام لا تجب إلّا بيقين لا شكّ فيه (٥).
الدليل الرابع: عن حُذَيفة بن اليَمَان (٦) - ﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة قبله» (٧).
_________________
(١) ينظر: إرشاد الساري ٣/ ٣٥٧.
(٢) المُبَيِّن: في اللغة: المُوَضِّح. وفي الاصطلاح: يطلق البيان على الدليل الذي أوضح المقصود بالمجمل، وهو المبيِّن. ينظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص ٤٠٦، التوقيف على مهمات التعاريف ص ٨٦، تاج العروس ٣٤/ ٣٠٥.
(٣) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٢٢، عمدة القاري ١٠/ ٢٨٢.
(٤) سبق تخريجه صفحة (١٢٢).
(٥) ينظر: التمهيد ٢/ ٣٩.
(٦) هو: حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ العبسي، من كبار الصحابة، وصاحب سر رسول الله - ﷺ -، أسلم هو وأبوه. شهد أحدا والخندق وما بعدهما. استعمله عمر على المدائن، وتوفي بها سنة ٣٦ هـ، روى عنه: جابر، وجندب، وغيرهما. ينظر: معرفة الصحابة ٢/ ٦٨٦، والإصابة ٢/ ٣٩؛ سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٦١.
(٧) رواه أبو داود ٢/ ٢٩٨ رقم ٢٣٢٦، في الصوم، باب إذا أغمي الشهر، والنسائي ٤/ ١٣٥ رقم ٢١٢٦، في الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين. وصححه الألباني في الإرواء ٤/ ٨.
[ ١٢٨ ]
الدليل الخامس: عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: عجبت ممن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» (١).
وفي رواية: «فإن غم عليكم فأتموا شعبان ثلاثين، إلا أن تروا الهلال قبل ذلك، ثم صوموا رمضان ثلاثين إلا أن تروا الهلال قبل ذلك» (٢).
الدليل السادس: وعن عائشة (٣) - ﵂ -؛ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يَتَحَفَّظ (٤) من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره؛ يصوم لرؤية رمضان؛ فإن غم عليه؛ عَدَّ ثلاثين يوما ثم صام» (٥).
وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث نصوص في أنه لا صوم ولا إفطار إلا بالرؤية للهلال أو إكمال العدة (٦).
وبيّن حديث حذيفة - ﵁ - أن العدة التي يجب إكمالها حال الغيم هي عدة شعبان وعدة رمضان على السواء (٧).
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٤٠٥ رقم ١٩٣١، والنسائي ٤/ ١٣٥ رقم ٢١٢٥، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، واللفظ له، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٦/ ٢٣٥ رقم ٨٥٧٦، كتاب الصيام، باب الصوم لرؤية الهلال، وقال الألباني في الإرواء ٤/ ٦: "وهذا سند صحيح".
(٢) رواه النسائي ٤/ ١٣٦ رقم ٢١٢٨، كتاب الصيام، باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، والدارقطني في السنن ٣/ ١٠٦ رقم ٢١٦٥، كتاب الصيام.
(٣) هي: عائشة الصديقة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، كنيت بأم عبد الله، أفقه نساء المسلمين، وكان أكابر الصحابة يراجعونها في أمور الدين، توفيت سنة ٥٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ١٣٥، الطبقات الكبرى ٨/ ٥٨، الإصابة ٨/ ٢٣١.
(٤) يتحفّظ: أي يراعي الهلال ويَحرِس عليه. ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٣٨، ٨٧، مختار الصحاح ص ٧٦.
(٥) رواه أحمد ٤٢/ ٨٢ رقم ٢٥١٦١، واللفظ له، وأبو داوود ٢/ ٢٩٨ رقم ٢٣٢٥، كتاب الصوم، باب إذا أغمي الشهر، والدارقطني في السنن ٣/ ٩٨ رقم ٢١٤٩، كتاب الصيام، وقال: "هذا إسناد حسن صحيح"، وصححه الألباني في الإرواء ٣/ ٧.
(٦) ينظر: سبل السلام ١/ ٥٦٠.
(٧) ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٣/ ١٩٩.
[ ١٢٩ ]
الدليل السابع: عن عمار بن ياسر - ﵁ -؛ قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (١).
وجه الاستدلال: أن حديث عمار - ﵁ - مفسر بالنهي عن صوم يوم الشك، ويوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية غيم هو يوم شك؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان، ولا معنى للشك إلا التردد بين الجهتين (٢).
الدليل الثامن: عن ابن عمر - ﵄ - قال: «لو صمت السنة كلها لأفطرت ذلك اليوم الذي يشك فيه من رمضان» (٣).
الدليل التاسع: وعن عبد الله بن مسعود (٤) - ﵁ -؛ قال: «لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه ما ليس منه» (٥).
الدليل العاشر: وعن حذيفة - ﵁ -: «أنه كان ينهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه» (٦).
_________________
(١) سبق تخريجه صفحة (١٢١).
(٢) ينظر: شرح كتاب الصيام من العمدة لابن تيمية ١/ ٨٨.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٢ رقم ٧٩٥٨، كتاب الصيام، باب النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم يوم أو يومين، وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٢٢ رقم ٩٤٩١، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام.
(٤) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن، من أكابر الصحابة فضلا وعقلا، ومن السابقين إلى الإسلام، شهد المشاهد كلها مع الرسول - ﷺ -، وكان أقرب الناس إليه هديا ودلا وسمتا، بعثه عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، توفي سنة ٣٢ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٣/ ١٥٠؛ الإصابة ٤/ ١٩٨؛ سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١.
(٥) رواه البيهقي في الكبرى ٤/ ٣٥٢ رقم ٧٩٥٩، في الصيام باب النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم يوم أو يومين، واللفظ له، وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٢٢ رقم ٩٤٩٠، كتاب الصيام باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٣١٢ رقم ٩٥٦٤.
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٢ رقم ٧٩٦٠، كتاب الصيام، باب النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم يوم أو يومين، وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٢٣ رقم ٩٤٩٧، كتاب الصيام، باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام.
[ ١٣٠ ]
الدليل الحادي عشر: ولأن الصوم عبادة فلا يجوز الدخول فيها إلا على يقين كسائر العبادات، وبيانه: أن الشرع لما أوجب العبادات المؤقتة نصب لها أسبابا وأعلاما، فدخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، فلو شك فيه لم يجز له فعلها وكذلك الصيام (١).
أدلة القول الثاني: القائلين يجب صيام يوم الغيم على أنه من رمضان.
الدليل الأول: عن ابن عمر - ﵄ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما الشهر تسع وعشرون؛ فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فاقدروا له».
قال نافع: "فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون؛ يبعث من ينظر، فإن رأى؛ فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر؛ أصبح صائما" (٢).
وجه الاستدلال من وجهين:
الأول: أن ابن عمر قد روى عن النبي - ﷺ - قوله: «فاقدروا له»، وفسر ذلك بأن كان يصوم يوم الثلاثين مع إغماء السماء، والصحابي إذا روى عن النبي - ﷺ - لفظا مجملا، وفسره بمعنى؛ وجب الرجوع إلى تفسيره؛ لأنه أعلم باللغة، ولأنه يدري بقرائن الأحوال من النبي - ﷺ - ما يعلم به قصده، ولأنه شهد التنزيل وحضر التأويل وشاهد الرسول - ﷺ -، فيكون أعلم بما ينقله ويرويه (٣).
الثاني: من جهة اللغة؛ فقوله: «فَاقْدُرُوا لَه»؛ بمعنى: ضَيِّقُوا له؛ ومنه قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٤)؛ أي: نضَيِّق، وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٥) أي: يضيق. فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين (٦).
_________________
(١) ينظر: تحقيق الرجحان ص ٩٤، والمغني ٣/ ١٠٨، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١٢٨.
(٢) سبق تخريجه صفحة (١٢٣).
(٣) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٩١.
(٤) سورة الأنبياء: الآية: ٨٧.
(٥) سورة الشورى: آية: ١٢.
(٦) ينظر: شرح كتاب الصيام من العمدة ١/ ٩٢، المصباح المنير ٢/ ٤٩٢.
[ ١٣١ ]
الدليل الثالث: عن عِمْرَان بنُ حُصَيْن (١) - ﵁ - أنّ رسول الله - ﷺ - قال له -أو لآخر-: «أصمت من سَرَر (٢) شعبان؟»، قال: لا، قال: «فإذا أفطرت، فصم يومين» (٣).
وجه الاستدلال: أنه لا وجه لهذا الحديث إلا أن يكون أمر بصوم السرار مع الغيم، فلما لم يصم ذلك الرجل السرار؛ أمره بالقضاء؛ لأنه قد صح عنه - ﷺ - من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه» (٤).
وفي هذا الحديث أمر - ﷺ - بصوم السرر وقضائه، وهو يوم أو يومين، فيحمل النهي عن التقدم على حال الصحو، ويحمل صيام السرر على حال الغيم، توفيقا بين الحديثين (٥).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «لأن أصوم اليوم الّذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من رمضان» (٦).
الدليل الخامس: عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - قال: (يا أيّها النّاس، إنّا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا، وأنا متقدّم بالصّيام، فمن أحب أن يفعله فليفعله) (٧).
_________________
(١) هو: عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنِ بن عُبَيد بن خلف الخزاعي الكعبي، أبو نجيد، من فضلاء الصحابة، أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله - ﷺ - غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان قد اعتزل الفتنة فلم يدخل فيها، توفي بالبصرة سنة ٥٢ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٤/ ٢١٠٨، الإصابة ٤/ ٥٨٤، سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٠٨.
(٢) سَرَر الشهر: آخره، وفيه ثلاث لغات، وسمي آخر الشهر سرا لاستسرار القمر فيه. وقيل أوسطه، وقيل أوله. ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٢١٢، وتاج العروس ١٢/ ٧، والنهاية /٩١٢.
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ٤١ رقم ١٩٨٣، كتاب الصيام، باب الصوم من آخر الشهر، ومسلم ٢/ ٨٢٠ رقم ١١٦١، كتاب الصيام، باب صوم سرر شعبان، واللفظ له.
(٤) أخرجه البخاري ٣/ ٢٨ رقم ١٩١٤، كتاب الصوم، باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم ٢/ ٧٦٢ رقم ١٠٨٢، كتاب الصيام، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين.
(٥) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١١٢.
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٦ رقم ٧٩٧٢، كتاب الصيام، باب من رخص من الصحابة في صوم يوم الشك، وفي معرفة السنن والآثار ٦/ ٢٣٤ رقم ٨٥٧٢، باب الصوم لرؤية الهلال.
(٧) رواه أبو داوود ٢/ ٢٩٩ رقم ٢٣٢٩، كتاب الصوم، باب في التقدم، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٥ رقم ٧٩٧٠، كتاب الصيام، باب الخبر الذي ورد في صوم سرر شعبان، وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢/ ٢٥٨: "إسناده ضعيف".
[ ١٣٢ ]
الدليل السادس: عن يزيد بن خمير، عن الرسول الذي أتى عائشة - ﵂ - في اليوم الذي يشك فيه من رمضان؛ قال: قالت عائشة: «لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان» (١).
الدليل السابع: عن أسماء (٢) - ﵂ -: «أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان» (٣).
وجه الاستدلال: فهذه الآثار من الصحابة - ﵃ - قالوها وفعلوها في أوقات متفرقة، وأكثر هؤلاء مثل أبي هريرة وابن عمر وعائشة - ﵃ - هم الذين رووا أحاديث إكمال العدة وأحاديث النهي عن التقدم، وقد روي عنهم وعن غيرهم النهي عن صوم يوم الشك والأمر بإكمال العدة (٤).
الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أنه لا يصام يوم الغيم على أنه من رمضان؛ وذلك لصحة أدلتهم، وصراحتها في منع صيام يوم الغيم، ولأنه يوم الشك الذي نهي عن صيامه، ولورود الأمر بإتمام شعبان ثلاثين.
أما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي:
أولا: أما قولهم إن صيام ابن عمر - ﵄ - يوم الغيم هو تفسير لقوله - ﷺ -: «فاقدروا له» بمعنى التضييق، فيجاب عنه من وجهين:
_________________
(١) رواه أحمد ٤١/ ٤٢١ رقم ٢٤٩٤٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٥ رقم ٧٩٧١، كتاب الصيام، باب من رخص من الصحابة في صوم يوم الشك، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٤٨: "رجاله رجال الصحيح"، وقال الألباني في الإرواء ٤/ ١١: "سنده صحيح".
(٢) هي: أسماء بنت أبي بكر الصديق، من الفضليات من نساء الصحابة، ووالدة عبد الله بن الزبير. لها في الصحيحين ٥٦ حديثا، توفيت سنة ٧٣ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٤٩، معرفة الصحابة ٦/ ٣٢٥٣، تاريخ الإسلام ٢/ ٧٨٥.
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٦ رقم ٧٩٧٢، كتاب الصيام، باب من رخص من الصحابة في صوم يوم الشك، وفي معرفة السنن والآثار برقم ٨٥٧٢.
(٤) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ١٠٠.
[ ١٣٣ ]
الأول: أن ابن عمر - ﵄ - روى هذا الحديث بلفظ: «فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين» (١)، (فيحمل المُطْلق على المُقيَّد) (٢) (٣).
فيكون معنى: «اقدروا له» عند ابن عمر - ﵄ - أتموه ثلاثين، كما جاءت هذه الرواية الصريحة عنه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله ﵎ جعل الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين» (٤).
فهذه الرواية الصحيحة صريحة في إتمام الثلاثين، وإن كانت السماء مغيمة.
والروايات يفسر بعضها بعضا، والحديث إذا جمعت طرقه تبين المراد منه (٥).
الثاني: وأما صيام ابن عمر - ﵁ - فليس دليلا على أن ذلك اليوم ليس يوم شك؛ بدليل أن ابن عمر - ﵁ - كان يصومه ولا يوجب صيامه. فدل على أنه كان يصومه احتياطا، وهو اجتهاد منه.
قال ابن القيم (٦): "ويدل على ذلك أنه - ﵁ - لو فهم من قوله - ﷺ -: «اقدروا له تسعا وعشرين ثم صوموا» -كما يقوله الموجبون لصومه-، لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم، ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه ولا يأمر به، ولبين أن ذلك هو الواجب على الناس" (٧).
_________________
(١) رواه مسلم ٢/ ٧٥٩ رقم ١٠٨٠، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما.
(٢) المُقيّد: في اللغة: من القَيد وهو الرَبْط. واصطلاحا: هو ما دل لا على شائع في جِنسه، فتدخل فيه المعارف والعمومات كلها. ينظر: تاج العروس ٩/ ٨٦، إرشاد الفحول ٢/ ٦. وتنظر القاعدة في: المحصول للرازي ٣/ ١٤١، روضة الناظر ٢/ ١٠٣، إرشاد الفحول ٢/ ٦.
(٣) ينظر: المجموع ٦/ ٤٠٩.
(٤) سبق تخريجه صفحة (١٢٤).
(٥) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٦) هو: محمد بن أبي بكر بن سعد الزرعي، شمس الدين الدمشقي، من كبار الفقهاء، تتلمذ على: ابن تيمية، ولازمه كثيرا وتأثر به، من تلاميذه: ابن كثير، وابن رجب، والذهبي، من تصانيفه الكثيرة: تهذيب سنن أَبِي دَاوُد؛ وإعلام الموقعين؛ ومدارج السالكين، توفي سنة ٧٥١ هـ. ينظر: المقصد الأرشد ٢/ ٣٨٤، ذيل طبقات الحنابلة ٥/ ١٧٠، الدرر الكامنة ٥/ ١٣٧.
(٧) زاد المعاد ٢/ ٤٤ - ٤٥.
[ ١٣٤ ]
ثانيا: وأما قولهم: إن معنى قوله: «فاقدروا له» بمعنى التضييق، فيجاب عنه: أن معنى الحديث: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يوما.
قال الخطابي (١): "فاقدروا له معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين. يقال: قَدَرْتُ الشيء أَقْدره قَدْرا، بمعنى: قَدَّرْتُه تَقديرا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٢) " (٣).
ثالثا: وأما قولهم: إن صوم السرار يكون مع الغيم، والنهي عن التقدم يكون في الصحو، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: إن العلماء اختلفوا في معنى السرار: فقيل السرار أول الشهر، وقيل أوسطه، وقيل آخره (٤).
الثاني: وعلى التسليم بأن السرار هو آخر الشهر، فيكون الجمع بين الحديثين ممكن وذلك: بأن يحمل النهي عن التقدم على من ليست له عادة بذلك، ويحمل الأمر بصيام السرار على من له عادة (٥).
رابعا: وأما استدلالهم بآثار الصحابة الذين كانوا يصومون يوم الشك فيجاب عنه بما يلي:
أما الرواية عن أبي هريرة - ﵁ -؛ فرواية ضعيفة لا تحفظ إلا من هذا الوجه (٦).
وكذلك أثر معاوية ﵁؛ فإنه ضعيف لا يصح (٧).
وأما الاحتجاج بصيام بعض الصحابة - ﵃ - ممن ثبت صيامهم؛ فلا دلالة فيه على وجوب صيام يوم الشك؛ وذلك لأنهم قالوا: "لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نُفطِر
_________________
(١) هو: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، كان إماما في الفقه والحديث واللغة، من أشهر شيوخه: أبي بكر القفال، وأبي علي بن أبي هريرة، وغيرهما، وعنه: الحاكم، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، من مؤلفاته: معالم السنن، وكتاب غريب الحديث، توفي سنة ٣٨٨ هـ، ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٣ - ٢٨٢، طبقات الشافعيين ص ٣٠٧، طبقات الفقهاء الشافعية ١/ ٤٦٧.
(٢) سورة المرسلات: آية: ٢٣.
(٣) معالم السنن ٢/ ٩٤.
(٤) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٣٥٥، وشرح مسلم للنووي ٨/ ٥٣ - ٥٤.
(٥) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٣٠٨، حاشية ابن القيم على سنن أبي داوود ٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
(٦) ينظر: المجموع ٦/ ٤٣٢.
(٧) ينظر: العلل المتناهية لابن الجوزي ٢/ ٣٨، وطرح التثريب ٤/ ١١١.
[ ١٣٥ ]
يوما من رمضان"، ولو كان هذا اليوم من رمضان حتما عندهم لقالوا: "هذا اليوم من رمضان فلا يجوز لنا فطره" (١).
قال البَيْهَقي (٢): "ومتابعة السُنَّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل المدينة، أَولى بنا، وهو: مَنع صوم يوم الشك" (٣).
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: زاد المعاد ٢/ ٤٦.
(٢) هو: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله، أبو بكر البيهقي النيسابوري، الحافظ الفقيه الشافعي، وهو أول من جمع نصوص الإمام الشافعي، جمعها في عشر مجلدات، وكان من أكثر الناس نصرا لمذهب الشافعي، توفي سنة ٤٥٨ هـ، من تصانيفه الكثيرة: السنن الكبير، والسنن الصغير، وكتاب الخلاف، ومناقب الشافعي. ينظر: طبقات الشافعية ٤/ ٨، تاريخ الإسلام ١٠/ ٩٥، والأعلام ١/ ١١٦.
(٣) السنن الكبرى ٤/ ٣٥٦، وينظر: المجموع ٦/ ٤٠٥.
[ ١٣٦ ]