اختيار الشيخ: اختار ترجيح الإفطار للمسافر مطلقا فقال: "قلت ظاهر الحديث ترجيح الإفطار في السفر مطلقًا كما هو مذهب أحمد" (١).
اختلف الفقهاء في من يطيق الصوم في السفر بلا ضرر، أيهما أفضل له: الصيام أم الفطر؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الصيام أفضل.
وبه قال: الحنفية (٢)، والمالكية في المشهور (٣)، والشافعية (٤).
القول الثاني: الفطر أفضل.
وبه قال: الحنابلة (٥)، وإسحاق (٦)، وابن المَاجِشُون (٧) من المالكية (٨)، وهو اختيار الشيخ عبيد الله المباركفوري.
القول الثالث: الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف.
وقد روي عن: مجاهد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز (٩)، واختاره: ابن المنذر (١٠).
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٧/ ٢٠. ويقصد بظاهر الحديث: حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ص (٢١٢).
(٢) الحجة على أهل المدينة ١/ ٣٧٨، المبسوط ٣/ ٩٢، بدائع الصنائع ٢/ ٩٦، رد المحتار ٢/ ٤٢٣.
(٣) المدونة ١/ ٢٧٢، الكافي ١/ ٣٣٧، الذخيرة ٢/ ٥١٢، التوضيح ٢/ ٤٤٤، مواهب الجليل ٢/ ٤٠١.
(٤) البيان ٣/ ٤٦٩، المجموع ٦/ ٢٦٥، كفاية النبيه ٦/ ٢٨٧، فتح الوهاب ١/ ١٤٢.
(٥) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢١٤، الكافي ١/ ٤٣٥، الفروع ٤/ ٤٤، المبدع ٣/ ١٣.
(٦) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢١٤، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٢، المجموع ٦/ ٢٦٥.
(٧) هو: عبد الملك بن عبد العزيز ابن المَاجِشُون التيمي مولاهم، أبو مروان المدني الفقيه، مفتي المدينة، تفقه على: الإمام مالك، وعلى أبيه، وتفقه عليه: سحْنون، وابن حَبِيب، توفي سنة ٢١٣ هـ، وقيل غيرها. ينظر: ترتيب المدارك ٣/ ١٣٦، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٥٩، الديباج ٢/ ٦.
(٨) المنتقى ٢/ ٤٨، الذخيرة ٢/ ٥١٢، التوضيح لخليل ٢/ ٤٤٤، مواهب الجليل ٢/ ٤٠١.
(٩) الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٢، والمجموع ٦/ ٢٦٦، والمغني ٣/ ١٥٨.
(١٠) الإقناع ١/ ١٩، والإشراف ٣/ ١٤٢.
[ ٢٠٧ ]
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض المنقول، ومعارضة المنقول بعضه لبعض" (١).
أدلة القول الأول: القائلين بأن الصيام أفضل.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
وجه الاستدلال: فقد دلت الآيات على أن الصوم (عزيمة) (٣)، والإفطار رخصة، ولا شك في أن العزيمة أفضل، كما تقرر في الأصول (٤).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
وجه الاستدلال: عموم الآية يدل على أن الصيام أفضل.
الدليل الثالث: عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «كنا مع النبي - ﷺ - في رمضان في يوم شديد الحر، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله - ﷺ -، وعبد الله بن رواحة» (٦).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - قد صام هذا اليوم وهو مسافر، وفعله - ﷺ - هو الأفضل (٧).
_________________
(١) بداية المجتهد ٢/ ٥٨، وينظر: التنبيه لابن بشير ٢/ ٧٢٧، ومناهج التحصيل ٢/ ٨٠.
(٢) سورة البقرة: آية: ١٨٣ - ١٨٥.
(٣) العزيمة: في اللغة: من العزم وهو الأمر الجازم الذي لا تردد فيه. ينظر النهاية ٣/ ٤٦٠. وفي الشرع: عبارة عن ما لزم المكلفين من حقوق الله تعالى بأسبابها من العبادات، والحل والحرمة، أصلًا؛ بحق أنه إلهنا ونحن عبيده. ينظر: تقويم الأدلة ص ٨١، والمستصفى ص ٧٨.
(٤) ينظر: المبسوط ٣/ ٩٢، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٤٣، وبداية المجتهد ٢/ ٥٨، وكفاية النبيه ٦/ ٢٨٧، وتقويم الأدلة ص ٨١.
(٥) سورة البقرة: آية: ١٨٤.
(٦) سبق تخريجه صفحة (١٩٧).
(٧) ينظر: التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٣٥.
[ ٢٠٨ ]
ولو كان الفطر عزمة من الله تعالى، لم يتحمل النبي - ﷺ - مشقة الصيام في شدة الحر، وإنما أراد أن يسن لأمته ليقتدوا به (١).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد - ﵁ - قال: سافرنا مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم»، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا»، وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: «ولقد رأيتنا نصوم، مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك، في السفر» (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - بدأ بالصيام فدل على أنه الأفضل، وإنما أفطر - ﷺ - ليقتدي به الصحابة، وأمرهم بذلك بقصد التقوي على لقاء العدو (٣).
الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله - ﵄ -: «أن رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب» (٤).
وفي رواية: فقيل له: «إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر» (٥).
وجه الاستدلال: أن النبي بدأ - ﷺ - بالصوم فلما شكا الناس إليه أفطر، فذلك دليل على أن الصوم هو الأفضل (٦).
_________________
(١) ينظر: شرح البخاري لابن بطال ٤/ ٨٧.
(٢) سبق تخريجه صفحة (٢٠٤).
(٣) ينظر: التنبيه على مبادئ التوجيه ٢/ ٧٢٧ - ٧٢٨.
(٤) سبق تخريجه صفحة (٢٠٠).
(٥) رواه مسلم ٢/ ٧٨٦ رقم ١١١٤ في الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان.
(٦) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩٢.
[ ٢٠٩ ]
الدليل الخامس: عن سَلَمة بن المُحَبِّق الهذلي (١) - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له حُمولة تأوي إلى شبع (٢)، فليصم رمضان حيث أدركه» (٣).
الدليل السادس: ولأن الصوم في رمضان أكثر أجرا؛ لأنه أشد حرمة، بدليل: أن من أفطر في رمضان عليه الكفارة، ولا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان (٤).
الدليل السابع: ولأن صومه مع الناس أسهل من الانفراد في صومه (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن الفطر أفضل.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله ﷾ جعل الفطر مرادا له في السفر إذ هو المقصود باليسر (٧).
الدليل الثاني: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كنا مع النبي - ﷺ - في السفر فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ظلا صاحب الكساء (٨). ومنا من يتقي
_________________
(١) هو: سلمة بن المُحَبِّق (صخر) بن عتبة الهذلي، أبو سنان سكن البصرة، شهد حنينا مع النبي - ﷺ -، وشهد أَيضًا فتح المدائن مع سعد بن أَبي وقاص، روى عنه: قبيصَة بن حُريث، وابنه سنان، والحسن البصري. ينظر: الإصابة ٣/ ١٢٨، معرفة الصحابة ٣/ ١٣٤٤، تهذيب التهذيب ٤/ ١٥٨.
(٢) الحُمولة: هي الأحمال، يعني أنه يكون صاحب أحمال يسافر بها. تأوي إلى شبع: أي إلى مقام يشبع فيه، بأن يكون معه زاد، يريد من لا يلحقه مشقة وعناء فليصم، وإن كان سفره طويلًا. ينظر: النهاية ١/ ٤٤٤، ولسان العرب ١١/ ١٧٩، ومجمع بحار الأنوار ١/ ٥٨٤.
(٣) رواه أبو داود ٢/ ٣١٨ رقم ٢٤١٠، كتاب الصوم، باب من اختار الصيام، وأحمد ٢٥/ ٢٥٢ رقم ١٥٩١١، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: "إسناده ضعيف"، قال المناوي في تخريج أحاديث المصباح ٢/ ١٨١: " في سنده عبد الصمد بن حبيب ضعفه أحمد، وقال البخاري منكر الحديث"، وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢/ ٢٧٨: "إسناد ضعيف".
(٤) ينظر: مواهب الجليل ٢/ ٤٠١، وكفاية النبيه ٦/ ٢٨٧.
(٥) ينظر: مواهب الجليل ٢/ ٤٠١، والمبسوط للسرخسي ٣/ ٩٢.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
(٧) ينظر: شرح عمدة الفقه كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ٢٣٠.
(٨) أي: من يتقي الشمس بما يلبسه من كساء، يعني: لم يكن لهم أخبية، وذلك لما كانوا عليه من القلة. ينظر: عمدة القاري ١٤/ ١٧٤، وفتح الباري ٦/ ٨٤.
[ ٢١٠ ]
الشمس بيده. قال: فسقط الصُوّام، وقام المفطرون فضربوا الأبْنيَة (١)، وسَقَوا الرِّكاب (٢)، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٣).
وجه الاستدلال: أن معنى الحديث: أن أجر المفطرين قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغا ينغمر فيه أجر الصوم، وكأن الأجر كله للمفطر. فيكون المقصود: التشبيه في أن ما قَلّ جدا قد يُجعل كالمعدوم مبالغة (٤).
فإذا كان هذا هو ما للمفطرين من كثرة الأجور، دل على أن الإفطار في السفر أفضل.
الدليل الثالث: عن ابن عباس - ﵄ -: «أنّ رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس» (٥).
وجه الاستدلال: أن الفطر كان آخر الأمرين من النبي - ﷺ -؛ لأنه أفطر في أثناء غزوة الفتح، ثم لم يزل مفطرا، ثم لم يسافر بعدها في رمضان، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - ﷺ -، ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره (٦).
الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا»؟، فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» (٧).
_________________
(١) الأبْنيَة: هي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها الطراف، والخباء، والبناء، والقبة، والمضرب. ينظر: النهاية ١/ ١٥٨، وتاج العروس ٣٧/ ٢١٨.
(٢) الرِّكَاب: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحدة لها من لفظها. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ٦٩، تهذيب اللغة ١٠/ ١٢٣، والنهاية في غريب الحديث ١/ ١٢٧.
(٣) رواه البخاري ٤/ ٣٥ برقم ٢٨٩٠، كتاب الجهاد والسير باب فضل الخدمة في الغزو، ومسلم ٢/ ٧٨٨ برقم ١١١٩، كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل.
(٤) ينظر: إحكام الأحكام ٢/ ٢٢.
(٥) سبق تخريجه صفحة (٢٠٠).
(٦) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٢١٤.
(٧) سبق تخريجه صفحة (٢٠١).
[ ٢١١ ]
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: البر هو العمل الصالح، فقد بين - ﷺ - أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به (١).
الوجه الثاني: ولأنه لمّا كان الصوم في الجملة مظنة المشقة، بيّن - ﷺ - أنه لا بر في الصوم؛ لإفضائه إلى هذا الضرر، وإن كان قد يتخلّف عنه في بعض الصور (٢).
الدليل الخامس: عن حمزة بن عمرو الأسلمي - ﵁ -، أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جُناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (٣).
وجه الاستدلال: أن حمزة ¢ أخبر النبي - ﷺ - أنه به قوة على الصوم، وأنه أيسر عليه من الفطر، فخَيَّره النبي - ﷺ -، وذكر له أن الفطر في السفر رخصة من الله من أخذ بها فحسن، والحسن هو المستحب، وأما من أحب أن يصوم؛ فلا جُناح عليه، ورفع الجُناح إنما يقتضي الإباحة فقط (٤)، وهذه إشارة منه - ﷺ - إلى تفضيل الفطر على الصوم (٥).
الدليل السادس: عن أنس بن مالك الكعبي ¢ أنه أتى النبي - ﷺ - بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي - ﷺ -: «هلم إلى الغداء»، فقال: إني صائم، فقال له النبي - ﷺ -: «إن الله ﷿ وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع» (٦).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - إنما أخبره أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاءً منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم، ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم (٧)؛ فدل ذلك على أفضلية الفطر في السفر.
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٢١٨.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢١٩.
(٣) سبق تخريجه صفحة (١٩٦).
(٤) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٢١٦، المحلى ٤/ ٣٩٢، وسبل السلام ١/ ٥٧٤.
(٥) ينظر: المسالك لابن العربي ٤/ ١٩٠.
(٦) سبق تخريجه صفحة (٢٠١).
(٧) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٢٢٦.
[ ٢١٢ ]
الدليل السابع: ولأن قصر الصلاة في السفر أفضل، فوجب أن يكون الإفطار فيه أفضل (١).
الدليل الثامن: ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخُلق والعجز عن مصالح السفر، أما الفطر فهو بكل حال أعون له على السفر، وسعة الخُلق، وإعانة الرفقاء، وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم (٢).
أدلة القول الثالث: القائلين بأن الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: مقتضى الآية أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام، وإن كان الفطر أيسر أفطر (٤).
قال عمر بن عبد العزيز: «إذا كان يسرا فصوموا، وإذا كان عسرا فأفطروا» (٥).
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كنا نغزوا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن» (٦).
وجه الاستدلال: أن الصحابة الكرام - ﵃ - كانوا يرون أن الأفضل للمسافر الأيسر.
الدليل الثالث: عن أبي سعيد - ﵁ - أيضا قال: «أتى رسول الله - ﷺ - على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله - ﷺ - على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس»،
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٢٣٥، ومفاتيح الغيب ٥/ ٢٤٧.
(٢) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ٢٣٥.
(٣) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
(٤) ينظر: مفاتيح الغيب للرازي ٥/ ٢٤٧.
(٥) تفسير الطبري ٣/ ٤٦٥ برقم ٢٨٦٩، الكشف والبيان ٢/ ٧٢، زاد المسير ١/ ١٤٤.
(٦) سبق تخريجه صفحة (١٩٨).
[ ٢١٣ ]
قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله - ﷺ - فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب» (١).
وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الأيسر هو الأفضل؛ وبيانه: أن النبي - ﷺ - إنما صام وأمر الناس بالفطر في الابتداء؛ لكون الصوم لا يشق عليه، إذ إنه كان راكبا لا يحتاج إلى المشي، وأمرهم بالفطر، إذ كانوا مشاة يشتد عليهم الصوم، ويحتاجون إلى الفطر (٢).
الدليل الرابع: عن ابن عباس - ﵁ - قال: «إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم فمن يسر الله عليه الصيام فليصم، ومن يسر عليه الفطر فليفطر» (٣).
وجه الاستدلال: فهذا ابن عباس - ﵄ - جعل الصيام والفطر على جهة التيسير (٤).
الدليل الخامس: عن عائشة - ﵂ -، قالت: «ما خُيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما؛ كان أبعد الناس منه» (٥).
الدليل السادس: قوله - ﷺ - في وصيته إلى معاذ وأبي موسى (٦) - ﵄ -: «يَسِّرا ولا تُعَسِّرا» (٧).
_________________
(١) رواه أحمد ١٨/ ١٨ رقم ١١٤٢٣، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وأبو يعلى في المسند ٢/ ٣٣٧ رقم ١٠٨٠، وابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٢٢٨ رقم ١٩٦٦، وقال الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٥٦: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(٢) ينظر: صحيح ابن خزيمة ٢/ ٩٧٢.
(٣) سبق تخريجه صفحة (٢٠٤).
(٤) ينظر: التوضيح لابن الملقن ١٣/ ٣٣٥.
(٥) رواه البخاري ٨/ ١٦٠ رقم ٦٧٨٦، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، ومسلم ٤/ ١٨١٣ رقم ٢٣٢٧، كتاب الفضائل، باب مباعدته - ﷺ - للآثام واختياره من المباح أسهله.
(٦) هو: عبد الله بن قيس الأشعري، أبو موسى، من أهل زبيد باليمن، صحابي من الفاتحين الولاة، قدم مكة عند ظهور الإسلام فأسلم، وهاجر إلى الحبشة، واستعمله النبي - ﷺ - على زبيد وعدن، ولي البصرة في عهد عمر بن الخطاب وعثمان، وافتتح أصبهان والأهواز، والكوفة في عهد علي، توفي بالكوفة سنة ٤٤ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٤/ ١٧٤٩، والإصابة ٤/ ١٨١، السير ٢/ ٣٨٠.
(٧) رواه البخاري ٤/ ٦٥ رقم ٣٠٣٨، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه، ومسلم ٣/ ١٣٥٩ رقم ١٧٣٣، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير.
[ ٢١٤ ]
وجه الاستدلال: أن الشرع الحنيف حث على اتباع الأيسر، فقد يكون الصيام في حق البعض هو الأيسر؛ وذلك في من شق عليه القضاء وحده، وقد يكون الفطر أيسر في حق آخرين، ممن يشق عليهم الصوم في السفر. فالقول بفعل الأيسر للمكلف من صوم أو فطر هو المتماشي مع قواعد الشرع.
الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثالث: أن الأفضل منهما الأسهل والأيسر على المكلف؛ لأنه جمع بين الأدلة، وإعمال لها جميعها.
وهو المتماشي مع قواعد الشرع، وقد يظهر جليا في هذه الأزمنة المتأخرة، التي أصبح السفر فيها متيسرا جدا، بل قد لا يشعر المسافر بأي تعب، وقد يجد المشقة في إفطار ذلك اليوم ثم قضائه. بينما نجد البعض الآخر لا يتحمل الصيام في السفر، وقد يسوء خُلقه إذا صام، ويضعف عن القيام بشؤونه، فضلا عن خدمة الآخرين.
فيكون الصوم في حق الأول أفضل، ويكون الفطر في حق الثاني أفضل.
وبهذا نكون قد جمعنا بين النصوص، فتكون النصوص التي دلت على أفضلية الصوم في السفر، محمولة على من كان الصوم في حقه أفضل، وتكون النصوص التي دلت على أفضلية الفطر، محمولة على من كان الفطر في حقه أفضل.
والله أعلم.
[ ٢١٥ ]