اختيار الشيخ: اختار جواز إفطار المسافر بعد أن كان قد شرع في الصيام، فقال: "قلت: والراجح عندي في المسألتين هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه، والله تعالى أعلم" (١).
تحرير محل الخلاف: سبق أن عرفنا أن عامة أهل العلم يجيزون الفطر والصيام للمسافر في شهر رمضان (٢).
واختلفوا في حكم من كان في سفر، وشرع في الصيام ثم بدا له أن يفطر، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز له الفطر.
وبه قال: الحنابلة (٣)، وابن حَبِيب (٤)، ومُطَرّف من المالكية (٥)، وهو الصحيح عند الشافعية (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يجوز له الفطر لكن إن أفطر لا كفارة علي.
وبه قال: الحنفية (٧)، وقول عند المالكية (٨)، ووجه عند الشافعية (٩).
القول الثالث: لا يجوز له الفطر فإن أفطر فعليه الكفارة.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٧/ ١٣. يعني هذه المسألة والتي تليها.
(٢) ص ١٩٤، ٢٢٧. وخالف الظاهرية ص ١٩٤ فأوجبوا الفطر على من سافر في رمضان، وخالف عبيدة السلماني ومن وافقه ص ٢٢٧ فأوجبوا الصيام على من استهل عليه رمضان وهو مقيم ثم سافر.
(٣) المغني ٣/ ١١٨، الفروع ٤/ ٤٤٢، المبدع ٣/ ١٤، الإنصاف ٣/ ٢٨٨.
(٤) هو: عبد الملك بن حَبِيب بن سليمان السُلمي الألبيري القرطبي، أبو مروان العباسي، كان عالم الأندلس ومؤرخها، رأسا في فقه المالكية، سمع من: عبد الملك بن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، وجماعة، توفي سنة ٢٣٨ هـ، من مصنفاته: الواضحة، وتفسير موطأ مالك. ينظر: ترتيب المدارك ٣/ ٣٠، تاريخ العلماء بالأندلس ١/ ٣١٣، الديباج المذهب ص ١٥٤.
(٥) المنتقى للباجي ٢/ ٤٩، مناهج التحصيل ٢/ ٨٦.
(٦) الحاوي الكبير ٣/ ٤٤٨، المهذب ١/ ٣٢٧، الوسيط ٢/ ٥٣٩، المجموع ٦/ ٢٦١.
(٧) المبسوط للسرخسي ٣/ ٩٢، بدائع الصنائع ٢/ ٩٥، درر الحكام ١/ ٢٠٣، رد المحتار ٢/ ٤٣١.
(٨) الرسالة ص ٦١، الكافي ١/ ٣٣٨، المنتقى ٢/ ٥٠، الذخيرة ٢/ ٥١٣.
(٩) المهذب ١/ ٣٢٧، الوسيط ٢/ ٥٣٩، المجموع ٦/ ٢٦١.
[ ٢٣٣ ]
وبه قال: مالك في رواية ابن القاسم (١) (٢)، وهو المشهور من المذهب (٣).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم راجع إلى أمرين:
السبب الأول: هل الصوم في السفر يكون كجزء واحد لا يتجزأ، فلا يصح الإفطار، أو كل جزء منه قائم بنفسه، فيكون السفر مبيحا للفطر في كل وقت (٤).
السبب الثاني: هل فطر النبي - ﷺ - في سفره بعد أن بيت الصيام هو دليل على الإباحة عموما، أو هو دليل على الإباحة للمضطر دون المختار؟ (٥).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز له الفطر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله قد أباح للمسافر الفطر، ولم يفرق بين من كان قد نوى الصيام في سفره ذلك ثم أفطر، وبين من كان قد نوى فطر ذلك اليوم.
الدليل الثاني: عن ابن عباس - ﵄ -: «أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكَديد أفطر، فأفطر الناس» (٧).
الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام؟ فقال: «أولئك العصاة! أولئك العصاة!» (٨).
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العُتَقي، مولى زيد بن الحارث العتقي، من كبار المصريين وفقهائهم، روى عن: الإمام مالك، والليث، وابن الماجشون، وروى عنه: أصبغ، وسحنون، وخرج له البخاري في صحيحه، وعنه رويت أقوال الإمام مالك في المدونة، توفي بمصر سنة ١٩١ هـ. ينظر: الديباج المذهب ١/ ٤٦٥، سير أعلام النبلاء ٩/ ١٢٠، الأعلام ٣٢٣.
(٢) المدونة ١/ ٢٧٢، الكافي ١/ ٣٣٨، الذخيرة ٢/ ٥١٣، المنتقى ٢/ ٥٠.
(٣) نص عليه خليل في التوضيح ٢/ ٤٤٦.
(٤) ينظر: التنبيه على مبادئ التوجيه ٢/ ٧٣٠.
(٥) ينظر: مناهج التحصيل ٢/ ٨٧.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٨٥
(٧) سبق تخريجه صفحة (٢٠٠).
(٨) سبق تخريجه صفحة (٢٠٠).
[ ٢٣٤ ]
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - قد أفطر بعد أن كان متلبسا بالصيام، فدل على جواز ذلك (١).
قال ابن عبد البر (٢): "فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في الصوم، مختارا له في رمضان" (٣).
الدليل الرابع: عن أبي سعيد - ﵁ - قال: أتى رسول الله - ﷺ - على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة، ونبي الله - ﷺ - على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس»، قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله - ﷺ - فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب (٤).
وجه الاستدلال: أن هذا نص صريح في جواز إفطار المسافر بعد أن كان قد نوى الصيام؛ لأن النبي - ﷺ - أفطر بعد أن كان قد شرع في الصيام وأمر الناس بذلك (٥).
الدليل الخامس: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بمر الظهران (٦)، فأُتِي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: «ادنوا فكلا»، فقالا: إنا صائمان. فقال: «اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم (٧)، ادنوا فكلا» (٨).
_________________
(١) ينظر: المنتقى للباجي ٢/ ٥٠.
(٢) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ، أبو عمر، ولد بقرطبة، من أجلة المحدثين والفقهاء، شيخ علماء الأندلس، ومؤرخ أديب، مكثر من التصنيف، وتوفي بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ، من تصانيفه: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ والكافي في الفقه. ينظر: ترتيب المدارك ٨/ ١٢٧، وشجرة النور الزكية ١/ ١٧٦، الأعلام ٩/ ٣١٧، والديباج المذهب ص ٣٥٧.
(٣) التمهيد ٢٢/ ٥٣.
(٤) سبق تخريجه صفحة (٢١٣).
(٥) ينظر: المغني ٣/ ١١٨، نيل الأوطار ٤/ ٢٦٩.
(٦) مَرَّ الظَّهْرَانِ: هو واد بين مكة وعُسْفان، شمال مكة على مسافة اثنين وعشرين كيلا، وفيه عدد من القرئ منهاالجموم وبحرة. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٦٣، المعالم الأثيرة ص ١٨٤.
(٧) قال أبو حاتم: "يريد به: كأني بكما وقد احتجتما إلى الناس من الضعف إلى أن تقولوا: ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمَا، اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمَا". صحيح ابن حبان ٨/ ٣٢٤.
(٨) رواه النسائي ٤/ ١٧٧ رقم ٢٢٦٤، في الصيام، باب ما يكره من الصيام في السفر، وأحمد ١٤/ ١٥٦ رقم ٨٤٣٧. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ١٦٨ رقم ٨٥: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
[ ٢٣٥ ]
وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار (١)؛ لأن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر وعمر - ﵄ - بالفطر بعد أن أخبراه بصومهما.
الدليل السادس: وقياسا على المريض؛ فكما أجزنا للمريض الإفطار بعد تلبسه بالصيام لوجود العذر، فكذلك نجيز للمسافر الفطر بعد تلبسه بالصيام لوجود العذر (٢).
أدلة القول الثاني: القائلين لا يجوز له الفطر لكن إن أفطر لا كفارة عليه.
الدليل الأول: قياسا على الصلاة؛ فكما لا يجوز له أن يترخص بقصر الصلاة إذا دخل فيها بنية الإتمام، فكذا لا يجوز للمسافر الترخص بالفطر إذا دخل فيه بنية الإتمام (٣).
الدليل الثاني: ولأنه أفطر في صوم رمضان، فلزمه القضاء كما لو كان حاضرا (٤).
الدليل الثالث: ولأنه ليس في حديث ابن عباس - ﵁ - الذي فيه إفطار النبي - ﷺ - بالكديد دلالة على أنه - ﷺ - نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرا، ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس (٥).
أدلة القول الثالث: القائلين بأنه لا يجوز له الفطر فإن أفطر فعليه الكفارة.
الدليل الأول: لأن المفطر كانت له السعة في أن يفطر أو يصوم، فإذا صام فليس له أن يخرج منه إلا بعذر من الله، فإن أفطر متعمدا كانت عليه الكفارة (٦).
الدليل الثاني: لأن الله تعالى خير العبد بين الفطر والصوم، فأيهما اختار لزمه أحكامه. ومن أحكام الصوم: الكفارة على الإفساد (٧).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز له الفطر؛ وذلك لصحة أدلتهم، ولأنها نص في محل النزاع ودلالتها على جواز فطر الصائم المسافر بعد أن كان نوى الصيام واضحة، ولضعف ما استدل به أصحاب القولين الآخرين، وبيانه كالتالي:
_________________
(١) ينظر: صحيح ابن خزيمة ٢/ ٩٧٧.
(٢) ينظر: المهذب ١/ ٣٢٧، حاشيتا قليوبي وعميرة ٢/ ٨٢.
(٣) ينظر: المهذب للشيرازي ١/ ٣٢٧.
(٤) ينظر: المغني ٣/ ١١٨.
(٥) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٨٢.
(٦) ينظر: المدونة ١/ ٢٧٢.
(٧) ينظر: الذخيرة ٢/ ٥١٣، والمنتقى للباجي ٢/ ٥٠.
[ ٢٣٦ ]
أولا: أما إيجاب الكفارة عليه: فقد أجاب المالكية أنفسهم على ذلك.
فقال ابن عبد البر: "الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة النظر؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه، وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر. ومن جهة الأثر أيضا" (١).
ثم ذَكَر حديث فطره - ﷺ - وصحابته الكرام في حديث فتح مكة السابق.
وقال الباجي: "ولأن صومه انعقد في حالة أُبيح له تركه، فلم يجب عليه كفّارة؛ كما لو أفطر في قضاء رمضان" (٢).
ثانيا: وأما من منعه من الفطر، فيجاب عنه بما يلي:
أما قياسهم الصيام على الصلاة فيجاب عنه: أن بينهما فرقا، وذلك: أن من دخل في الصلاة تامة فإنه قد التزم الإتمام، فلم يجز له القصر؛ لئلا يذهب ما التزمه لا إلى بدل.
وأما المسافر إذا صام ثم افطر، فلا يترك الصوم إلا إلى بدل وهو القضاء، فجاز له ذلك، مع دوام عذره (٣).
وأما قولهم: إنه ليس في حديث ابن عباس - ﵁ - الذي فيه إفطار النبي - ﷺ - بالكديد دلالة على أنه - ﷺ - نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرا، ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس. فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن سياق الأحاديث ظاهر في أنه - ﷺ - كان أصبح صائما ثم أفطر (٤).
والثاني: على التسليم بأنه - ﷺ - لم ينو ليلا، فماذا يقال في حق الصحابة - ﵃ -، فإنهم أفطروا بعد ما نووا الصيام بلا شك كما سبق (٥). والله أعلم.
_________________
(١) التمهيد ٢٢/ ٥١.
(٢) المنتقى ٢/ ٥٠.
(٣) ينظر: المجموع ٦/ ٢٦١، والحاوي الكبير ٣/ ٤٤٨.
(٤) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٨٢.
(٥) ينظر: المصدر السابق.
[ ٢٣٧ ]