اختيار الشيخ: اختار جواز إفطار المسافر الذي استهل عليه رمضان وهو مقيم، فقال: "والحديث نص في الجواز إذ لا خلاف في أنه - ﷺ - استهل رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة، فأَهلّ عليه شهر رمضان وهو في سفره، أنه إن أفطر فلا إثم عليه (٢).
واختلفوا في من استهل عليه شهر رمضان وهو مقيم، ثم بدا له أن يسافر أثناء الشهر، هل له الفطر أم يلزمه الصيام في سفره؟ على قولين:
القول الأول: يلزمه الصوم في سفره، وليس له الفطر.
وقال به: ابن عباس، وعلي ابن أبي طالب، - ﵄ - (في رواية عنهما)، وعائشة - ﵂ - (٣)، وسُوَيْد بن غَفَلَة (٤)، وعُبَيْدَة السَّلْماني (٥)، وأبو مِجْلَز (٦) (٧).
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٧/ ١١. أي في حديث ابن عباس وسيأتي في أدلة القول الثاني.
(٢) ينظر: مراتب الإجماع ص ٤٠، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٢٣٠، اختلاف الأئمة العلماء ١/ ٢٢٧، بدائع الصنائع ٢/ ٩٤، البيان ٣/ ٤٧١، تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩، المغني ٣/ ١١٦.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة رقم ٩٠٠١، تفسير الطبري ٣/ ٤٤٩، ٤٥١، تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩.
(٤) هو: سُوَيد بن غَفَلة الُجعفي، أبو أمية الكوفي، المخضرم، أسلم في حياة النبي - ﷺ -، ودخل المدينة يوم وفاته، وشهد القادسية واليرموك، روى عن: الخلفاء الأربعة، وغيرهم، وروى عنه: الشعبي، وإبراهيم، وغيرهما، توفي سنة ٨١ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٣/ ١٤٠٣، سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٩، الأعلام ٣/ ١٤٥.
(٥) هو: عبيدة بن عمرو أو قيس، أبو عمرو السَّلْماني المرادي، الفقيه الكوفي، تابعي كبير مخضرم، أسلم باليمن أيام فتح مكة، هاجر إلى المدينة في زمن عمر - ﵁ -، وحضر كثير من الوقائع، روى عن: علي، وابن مسعود، وغيرهما، وروى عنه: إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وغيرهما، توفي سنة ٧٢ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١١/ ١١٧، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٠، الأعلام ٤/ ١٩٩.
(٦) هو: لاَحِق بن حُمَيْد، ويقال: شعبة بن خالد السَّدُوسي، بصري تابعي ثقة، روى عن: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، روى عنه: أنس بن سيرين، وأيوب السختياني، وغيرهما، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: تهذيب التهذيب ١١/ ١٥١، تاريخ الإسلام ٧/ ٣٠٠.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٢، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٥، تفسير الطبري ٣/ ٤٥٠، تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩، المغني ٣/ ١١٧.
[ ٢٢٧ ]
القول الثاني: أن له الفطر في سفره ذلك.
وبه قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وهو قول: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، - ﵃ - (في الرواية الثانية عنهما) (٥)، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه (٦).
وهو قول: جمهور أهل العلم (٧)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم؛ اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨)؛ وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر فالواجب عليه أن يصومه كله. ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده" (٩).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يلزمه الصوم في سفره وليس له الفطر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠).
وجه الاستدلال: أن معنى الآية: من حضر دخول الشهر، وكان مقيما في أوله، وجب عليه صيام كل الشهر، سافر بعد ذلك أو أقام، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر (١١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي ٣/ ٩١، بدائع الصنائع ٢/ ٩٤، تحفة الفقهاء ١/ ٣٥٨.
(٢) الاستذكار ٣/ ٢٩٩، بداية المجتهد ٢/ ٦٠، إكمال المعلم ٤/ ٦٤، تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩.
(٣) الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٦، البيان ٣/ ٤٧٠، المجموع ٦/ ٢٦٣.
(٤) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢٤٦، المغني ٣/ ١١٧، الشرح الكبير ٣/ ١٩، شرح الزركشي ٢/ ٥٦٩.
(٥) تفسير الطبري ٣/ ٤٥١ و٤٥٣.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٩٠١٢، تفسير الطبري ٣/ ٤٥٣، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٦.
(٧) الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٦، بداية المجتهد ٢/ ٦٠، تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩، المغني ٣/ ١١٧.
(٨) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
(٩) بداية المجتهد ٢/ ٦٠.
(١٠) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
(١١) ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩، تفسير ابن عطية ١/ ٢٥٤، تفسير الطبري ٣/ ٤٤٩، تفسير ابن كثير ١/ ٥٠٣، مفاتيح الغيب للرازي ٥/ ٢٥٦، والمغني ٣/ ١١٧.
[ ٢٢٨ ]
الدليل الثاني: عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: «فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم، أقام أو سافر. وإن شهده وهو في سفر، فإن شاء صام وإن شاء أفطر» (١).
الدليل الثالث: عن علي - ﵁ - قال: «إذا أدركه رمضان وهو مقيم، ثم سافر فليصم» (٢).
الدليل الرابع: عن أم ذَرَّة (٣) قالت: أتيت عائشة - ﵂ -، فقالت: «من أين جئت؟»، فقلت: من عند أخي، فقالت: «ما شأنه؟»، قلت: ودعته، يريد أن يرتحل، قالت: «وأقرئيه مني السلام، ومُري به فليُقِم، فلو أدركني وأنا ببعض الطريق، لأَقَمت»، يعني رمضان (٤).
وجه الاستدلال: أن عائشة ﵂ أمرت من استهل عليه شهر رمضان وهو مقيم، بأن لا يسافر؛ لأنه لا يمكنه الترخص بالإفطار.
الدليل الخامس: لأنه لمّا استهل عليه الشهر في الحضر ولزمه صوم الإقامة، وهو: صومُ الشهر كاملا حتما، أراد بسفره هذا إسقاط الصوم عن نفسه، فيُمنَعُ من ذلك، كما مُنِعَ من الفطر في اليوم الذي كان مقيما فيه ثم سافر (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن له الفطر في سفره ذلك.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦).
وجه الاستدلال: أن الله ﷾ قد جعل مطلق السفر سببا لرخصةِ الفطر، والسبب في هذه الرخصة هو المشقة، وهي ثابتة على كل حال، سواء سافر أثناء الشهر أو سافر قبل استهلاله (٧).
_________________
(١) تفسير الطبري ٣/ ٤٤٩.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٢ رقم ٩٠٠١، والطبري في التفسير ٣/ ٤٤٩.
(٣) هي: أم ذَرّة المدنية، مولاة عائشة، روت عن: عائشة، وأم سلمة، وعنها: ابن المنكدر، وعائشة بنت سعد. ينظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٤١٥، تهذيب الكمال ٣٥/ ٣٥٨.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٨٣ رقم ٩٠١٠، والطبري في التفسير ٣/ ٤٥١.
(٥) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٩٤.
(٦) سورة البقرة: آية: ١٨٤.
(٧) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٩٤، وتحفة الفقهاء ١/ ٣٥٨، والمغني ٣/ ١١٧.
[ ٢٢٩ ]
الدليل الثاني: عن ابن عباس - ﵄ - قال: «خرج رسول الله - ﷺ - عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأفطر الناس» (١).
وجه الاستدلال: هذا الحديث نص في جواز فطر المسافر الذي استهل عليه شهر رمضان وهو مقيم وبيانه: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة خلال شهر رمضان، أي بعد أن استهل عليه الشهر وهو مقيم صائم بالمدينة، ومع ذلك فقد أفطر في بعض مراحل سفره (٢).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «غزونا مع رسول الله - ﷺ - لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» (٣).
وجه الاستدلال: أن أبا سعيد الخدري - ﵁ - يخبر أنهم خرجوا للغزو، بعد أن كان قد استهل عليهم شهر رمضان. فمنهم من أفطر في سفره ذلك، ومنهم من صام، ولم يعب بعضهم على بعض. ولا شك أن النبي - ﷺ - قد علم بصنيعهم، ولم ينكر عليهم.
الدليل الرابع: عن ابن عمر - ﵁ -: «أنه خرج في رمضان فأفطر» (٤).
وجه الاستدلال: أن ابن عمر - ﵁ - خرج مسافرا بعد أن استهل عليه شهر رمضان، ومع هذا فقد أفطر.
الدليل الخامس: ولأن صوم الشهر عبادات متفرقة، وإنما يلزمه الأداء باعتبار اليوم الذي كان مقيما في شيء منه دون اليوم الذي كان مسافرا في جميعه، قياسا على الصلوات (٥).
_________________
(١) سبق تخريجه صفحة (٢٠٠).
(٢) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٨١، وشرح البخاري لابن بطال ٤/ ٨٦، والتمهيد ٣/ ٢٩٩، وإرشاد الساري ٣/ ٣٨٤.
(٣) سبق تخريجه صفحة (١٩٨).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٨٢ رقم ٩٠٠٣، ما قالوا: في الرجل يدركه رمضان فيصوم ثم يسافر، وقال الألباني في تصحيح حديث إفطار الصائم ص ٤٢: "إسناد رجاله ثقات".
(٥) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩٢.
[ ٢٣٠ ]
الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الثاني: أنه يجوز إفطار من سافر بعد أن استهل عليه شهر رمضان؛ وذلك لقوة أدلتهم وصراحتها ودلالتها على المطلوب، وحديث ابن عباس - ﵄ - في سفره - ﷺ - أثناء رمضان وفطره، نص في جواز ذلك.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية فيناقش من ثلاثة وجوه:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (عام) (١) يدخل فيه الحاضر والمسافر، وقوله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (خاص) (٢)، "والخاص مقدم على العام" (٣). فثبت أنه وإن سافر بعد شهود الشهر فإنه يحل له الإفطار (٤).
الثاني: أن الله ﷿ قد أمر من شهد الشهر كله أن يصومه، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر أنه شهد الشهر (٥).
الثالث: أن معنى الآية: أن من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر (٦).
ثم إن السُنَّة قد بينت معنى الآية، فإن الرسول - ﷺ - قد بيَّن المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائما حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فعله - ﷺ - في هذه الغزوة -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة؛ لأن الصحابة كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره - ﷺ -.
_________________
(١) العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة. ينظر: إرشاد الفحول ١/ ٢٨٧.
(٢) الخاص هو: اللفظ الدال على مسمى واحد، وقيل هو ما دل على كثرة مخصوصة. والتخصيص هو: إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم، على تقدير عدم المخصص. ينظر: إرشاد الفحول ١/ ٣٥٢، ٣٥٠.
(٣) وهذا نوع من أنواع الترجيح. ينظر: إرشاد الفحول ٢/ ٢٦٨.
(٤) ينظر: مفاتيح الغيب للرازي ٥/ ٢٥٧.
(٥) ينظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٤٦، وشرح البخاري لابن بطال ٤/ ٨٦، والمغني ٣/ ١١٧.
(٦) ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٩٩، وفتح القدير للشوكاني ١/ ٢١٠، والمجموع ٦/ ٢٦٣.
[ ٢٣١ ]
فهذه الأحاديث الواردة في محل النزاع تقطع كل احتمال يتوهمه البعض من الآية وترفع كل لَبْس قد يحوم حول دلالتها على عموم الرخصة، سواء لمن شهد بداية الشهر مقيما أو مسافرا (١).
ثانيا: أما ما نقل عن علي - ﵁ - من القول بوجوب إتمام الشهر صائما، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن الأثر لا يصح عن علي - ﵁ -، كما نقله ابن حجر (٢) عن ابن المنذر (٣).
الثاني: وعلى فرض صحة الأثر: فلعله كان اجتهادا منه، ومعلوم أن النص الثابت عن رسول الله - ﷺ - قولا أو فعلا أقوى من اجتهاد الصحابي مهما كان قدره (٤).
ثالثا: وأما ما نقل عن عائشة - ﵂ -، فيجاب عنه:
أنه لا دلالة فيه؛ لأن عائشة - ﵂ - تقول: «فلو أدركني وأنا ببعض الطريق، لأقمت»، ونحن مسألتنا إذا أدركه وهو مقيم ثم سافر. ولعل أم المؤمنين عائشة - ﵂ - كانت تكره السفر في رمضان مطلقا؛ لما في صومه من عظيم الثواب، وما في قيام ليله من المغفرة والرحمة. فالمسافر وإن رخص له في الفطر، لكنه سيفوته ثواب الصيام في نفس الشهر، وسيفوته قيام ليله المؤدي للمغفرة والرحمة، مما ينبغي الحرص عليه (٥).
والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: رخصة الفطر في سفر رمضان، مجلة الجامعة الإسلامية العدد ٤٩ ص: ٨٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٠٣.
(٢) هو: شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد، أبو الفضل الكناني العسقلاني، ثم المصري، من كبار الشافعية، كان محدثًا فقيهًا مؤرخًا، انتهى إليه معرفة الرجال وعلل الأحاديث، تفقه: بالبلقيني، والعز بن جماعة، من تصانيفه: فتح الباري شرح البخاري، وتهذيب التهذيب، وغيرها. توفي سنة ٨٥٢ هـ. ينظر: طبقات الحفاظ ٥٥٢، شذرات الذهب ١/ ٧٤، الأعلام ١/ ١٧٨.
(٣) ينظر: فتح الباري ٧/ ١١.
(٤) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٢٠٦.
(٥) ينظر: رخصة الفطر في سفر رمضان العدد ٤٩ ص: ٩٠.
[ ٢٣٢ ]