اختيار الشيخ: اختار أن القُبلة تجوز لمن يملك نفسه دون من لا يملك نفسه فقال: "وقد ظهر مما ذكرنا: أنّ أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه، من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث المختلفة" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من قَبَّل وهو صائم، فلم ينزل منه شيء، أنه لا قضاء عليه (٢).
واتفق عامّتهم أن من قَبَّل فأنزل أن عليه القضاء (٣).
ثم اختلفوا في حكمها للصائم الذي لم ينزل منه شيء؛ على خمسة أقوال:
القول الأول: جواز القبلة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
وبه قال: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة في المذهب (٦).
ورواية عند: المالكية (٧).
وروي هذا القول عن: ابن عباس ¢ في رواية. وهو قول: مَكْحُول (٨) (٩).
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٨٤.
(٢) ينظر: الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٢٣٧، الاستذكار ٣/ ٢٩٥، المغني ٣/ ١٢٧.
(٣) الاستذكار ٣/ ٢٩٥، المغني ٣/ ١٢٧، اختلاف الأئمة العلماء ١/ ٢٣٨، طرح التثريب ٤/ ١٣٦. وخالف ابن حزم لأنه يرى أن القبلة مستحبة للصائم مطلقا، سواء صاحبَها أنزال أم لا. ينظر: المحلى ٤/ ٣٣٨.
(٤) المبسوط ٣/ ٥٨، بدائع الصنائع ٢/ ١٠٦، تبيين الحقائق ١/ ٣٢٤، رد المحتار ٢/ ٤١٧.
(٥) الأم ٢/ ١٠٧، الحاوي ٣/ ٤٣٩، نهاية المطلب ٤/ ٤٥، المجموع ٦/ ٣٥٥، طرح التثريب ٤/ ١٣٧.
(٦) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢٤٠ - ١٢٤١، الهداية ص ١٦٠، المحرر ١/ ٢٢٩، الفروع ٥/ ٢٥.
(٧) الاستذكار ٣/ ٢٩٦، التنبيه على مبادئ التوجيه ٢/ ٧١٦، التاج والإكليل ٣/ ٣٣٢.
(٨) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٦، ومصنف عبد الرزاق ٤/ ١٨٤، والإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٦، والتمهيد ٥/ ١١١، والمحلى ٤/ ٣٤٤، وطرح التثريب ٤/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٩) هو: مَكْحُول الشامي الدمشقي، أبو عبد الله الفقيه التابعي، مولى هذيل، عالم أهل الشام وإمامهم، روى عن: ثوبان، وأنس، وغيرهما، وعنه: الزهري، وأبو حنيفة، وخلق، توفي سنة ١١٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١٥٦، تاريخ دمشق ٦٠/ ١٩٧، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٩٢، الأعلام ٧/ ٢٨٤.
[ ٢٦٥ ]
وهو قول: الثوري (١) (٢)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أن القبلة مباحة للصائم، لا تكره له مطلقا.
وقال به: الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، وسَعِيد بن جُبَيْر (٣) (٤).
ورُوِي هذا القول عن: عائشة، وابن عباس -في الرواية الأخرى-، وأبي هريرة - ﵃ - (٥).
القول الثالث: تكره القبلة للصائم مطلقا.
وهو: مشهور مذهب المالكية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧).
وهو قول: عمر، وعلي، وابن عمر - ﵃ -. وقول: عروة بن الزبير (٨)، والنَّخَعي (٩) (١٠).
_________________
(١) هو: سفيان بن سعيد بن مَسْرُوق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، كان رأسا في التقوى، حدث عنه: أولاده؛ وشعبة، وغيرهم. توفي سنة ١٦١ هـ، من مصنفاته: الجامع الكبير، والجامع الصغير في الحديث. ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٢٩، تاريخ بغداد ١٠/ ٢١٩، الأعلام ٣/ ١٠٤.
(٢) الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٧، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤٩٣، سنن الترمذي ٢/ ٩٨.
(٣) هو: سعيد بن جُبَيْر بن هشام الأسدي الوَالِبِيُّ مولاهم، الكوفي من كبار التابعين، أخذ عن: أبيه، وابن عباس، وغيرهما، وعنه: الأعمش، وسليمان الأحول، وخلق، قتله الحجاج صبرا سنة ٩٥ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٢٥٦، سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢١، تهذيب التهذيب ٤/ ١٣.
(٤) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٤، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٦، التمهيد ٥/ ١١٤، المحلى ٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧، طرح التثريب ٤/ ١٣٥.
(٥) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٤، مصنف عبد الرزاق ٤/ ١٨٣، ١٨٥، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٦، التمهيد ٥/ ١١٤، المحلى ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦، طرح التثريب ٤/ ١٣٥.
(٦) المدونة ١/ ٢٦٨، المنتقى ٢/ ٤٦، الذخيرة ٢/ ٥٠٤، مختصر خليل ص ٦١، الفواكه الدواني ١/ ٣١٦.
(٧) الهداية ص ١٦٠، الكافي ١/ ٤٤٩، المغني ٣/ ١٢٨، المحرر ١/ ٢٢٩، المبدع ٣/ ٣٨، الإنصاف ٣/ ٣٢٩.
(٨) هو: عُرْوَة بن الزبير بن العَوَّام القرشي، أمه أسماء بنت أبي بكر، من كبار التابعين، أحد الفقهاء السبعة، أخذ عن: أبيه، وأمه، وخالته عائشة، وعنه خلق كثير، توفي بالمدينة سنة ٩٤ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٥/ ١٧٨، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٢١، تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٤.
(٩) هو: إبراهيم بن يزيد بن قَيْس بن الأَسْوَد النَّخَعِيّ، أبو عمران الكوفي، فقيه أهل العراق، من كبار التابعين، أدرك بعض متأخري الصحابة، أخذ عنه: حماد بن أبي سليمان، وخلق، توفي سنة ١٩٦ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٢٧٠، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠، الأعلام ١/ ٨٠.
(١٠) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٥ - ٣١٦، مصنف عبد الرزاق ٤/ ١٨٦ - ١٨٧، التمهيد ٥/ ١١٠، المحلى ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤، طرح التثريب ٤/ ١٣٦ - ١٣٧.
[ ٢٦٦ ]
القول الرابع: القُبلة تفسد الصوم، وعلى من قَبّل قضاء يوما مكان اليوم الذي قبل فيه.
وهو المشهور عن: ابن مسعود ¢.
وبه قال: أبو قِلابَة، ومَسْرُوق، وعبد الله بن شُبْرُمة (١) (٢).
القول الخامس: استحباب القبلة للصائم.
وبه قال: ابن حزم (٣).
أدلة القول الأول: القائلين بجواز القبلة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ - «أن رسول الله - ﷺ - رَخّص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب، وقال: الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه» (٤).
الدليل الثاني: عن ابن عباس - ﵄ - قال: «رُخِّصَ للشيخ أن يُقَبِّل وهو صائم، ونُهِي الشاب» (٥).
وجه الاستدلال: أن نهيه - ﷺ - للشاب وإذنه للشيخ يدل على أنه لا تباح القُبلة لمن خشي أن تغلبه الشهوة وظن أنه لا يملك نفسه عند التقبيل (٦).
_________________
(١) هو: عبد الله بن شُبْرُمَةَ بن الطفيل بن حسان، أبو شبرمة الضَّبِّيُّ، القاضي فقيه أهل الكوفة. روى عن: أنس، وإبراهيم النخعي، وغيرهما، وروى عنه: ابنه عبد الملك، وشعبة، وابن المبارك، وآخرون، توفي سنة ١٤٤ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٣٥٠، سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٧، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٥٠.
(٢) تنظر أقوالهم في: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٥، مصنف عبد الرزاق ٤/ ١٨٦، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٣٦، التمهيد ٥/ ١١٠، المحلى ٤/ ٣٤٣، طرح التثريب ٤/ ١٣٦، نخب الأفكار ٨/ ٤٨٤.
(٣) المحلى ٤/ ٣٣٨.
(٤) رواه البيهقي ٤/ ٣٩١ رقم ٨٠٨٤، في الصيام، باب كراهية القبلة لمن حركت القبلة شهوته، وفي السنن الصغرى ٢/ ٩٨ رقم ١٣٤٠، باب القبلة للصائم، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ١٤٩: "وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ فإن رجاله كلهم ثقات".
(٥) رواه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٥٩ رقم ١١٠٤٠، وعنه الضياء في المختارة ١٣/ ٨٨ رقم ١٤٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٦٦: "رجاله رجال الصحيح"، ووافقه الألباني كما في السلسلة الصحيحة ٤/ ١٣٩.
(٦) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٥٠.
[ ٢٦٧ ]
وفُهِم من تعليله - ﷺ - أن الحكم دائر مع تحريك الشهوة، والتعبير بالمعنى المذكور، أي: الشيخ والشاب، جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم وأحوال الشباب في قوتها، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم (١).
الدليل الثالث: عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُقَبِّل في شهر الصوم» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث نص في جواز التقبيل للصائم، وإنما قُيِّد بمن يملك نفسه لورود الأحاديث التي فرّقت بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه كما مر، ولأن النبي - ﷺ - كان آمِنًا على نفسه من المواقعة، وما تدعوا إليه القبلة من الشهوة، وغير ذي الشهوة يأخذ حكمه (٣).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن القُبلة مباحة للصائم، لا تكره له مطلقا.
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ -: «أن النبي - ﷺ - كان يُقَبِّلها وهو صائم» (٤).
وعنها أيضا: قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقبِّلني وهو صائم وأنا صائمة» (٥).
وجه الاستدلال: الحديث دليل على إباحة القبلة للصائم، ولا فرق بين أن يكون الصائم شابا أو شيخا؛ لأن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - كانت شابة، فقد مات النبي - ﷺ - عنها وهي ابنت ١٨ سنة، فالتفريق بين الشاب والشيخ لا وجه له (٦).
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقاني للموطأ ٢/ ٢٤٥، وطرح التثريب ٤/ ١٣٧، وإرشاد الساري ٣/ ٣٦٨، والمجموع ٦/ ٣٥٥. تنبيه: لا فرق بين مذهب الذين فرقوا بين من حركت القبلة شهوته وبين من لم تحركها، فأجازوها للثاني دون الأول، وبين من فرق بين الشاب والشيخ، فأجازوها للثاني دون الأول، لأن الغالب من شأن الشيخ انكسار شهوته، بخلاف الشاب، فإن الغالب قوتها، فالتعبير جرى على الأغلب من حاليهما، فلو انعكس الأمر، لانعكس الحكم. فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ينظر: مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٨٤.
(٢) رواه مسلم ٢/ ٧٧٨ رقم ١١٠٦، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.
(٣) ينظر: طرح التثريب ٤/ ١٣٨، والمغني: ٣/ ١٢٨.
(٤) رواه مسلم ٢/ ٧٧٨ رقم ١١٠٦، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.
(٥) رواه أبو داود ٢/ ٣١١ رقم ٢٣٨٤، في الصوم، باب القبلة للصائم، وأحمد ٤٢/ ٢٨٧ رقم ٢٥٤٥٦، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط البخاري"، ووافقه الألباني كما في صحيح أبي داود ٧/ ١٤٦.
(٦) ينظر: المحلى ٤/ ٣٤١، فتح الباري ٤/ ١٥٢، طرح التثريب ٤/ ١٣٨، نيل الأوطار ٤/ ٢٥٠.
[ ٢٦٨ ]
الدليل الثاني: عن عمر بن أبي سَلَمة (١) - ﵁ - أنه سأل رسول الله - ﷺ -: «أيُقَبِّل الصائم؟»، فقال: «سل هذه»؛ لأم سلمة؛ فأخبرته أن النبي - ﷺ - يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أما والله إني لاتقاكم لله وأخشاكم له» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث صريح الدلالة في أن الشاب والشيخ سواء؛ لأن عمر حينئذ كان شابا، ولعله كان أول ما بلغ. وفيه دلالة أيضا على أنه ليس من خصائصه - ﷺ - (٣).
الدليل الثالث: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: هَشِشْت (٤) فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟»، قلت: لا بأس به، قال: «فَفِيمَ (٥)؟» (٦).
وجه الاستدلال: في الحديث الإشارة إلى فقه بديع: "وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القُبلة من دواعي الجماع ومفتاحه. والشرب يفسد
_________________
(١) هو: عمر بن أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد القرشي المخزومي، أبو حفص المدني، الحبشي المولد، ربيب النبي; أمه أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، روى: عن النبي - ﷺ -، وأمه، وعنه: ثابت البناني، وعروة، وعطاء، وغيرهم، استعمله علي - ﵁ - على فارس وعلى البحرين، توفي سنة ٨٣ هـ بالمدينة. ينظر: معرفة الصحابة ٤/ ١٩٣٩، سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٠٦، تهذيب الكمال ٢١/ ٣٧٢.
(٢) رواه مسلم ٢/ ٧٧٩ رقم ١١٠٨، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.
(٣) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٥١، وتحفة الأحوذي ٣/ ٣٥٠.
(٤) هَشِشْت، معناه: ارتحت وخففت لهذا الأمر واستبشرت، والهشاش في الأصل الارتياح والخفة والنشاط. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٢٦٣، وسبل السلام ٢/ ١٥٨، وعون المعبود ٧/ ٩.
(٥) وفي لفظ أبي داود (فمَهْ)، أي: فماذا، للاستفهام، فأبدل الألف هاء للوقف والسكت، أي فلماذا السؤال إذا لم يكن به بأس، ينظر: عون المعبود ٧/ ٩.
(٦) رواه أحمد في المسند ١/ ٢٨٦ رقم ١٣٩، وقال محققه شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، واللفظ له، وأبو داود ٢/ ٣١١ رقم ٢٣٨٥، في الصوم، باب القبلة للصائم، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧/ ١٤٧: "إسناده جيد على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان".
[ ٢٦٩ ]
الصوم كما يفسده الجماع. وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع" (١).
الدليل الرابع: عن عَطاء بن يَسار (٢) أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وَجْدا شديدا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة: «أن رسول الله - ﷺ - يقبل وهو صائم»، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك؛ فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -، الله يحل لرسول الله ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله - ﷺ -، فقال: «ما لهذه المرأة»، فأخبرته أم سلمة، فقال رسول الله - ﷺ -: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك»، فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -، يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله - ﷺ -، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده» (٣).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث من الفقه: أن القُبلة للصائم جائزة في رمضان وغيره، شابا كان أو شيخا؛ أخذا بظاهر الحديث وعمومه؛ لأن النبي - ﷺ - لم يقل للمرأة: هل زوجك شاب أم شيخ؟، ولو ورد الشرع بالفرق بينهما لما سكت عنه رسول الله - ﷺ -؛ لأنه المبيِّن عن الله مراده (٤).
الدليل الخامس: عن عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة زوج النبي - ﷺ -، فدخل عليها زوجها هنالك؛ وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؛ وهو صائم، فقالت له عائشة: «ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها»، فقال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: «نعم» (٥).
_________________
(١) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٥٢، المغني ٣/ ١٢٧، شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٢٤٣.
(٢) هو: عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني القاص، مولى أم المؤمنين ميمونة ﵂، من كبار التابعين وعلمائهم، روى عن: معاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، وعنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وغيرهما، توفي سنة ١٠٣ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ١٧٣، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٨، وتهذيب الكمال ٢٠/ ١٢٥.
(٣) رواه مالك في الموطأ ص/٢٩١، في الصيام باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم، وعنه الشافعي في المسند ٢/ ١١٦ رقم ٦٤٤، في الصيام باب قبلة الرجل امرأته وهو صائم.
(٤) الاستذكار ٣/ ٢٩٤، وينظر: نخب الأفكار للعيني ٨/ ٥١٤.
(٥) سبق تخريجه صفحة (٢٦١).
[ ٢٧٠ ]
وجه الاستدلال: هذا الحديث دليل على أن أم المؤمنين عائشة لا ترى تحريم القبلة والمباشرة للصائم، ولا أنها من خصائص النبي - ﷺ -، ولا أنها تفرق بين الشاب والشيخ في ذلك، بل الكل عندها سواء؛ لأن عبد الله زوج عائشة بنت طلحة كان وقتها شابا (١).
الدليل السادس: عن أبي سعيد ¢ قال: «رخص النبي - ﷺ - في القبلة للصائم، ورخص في الحجامة للصائم» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث دل على إباحة القبلة للصائم مطلقا، ولم يقيدها بذي شهوة ولا بغيره.
الدليل السابع: عن مسروق، سألت عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائما؟ قالت: «كل شيء إلا الجماع» (٣).
وجه الاستدلال: فهذه عائشة - ﵂ - تقول فيما يحرم على الصائم من امرأته وما يحل له منها ما قد ذُكِر، فدل ذلك على أن القبلة كانت مباحة عندها للصائم الذي يأمن على نفسه ومكروهة لغيره، ليس لأنها حرام عليه؛ ولكنه لا يأمن إذا فعلها من أن تغلبه شهوته فيقع فيما يحرم عليه (٤).
الدليل الثامن: «سئل ابن عباس - ﵄ - عن القُبلة للصائم؟، فرخص فيها» (٥).
أدلة القول الثالث: القائلين بأنه تكره القبلة للصائم مطلقا.
الدليل الأول: عن عائشة - ﵂ -؛ «أن رسول الله - ﷺ - كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٦).
وجه الاستدلال: فمعنى كلام أم المؤمنين عائشة - ﵂ -: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثله - ﷺ - في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قبلة
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٢٤٢، وفتح الباري ٤/ ١٥٠، وإرشاد الساري ٥/ ٣٦٨، وينظر: المحلى ٤/ ٣٤٥.
(٢) سبق تخريجه صفحة (٢٤٧).
(٣) سبق تخريجه صفحة (٢٦٢).
(٤) نخب الأفكار للعيني ٨/ ٥١٥.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٤ رقم ٩٤٠١، في الصيام، باب من رخص في القبلة للصائم.
(٦) سبق تخريجه صفحة (٢٦٠).
[ ٢٧١ ]
يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم الانكفاف عنها (١).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُقَبِّل الرجل وهو صائم» (٢).
وجه الاستدلال: الحديث دل على تحريم القبلة للصائم، ولكن لما ثبت عنه - ﷺ - أنه قبل وهو صائم حملنا النهي على الكراهة جمعا بين الأدلة.
الدليل الثالث: عن عبد الله بن ثعلبة (٣) -وكان رسول الله - ﷺ - قد مسح على وجهه وأدرك أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: «كانوا ينهوني عن القبلة، تخوفا أن أتقرب لأكثر منها، ثم إن المسلمين اليوم ينهوني عنها، ويقول قائلهم: إن رسول الله - ﷺ - كان له من الحفظ ما ليس لأحد» (٤).
الدليل الرابع: عن سعيد بن المُسَيِّب (٥): «أن عمر - ﵁ - نهى عن القُبلة للصائم» (٦).
الدليل الخامس: عن ابن عمر - ﵁ - في الذي يقبل وهو صائم: «ألا يُقَبِّل جمرة» (٧).
_________________
(١) ينظر: شرح مسلم للنووي ٧/ ٢١٧، وشرح الزرقاني للموطأ ٢/ ٢٤٤، وعون المعبود ٧/ ٨، وطرح التثريب ٤/ ١٣٨.
(٢) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ٨/ ١٨١ رقم ٨٣٣٧، وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٦٥: " وفيه الحارث بن نبهان قال ابن عدي: له أحاديث حسان، وهو ممن يكتب حديثه، وضعفه الأئمة".
(٣) هو: عبد الله بن ثَعْلَبَةَ بن صُعَيْر العُذْري، أبو محمد المدني الشاعر النسَّابة، له رؤية، حدث عن: أبيه، وعمر بن الخطاب، وجابر، وعنه: الزهري، وأخوه؛ عبد الله، توفي سنة ٨٩ هـ. ينظر: معرفة الصحابة ٣/ ١٦٠٢، سير أعلام النبلاء ٣/ ٥٠٣، تهذيب الكمال ١٤/ ٣٥٣.
(٤) رواه الإمام أحمد ٣٩/ ٧٢ رقم ٢٣٦٦٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٩٥ رقم ٣٤٠١، في الصيام، باب القبلة للصائم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٦٥: "رجاله رجال الصحيح"، وقال محقق المسند الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط البخاري".
(٥) هو: سعيد بن المُسَيِّبِ بن حَزْن بن أبي وهب، أبو محمد القرشي المخزومي، من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان أحفظ الناس لأقضية عمر بن الخطاب وأحكامه حتى سمي راوية عمر، توفي بالمدينة سنة ٩٤ هـ. ينظر: الطبقات الكبرى ٥/ ١١٩، سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧، تهذيب التهذيب ٤/ ٨٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٥ رقم ٩٤١٠، في الصيام، باب من كره القبلة للصائم ولم يرخص فيها.
(٧) المصدر السابق، رقم ٩٤١٣.
[ ٢٧٢ ]
أدلة القول الرابع: القائلين بأن القبلة تفسد الصوم، وعلى من قبل قضاء يوما مكان اليوم الذي قبل فيه.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١).
وجه الاستدلال: أن الله ﷿ منع المباشرة في هذه الآية في نهار رمضان، والقُبلة من المباشرة المنهي عنها (٢).
الدليل الثاني: عن ميمونة مولاة النبي - ﷺ - (٣) قالت: سئل النبي - ﷺ - عن رجل قَبَّل امرأته وهما صائمان، فقال: «قد أفطرا» (٤).
وجه الاستدلال: الحديث نص في فساد صوم من قبل وهو صائم.
الدليل الثالث: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول الله، ما شأني؟، قال: «ألست الذي تُقَبِّل وأنت صائم»؟ فقلت: والذي بعثك بالحق إني لا أُقَبِّل بعد هذا وأنا صائم، فأَقْرَبه، ثم قال: «نعم» (٥).
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ١٨٧.
(٢) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٥٠، ونيل الأوطار ٤/ ٢٥١.
(٣) هي: ميمونة بنت سعد، أو سعيد، كانت تخدم النبيّ - ﷺ -، وروت عنه، روى عنها: زياد، وعثمان ابنا أبي سودة، وهلال بن أبي هلال، وأبو يزيد الضّبي، وغيرهم، روى لها أصحاب السّنن الأربعة. ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٩١٨، الإصابة ٨/ ٣٢٤، تهذيب الكمال ٣٥/ ٣١٣.
(٤) رواه ابن ماجة ١/ ٥٣٨ رقم ١٦٨٦، في الصيام، باب ما جاء في القبلة للصائم، والدارقطني في السنن ٣/ ١٥٢ رقم ٢٢٧٠، في الصيام، باب القبلة للصائم، وقال: "لا يثبت هذا". وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه رقم ١٦٨٦: "ضعيف جدا".
(٥) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٦ رقم ٩٤٢٣، في الصيام باب من كره القبلة للصائم ولم يرخص فيها، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٨٨ رقم ٣٣٥٨، في الصيام باب القبلة للصائم، واللفظ له، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٩٢ رقم ٨٠٩٢، وقال البوصيري في إتحاف المهرة ٣/ ١٠٦ رقم ٢٣٠٣: "رواه إسحاق وأبو بكر بن أبي شيبة والبزار بسند ضعيف".
[ ٢٧٣ ]
وجه الاستدلال: أن إعراض النبي - ﷺ - عن عمر وتعليل ذلك بأنه يُقَبِّل وهو صائم، دليل على أن القُبلة في حال الصيام مما يكرهه رسول الله - ﷺ - وإلا لما كان أعرض عنه، ورؤيا النبي - ﷺ - في المنام حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به.
الدليل الرابع: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -؛ «سئل عن الرجل يُقبِّل وهو صائم قال: يقضي يوما مكانه» (١).
أدلة القول الخامس: القائلين باستحباب القبلة للصائم.
الدليل الأول: قول الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢).
وجه الاستدلال: أن الآية نصت أن المؤمن الحق هو من جعل النبي - ﷺ - أسوته وقدوته في أفعاله وأقواله، ومما ثبت عنه - ﷺ - تقبيله زوجاته في يوم الصيام؛ فكان من السنة فعل ذلك.
الدليل الثاني: عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - قالت: «أهوى إلي (٣) رسول الله - ﷺ - ليُقَبِّلني، فقلت: إني صائمة، فقال: «وأنا صائم»، فقَبَّلني» (٤).
الدليل الثالث: واستدل ابن حزم بالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الثاني القائلين بإباحة القبلة مطلقا، كحديث الأنصاري الذي قبل امرأته، وحديث عمر بن أبي سلمة، وحديث عمر بن الخطاب، وحديث عائشة بنت طلحة.
وجه الاستدلال من تلك الأحاديث: أن فعل النبي - ﷺ - ذلك وإفتاءه من سأله بفعل ذلك دليل على أن القُبلة مستحبة.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ١٨٦ رقم ٧٤٢٦، في الصيام باب القبلة للصائم، وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣١٥ رقم ٩٤٢٥، من كره القبلة للصائم ولم يرخص فيها، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٣١٤ رقم ٩٥٧٢، وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٦٦ رقم ٤٩٦٠: "رجاله ثقات".
(٢) سورة الأحزاب: آية: ٢١.
(٣) أي مالَ إلي ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٢٧٣
(٤) رواه الإمام أحمد ٤١/ ٤٧٧ رقم ٢٥٠٢٢، وقال محققه الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط البخاري"، والنسائي في السنن الكبرى ٣/ ٢٩٣ رقم ٣٠٣٨، في الصيام باب قبلة الصائمين، وابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٢٤٦ رقم ٢٠٠٤، في الصيام، باب الرخصة في قبلة الصائم المرأة الصائمة، وقال محققه الأعظمي: "إسناده صحيح"، وينظر: صحيح أبي داود للألباني ٧/ ١٤٦.
[ ٢٧٤ ]
قال ابن حزم: "وصَحّ أنها -أي القبلة- حسنة مستحبة، سُنَّة من السُنَن، وقُربة إلى الله تعالى، اقتداء بالنبي - ﷺ -، ووقوفا عند فتياه بذلك" (١).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه؛ وذلك أن كثيرا من الأحاديث التي ذُكِرت هي موضع اشتراك في الاحتجاج بها بين أصحاب الأقوال المذكورة، إلا أن التفصيل المذكور في حديث عائشة، وابن عباس - ﵄ -، يقوي دلالتها على أن المقصود ما رآه أصحاب القول الأول من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وكذا التفريق بين الشاب والشيخ.
وتحمل الأحاديث التي فيها النهي -إن صحت- على من لا يملك نفسه، وأما الأحاديث التي فيها جواز التقبيل فتحمل على من ملك إربه والله أعلم.
وأما الجواب عما استدل به الآخرون فيكون بما يلي:
أولا: يجاب عن أدلة المبيحين للقبلة مطلقا، بأن النبي - ﷺ - قد فصل في الحكم، فلا معنى لإبقاء الأحاديث على عمومها بعد تفصيله - ﷺ - والتفصيل المذكور هو ما جاء في أدلة القول الذي ترجح من حديث عائشة وابن عباس - ﵄ -، من إباحة القبلة لمن ملك إربه، وهو ما عُبِّر عنه بالشيخ، ومنع من لم يملك إربه، وهو المُعبَّر عنه بالشاب؛ جريا على الأغلب من حاليهما.
وأيضا: فالأحاديث التي استدلوا بها في إباحة التقبيل للصائم عامة، والأحاديث القاضية بالتفصيل أخص منها، فيبنى العام على الخاص (٢).
ثانيا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث بحديث عائشة - ﵂ - على كراهة التقبيل مطلقا والذي فيه قولها: «وأيكم أملك لإربه»، فيجاب عنه:
أن كلام عائشة - ﵂ - هذا محمول على من تحركت شهوته؛ لأن فيه تَعرُّضا لإفساد العبادة، كما أشعَر به قولها: «كان أملككم لإربه». فحاصل ما أشارت إليه - ﵂ - إباحة القبلة والمباشرة بغير جماع لمن ملك إربه دون من لا يملكه (٣).
_________________
(١) المحلى ٤/ ٣٤١.
(٢) ينظر: نيل الأوطار ٤/ ٢٥١.
(٣) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ٢٤٢.
[ ٢٧٥ ]
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة ¢ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُقبِّل الرجل وهو صائم»، فيجاب عنه:
أن الحديث ضعيف ولا يصلح للاحتجاج به (١).
رابعا: وأما استدلالهم بحديث عبد الله بن ثعلبة ¢؛ فيجاب عنه:
أن سبب نهي الصحابة له عن التقبيل مُبيَّن في نفس الحديث، وهو خشية الوقوع فيما هو أكثر من القبلة، أي مما يفسد الصوم من جماع أو أنزال ونحوهما.
وقد اتفق العلماء على منع القبلة إذا دعت إلى ما يفسد الصوم كما ذُكِر في بداية المسألة.
قال العيني: "فقد بين في هذا الحديث المعنى الذي من أجله كرهها من كرهها للصائم، وأنه إنما هو خوفهم عليه منها أن تجره إلى ما هو أكثر منها. فذلك دليل على أنه إذا ارتفع ذلك المعنى الذي من أجله منعوه منها؛ أنها له مباحة" (٢).
خامسا: وأما استدلالهم بأثر عمر أنه نهى عن القبلة، وعن ابن عمر - ﵄ - في الذي يقبل وهو صائم: «ألا يقبل جمرة»، فيجاب عنه: أن هذا محمول على ما إذا لم يأمن على نفسه (٣).
سادسا: وأما ما استدل به أصحاب القول الرابع من أن القبلة تفسد الصوم:
الأول: أما استدلالهم بالآية، فيجاب عنه:
أن النبي - ﷺ - هو المبين عن الله تعالى وقد أباح القبلة نهارا، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها (٤).
الثاني: وأما استدلالهم بحديث ميمونة فيجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة (٥).
_________________
(١) وسبب ضعفه أن في سنده الحارث بن نبهان، ضعفه الأئمة. ينظر: مجمع الزوائد ٣/ ١٦٦.
(٢) نخب الأفكار ٨/ ٥١٧.
(٣) ينظر: نخب الأفكار ٨/ ٤٨٨.
(٤) ينظر: فتح الباري ٤/ ١٥٠، ونيل الأوطار ٤/ ٢٥١.
(٥) في سنده: أبو يزيد الضبي، وهو ضعيف، ينظر: سنن الدارقطني ٣/ ١٥٢، معرفة السنن والآثار ٦/ ٢٨١. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة ١٠/ ٢٢٦: "باطل".
[ ٢٧٦ ]
الوجه الثاني: وعلى فرض صحته؛ فإنما يُفسَر بأنه - ﷺ - قد أجاب عن صائمَين بأعيانهما، وعَلِمَ - ﷺ - أنهما لا يملكان أنفسهما، فقال ذلك فيهما، أي أنه إذا كانت القبلة منهما، فقد كان معها غيرها مما يضرهما (١).
الوجه الثالث: أن حديث أبي سعيد الخدري ¢ في ترخيصه - ﷺ - في القبلة للصائم ناسخ لهذا الحديث -وإن صح-؛ لأن الرخصة تأتي بعد المنع (٢).
الثالث: وأما استدلالهم برؤية عمر ¢ للنبي - ﷺ - في المنام، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث انفرد به راوي ضعيف فلا تقوم به الحجة (٣).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحة الحديث؛ فإن الشرائع لا تؤخذ من المنامات؛ لا سيما وقد افتى النبي - ﷺ - عمر في اليقظة بإباحة القبلة، وهو في ذلك الوقت أشد وأقوى منه حين رأى هذا المنام، فمن المحال أن ينسخ - ﷺ - تلك الإباحة بعد موته حين كان عمر أسن وأضعف من ذلك الوقت (٤).
الرابع: وأما استدلالهم بأثر ابن مسعود ¢ فيجاب عنه:
أن هذا محمول على ما إذا قبل فأنزل، والتفسير الذي جاء في الأثر هو من بعض الرواة وليس من كلام ابن مسعود (٥).
والدليل: أنه قد ثبت عن ابن مسعود - ﵁ -؛ «أنه كان يباشر امرأته بنصف النهار، وهو صائم» (٦).
سابعا: وأما ما استدل به ابن حزم من استحباب القبلة حتى وإن أفضت إلى الإنزال فيجاب عنه:
بأن القول بالاستحباب فيه شيء من المجازفة، وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - لم يأت في واحد منها بيان استحباب القبلة للصائم.
الأمر الثاني: أن هذا القول لم يقل به أحد من السلف.
_________________
(١) ينظر: شرح معاني الآثار ٢/ ٨٩.
(٢) ينظر: المحلى ٤/ ٣٤٣.
(٣) انفرد به عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف. ينظر: الجوهر النقي ٤/ ٢٣٢، وتقريب التهذيب ١/ ٤١١.
(٤) ينظر الجوهر النقي ٤/ ٢٣٢.
(٥) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٣٩٥، حاشية ابن القيم على سنن أبي داوود ٧/ ١١.
(٦) سبق تخريجه صفحة (٢٦٣).
[ ٢٧٧ ]
الأمر الثالث: أن من مقاصد الصيام ترك الشهوة، ولا شك أن الإنزال هو الغاية من الشهوة، فكيف يقال تستحب القبلة وإن أنزل؟ ! . والنبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - يقول: «قال الله ﷿: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي» (١).
والأصل أن ترك الشهوة من موجبات الصيام كترك الأكل والشرب، إلا أن النصوص استثنت القبلة والمباشرة للصائم، وبقي الجماع وما في معناه من الإنزال داخلا في هذا العموم.
والله أعلم.
_________________
(١) متفق عليه: رواه البخاري ٣/ ٢٦ رقم ١٩٠٤، في الصيام، باب هل يقول إني صائم إذا شُتِم، ومسلم ٢/ ٨٠٧ رقم ١١٥١، في الصيام، باب فضل الصيام، واللفظ له.
[ ٢٧٨ ]