اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور أن من شهد عند القاضي برؤية هلال شوال فردت شهادته، فإنه لا يفطر، فقال: "قلت: يؤيد قول الجمهور ما روي عن عائشة مرفوعا: «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» " (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن من كان مقيما في جماعة، فأَخبَر برؤية هلال شوال، فرُدَّت شهادته، ثم أظهر الفطر أنه يُنكَر عليه (٢).
واختلفوا في من رآه ورُدت شهادته: هل له أن يفطر سِرّا؟، على قولين:
القول الأول: لا يجوز له الفطر سِرّا.
وبه قال: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة في المذهب (٥)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يجوز له الفطر سِرّا.
وبه قال: الشافعية (٦)، والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨).
سبب الخلاف: لاختلافهم في هذه المسألة سببان والله أعلم:
السبب الأول: هل الهلال هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر، ولم يظهر، أو أنه لا يسمى هلالا إلا بالظهور والاشتهار (٩).
السبب الثاني: هل يقاس من رأى هلال شوال وحده، على من رأى هلال رمضان وحده.
_________________
(١) مرعاة المفاتيح ٦/ ٤٢٩. وسيأتي تخريج الحديث ص ١٠٨ من رواية أبي هريرة.
(٢) درر الحكام ١/ ١٩٩، المجموع ٦/ ٢٨٠، مواهب الجليل ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠، الإنصاف ٣/ ٢٧٨.
(٣) الجوهرة النيرة ١/ ١٣٧، درر الحكام ١/ ١٩٩، البناية ٤/ ٣١، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٦٥١.
(٤) البيان والتحصيل ٢/ ٣٥١، المنتقى ٢/ ٣٩، الكافي ١/ ٣٣٥، التاج والإكليل ٣/ ٢٩٢، مواهب الجليل ٢/ ٣٩٠.
(٥) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢٠٣، الهداية ص ١٥٦، المغني ٣/ ١٦٦، الإنصاف ٣/ ٢٧٨.
(٦) الأم ٢/ ١٠٤، الحاوي ٣/ ٤٤٩، المهذب ١/ ٣٣٠، روضة الطالبين ٢/ ٣٧٨.
(٧) شرح الزركشي ٢/ ٦٣٠، المبدع ٣/ ٩، الإنصاف ٣/ ٢٧٨، الإقناع ١/ ٣٠٤.
(٨) المحلى بالآثار ٤/ ٣٧٨.
(٩) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٥/ ١١٦، المبدع في شرح المقنع ٣/ ٩، الإنصاف ٣/ ٢٧٨.
[ ١٠٧ ]
أدلة القول الأول: القائلين لا يجوز له الفطر سِرّا.
الدليل الأول: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» (١).
وجه الاستدلال: ظاهر الحديث أن الصوم والفطر لا يكون إلا مع جماعة المسلمين (٢).
الدليل الثاني: عن أبي قِلابة (٣)، «أن رجلين رأيا الهلال، وهما في سفر فتعجلا حتى قدما المدينة ضُحى، فأخبرا عمر بن الخطاب (٤) - ﵁ - بذلك، فقال عمر لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم، قال: لم؟، قال: لأني كرهت أن يكون الناس صياما، وأنا مفطر، فكرهت الخلاف عليهم، فقال للآخر: فأنت؟، قال: أصبحت مفطرا، قال: لم؟، قال: لأني رأيت الهلال فكرهت أن أصوم، فقال للذي أفطر: لولا هذا - يعني الذي صام - لرددنا شهادتك، ولأوجعنا رأسك، ثم أمر الناس فأفطروا وخرج» (٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٣/ ٧١ رقم ٦٩٧، أبواب الصيام، باب ما جاء في أن الفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، والدارقطني ٣/ ١١٤ رقم ٢١٨١، كتاب الصيام، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٤٠: "إسناده جيد".
(٢) ينظر: شرح الزركشي على الخرقي ٢/ ٦٣٠.
(٣) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو ويقال ابن عامر، أبو قِلابة الجرمي البصري، من أئمة التابعين، كان ثقة كثير الحديث، روى عن: ابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، روى عنه: ثابت البُناني، وقتادة، وأيوب، وخلق سواهم، توفي بالشام سنة ١٠٤ هـ، وقيل بعدها. ينظر: الطبقات ٧/ ١٨٣، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٦٨، تهذيب الكمال ١٤/ ٥٤٢.
(٤) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي، أبو حفص الفاروق، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين، ولد سنة ٤٠ ق هـ، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، بايعه المسلمون خليفة بعد أبي بكر، ففتح الله في عهده الفتوح، ووضع التاريخ الهجري، ودون الدواوين، قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي الصبح سنة ٢٣ هـ. ينظر: الاستيعاب ٣/ ١١٤٤، الإصابة ٤/ ٤٨٤، تذكرة الحفاظ: ١/ ١١.
(٥) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ١٦٤ رقم ٧٣٣٨، كتاب الصيام، باب أصبح الناس صياما وقد رئي الهلال، واللفظ له، والطبري في تهذيب الآثار ٢/ ٧٦١ رقم ١١٢٥، وابن حزم في المحلى ٤/ ٣٧٨. قال ابن كثير في مسند الفاروق ١/ ٢٧١: "وهذا أيضا منقطع".
[ ١٠٨ ]
وجه الاستدلال: إنما أراد عمر - ﵁ - ضربه لإفطاره برؤيته، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه، ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه، ولا توعدَه (١).
الدليل الثالث: عن عائشة - ﵂ - قالت: «إنّما يوم النّحر يوم ينحر النّاس، ويوم الفطر يوم يفطرون» (٢).
وفي رواية: قالت: «إنما النّحر إذا نحر الإمام، وعُظْم النّاس، والفطر إذا أفطر الإمام، وعُظْم النّاس» (٣).
الدليل الرابع: ولأنه يجوز أن يكون غالطا في الرؤية؛ ومخالفةُ عامةِ الناس له يقوي هذا الغلط، والفطر ليس مما يُحتاط له بخلاف الصوم (٤).
الدليل الخامس: ولأنه قول عمر وعائشة - ﵄ - ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما، فكان إجماعا (٥).
الدليل السادس: ولأن ذلك وسيلة لأهل الفسق والبِدَع إلى الفطر قبل الناس بيوم، ثم إذا اطُلِع عليهم ادعوا رؤية الهلال (٦).
أدلة القول الثاني: القائلين يجوز له الفطر سِرّا.
الدليل الأول: عن أبي هريرة - ﵃ - أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم فأكملوا العدد» (٧).
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - علق الحكم بالرؤية، وهذا قد رأى فوجب عليه الفطر (٨).
_________________
(١) ينظر: المغني ٣/ ١٦٧، وشرح الزركشي ٢/ ٦٣٠، وشرح عمدة الفقه كتاب الصيام ١/ ١٥٦.
(٢) رواه أبو يوسف في الآثار ص: ١٧٩ رقم ٨١٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٤٢٢ رقم ٨٢٠٩، كتاب الصيام باب القوم يخطئون في رؤية الهلال، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٤٢: " وهذا سند جيد بما قبله".
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ١٥٧ رقم ٧٣١٠، كتاب الصيام باب الصيام.
(٤) ينظر: شرح عمدة الفقه كتاب الصيام ١/ ١٥٧، وبدائع الصنائع ٢/ ٨١.
(٥) ينظر: المغني ٣/ ١٦٧.
(٦) ينظر: المنتقى للباجي ٢/ ٣٩، بداية المجتهد ٢/ ٤٨.
(٧) سبق تخريجه صفحة (٧٠).
(٨) ينظر: الحاوي الكبير ٣/ ٤٤٩، والبيان للعمراني ٣/ ٤٨٥، وسبل السلام ١/ ٥٥٩، المحلى ٤/ ٣٧٨.
[ ١٠٩ ]
وإنما اشتُرِطَ عليه الأكل سرا، حتى لا يراه أحد؛ لأنه إذا أظهر الفطر عَرَّض نفسه للتُهمَة وعقوبة السلطان (١).
الدليل الثاني: ولأنه قد تَيقَّن أن هذا اليوم من شوال، فحَلَّ له الأكل؛ كما لو قامت البينة (٢).
الدليل الثالث: ولأن يقين نفسه أبلغ من الظن الحاصل بالبَيِّنة (٣).
الدليل الرابع: ولأنه لا يجوز له أن يعتقد الصوم، وهو يعلم أنه عليه حرام؛ لأنه يوم العيد عنده (٤).
الدليل الخامس: ولأن العبد إنما يعامل الله بما يعلمه (٥).
فلا يجوز له أن يترك ما يعتقده، ويقلد غيره.
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يجوز له الفطر سِرّا؛ لقوة ما استدلوا به؛ ولأن حديث أبي هريرة وأثر عائشة - ﵄ - بَيَّنا أن الفطر لا يكون إلا مع جماعة المسلمين، و(سَدّا للذريعة) (٦).
وأما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث صوموا لرؤيته الحديث فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن الخطاب في الحديث ورد بصيغة الجمع، فهو متوجه إلى الأمة بعمومها لا بأفرادها.
الوجه الثاني: أن الصيام والعيد من العبادات التي يراعى فيها الاجتماع كالصلوات المفروضة.
ثانيا: وأما قولهم: إنه يتيقن أنه من شوال، فيجاب عنه:
أن اليقين قد لا يثبت؛ لأنه يحتمل أن يكون الرائي خُيِّل إليه، كما روي أن رجلا في زمن عمر ¢، قال: لقد رأيت الهلال. فقال له: امسح عينك. فمسحها، ثم قال له: تراه؟ قال: لا. قال: لعل شعرة من حاجبك تقوست على عينك، فظننتها هلالا (٧).
_________________
(١) ينظر الحاوي ٣/ ٤٤٩، البيان ٣/ ٤٨٥، حلية العلماء ٣/ ١٥٢، المهذب للشيرازي ١/ ٣٣٠.
(٢) ينظر: البيان للعمراني ٣/ ٤٨٥.
(٣) ينظر: المجموع ٦/ ٢٨٠، وشرح عمدة الفقه كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ١٥٥.
(٤) ينظر: البيان والتحصيل للجد ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢.
(٥) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام لابن تيمية ١/ ١٣٥.
(٦) الذَّرِيعة: هي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويُتوصل بها إلى فعل المحظور. وسَدّها: منع الوسائل المؤدية إلى المفاسد حسما للفساد. ينظر: أصول الفقه الذي لا يسع جهله ص ٢١١. إرشاد الفحول ٢/ ١٩٣.
(٧) ينظر: المغني ٣/ ١٦٧، المبسوط للسرخسي ٣/ ٧٩، والبناية للعيني ٤/ ٢٥.
[ ١١٠ ]
ثالثا: وأما قولهم كما لو قامت البينة، فيجاب عنه:
أنه غير صحيح؛ لأن بقيام البينة يكون اليوم محكوم بأنه من شوال، بخلاف مسألتنا فهو محكوم بأنه من رمضان (١).
رابعا: وأما تعليلهم بأنه يوم يحرم صيامه؛ لأنه يوم العيد عنده، فيجاب عنه:
أن حصول المقصود -إن تيقن الرؤية- يقع بالنية والإمساك عن الفِطر (٢)، وأما التجرؤ على الفطر في يوم يعتقده عموم المسلمين من رمضان، فإنه باب من أبواب المفاسد التي يجب سدها، حتى لا يتجرأ على الفطر أهل الفسوق والعصيان.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: المغني ٣/ ١٦٧.
(٢) ينظر: المنتقى للباجي ٢/ ٣٩.
[ ١١١ ]