اتفق الفقهاء (١) على أنه يلزم للزوجة نفقة الخادم إذا كان الزوج موسرًا، وكانت المرأة ممن تُخدَم في بيت أبيها مثلًا، ولا تخدُم نفسَها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، ولأن كفايتها واجبة عليه، وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
وعلى الزوج أن يعطي الزوجة ما تتنظف به وتزيل الأوساخ التي تؤذيها أو تؤذي بها؛ كالمشط والدهن، وما تغسل به الرأس من السدر وغيره، على عادة البقعة، والرجوع في قدره إلى العادة، ويجب من الدهن ما يعتاد استعماله غالبًا (٣).
ولا يجب على الزوج للخادمة آلات التنظف؛ لأنها لا تتنظف له بخلاف المخدومة، بل اللائق بالخادمة أن تكون شعثة، لئلا تمتد إليها العين، لكن لو كثر الوسخ، وتأذت بالهوامّ (٤) فللعلماء فيها قولان:
القول الأول: يجب على الزوج بذل النفقة بما ينظفها ويزيل الأذى، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (٥)، وهو اختيار الصيدلاني (٦).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٤/ ٢٤)، فتح القدير (٤/ ٣٨٧)، بداية المجتهد (٣/ ٧٧)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (٢/ ٧٣٤)، المهذب (٣/ ١٥٢)، مغني المحتاج (٥/ ١٦١)، المغني (٨/ ٢٠٠)، كشاف القناع (٥/ ٤٦٣)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٥/ ٦٢٠).
(٢) سورة النساء: ١٩.
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٠/ ١٨)، روضة الطالبين (٩/ ٤٩).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٠/ ١٩)، روضة الطالبين (٩/ ٥١).
(٥) انظر: منهاج الطالبين (ص: ٢٦٣)، مغني المحتاج (٥/ ١٦٣)، نهاية المحتاج (٧/ ١٩٨)، الإنصاف (٩/ ٣٥٨).
(٦) قال في نهاية المطلب (١٥/ ٤٤٣): "إذا احتاجت الخادمة إلى إزالة الوسخ عن نفسها، ولو لم تفعل ذلك، لتأذت بالهوامّ والوسخ، ثم تأذت المخدومة بها، فيجب على الزوج أن يكفيَها ذلك، وقد يكون من حاجتها المشط، هكذا ذكره الصيدلاني، وهو حسن متجه".
[ ١٨٣ ]
القول الثاني: لا يلزم الزوج بذل النفقة للخادمة بما يعود بنظافتها، وهو مقتضى (قول الحنفية والمالكية) (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة، ووجه عند الشافعية (٢).
قالوا: إلا إذا كانت الخادمة ليست أمة؛ وإنما تخدم بأجرة، أو كانت عارية فنفقتها وما تحتاج إليه على المؤجر والمعير (٣).
تعليل القول الأول:
قالوا: إن ركوب الدرن والوسخ وتلبد الشعر، ووقوع الهوام، مما يقع وقوعَ الجوع، فيجب أن تُكفَى هذه الجهة، كما يُكفَى الحر والبرد (٤).
تعليل القول الثاني:
١. قالوا: لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف، وهذا غير مراد من الخادم أو الخادمة (٥).
٢. قالوا: وتجب على المؤجر والمعير؛ لأن المكري ليس له إلا الأجرة؛ والمعير لا تسقط عنه النفقة بإعارته (٦).
٣. وقد يعللون بالقياس الأولوي على عدم وجوب نفقة الزوج لعلاج زوجته
_________________
(١) المشهور عند الحنفية والمالكية: لا يجب إخدام المرأة على زوجها إلا إذا كان موسرًا. وقالوا بعدم وجوب العلاج للزوجة. انظر: الهداية (٢/ ٢٨٧)، اللباب (٣/ ٩٥)، روضة المستبين في شرح كتاب التلقين (١/ ٧٦٩)، القوانين الفقهية (ص: ١٤٧).
(٢) انظر: روضة الطالبين (٩/ ٥١)، الفروع (٩/ ٢٩٤)، الإقناع (٤/ ١٣٩).
(٣) انظر: مطالب أولي النهى (٥/ ٦٢١)، كشاف القناع (٥/ ٤٦٤)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢٢٧).
(٤) نهاية المطلب (١٥/ ٤٤٣).
(٥) انظر: المغني (٨/ ٢٠١)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢٢٧).
(٦) انظر: مطالب أولي النهى (٥/ ٦٢١)، كشاف القناع (٥/ ٤٦٤)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢٢٧).
[ ١٨٤ ]
المريضة (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول بوجوب نفقة الزوج على الخادمة لإزالة الوسخ والهوام الذي تتأذى منه الزوجة، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
والقياس على المريضة فيه نظر؛ فإن النفقة في علاج الزوجة أولى وأظهر وجوبًا من النفقة في الكسوة والطعام، لا سيما في مثل هذه الأزمنة وقد غلت أثمان الأدوية والعلاجات.
قال د. وهبة الزحيلي - ﵀ -: "ويظهر لدي أن المداواة لم تكن في الماضي حاجة أساسية، فلا يحتاج الإنسان غالبًا إلى العلاج؛ لأنه يلتزم قواعد الصحة والوقاية، فاجتهاد الفقهاء مبني على عرف قائم في عصرهم، أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم؛ لأن المريض يفضل غالبًا ما يتداوى به على كل شيء، وهل يمكنه تناول الطعام وهو يشكو ويتوجع من الآلام والأوجاع التي تبرح به وتجهده وتهدده بالموت؟ ! لذا فإني أرى وجوب نفقة الدواء على الزوج كغيرها من النفقات الضرورية، ومثل وجوب نفقة الدواء اللازم للولد على الوالد بالإجماع، وهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج بزوجته حال الصحة، ثم يردها إلى أهلها لمعالجتها حال المرض؟ ! " (٣).
* * *