والفرق بين هذه المسألة وسابقتها أن هذه المسألة ذات وليّ واحد.
تحرير المسألة (١):
للمسألة صور:
الصورة الأولى: أن يدَّعي كل واحد من الزوجين علم المرأة بأنه سابق بعقد النكاح ولا بينة.
الصورة الثانية: أن يدَّعي كل واحد من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك مع وجود البينة لكلا الزوجين.
الصورة الثالثة: أن يدَّعي كل واحد من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك مع وجود البينة لأحدهما دون الآخر.
الصورة الرابعة: أن يدَّعي كل واحدٍ من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك، مع عدم وجود البينة.
والمسألة المراد بحثها هي الأخيرة: أن يدَّعي كل واحدٍ من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك، مع عدم وجود البينة.
في المسألة قولان:
القول الأول: لا عبرة بقولهما، ولا يلتفت إليهما، ولا يقبل، ولا تسمع دعواهما، وهو قول المذاهب الأربعة (٢).
القول الثاني: يُحَلَّفَان، وهو وجه عند الشافعية (٣)، واختيار
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٥٦)، اللباب في شرح الكتاب (٤/ ٣٢)، العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٨/ ٧ - ٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، المحيط البرهاني (٣/ ١٥٧ - ١٥٦)، الشرح الكبير للدردير (٢/ ٣٣١)، منح الجليل شرح مختصر خليل (٣/ ٥١٢)، فتح العزيز (٨/ ٨)، روضة الطالبين (٧/ ٩٠)، المغني (٧/ ٤٠٤)، كشاف القناع (٥/ ٦١).
(٣) فتح العزيز (٨/ ٨)، روضة الطالبين (٧/ ٩٠).
[ ٦١ ]
الصيدلاني (١).
دليل الجمهور:
١. قالوا: لأن المرأة لا تصلح ولا تقبل الاشتراك بينهما (٢).
٢. لأن الزوجة الحرة لا تدخل تحت اليد، وليس في يد واحدٍ منهما ما يدعيه الآخر (٣).
دليل القول الثاني:
١. لو لم يحلّفهما القاضي، لتعطل حقاهما (٤).
٢. لعله بالحلف يَظهر الحق" (٥).
وقد عقد الإمام ابن القيم - ﵀ - فصلًا في فوائد اليمين، وقال: "ولليمين فوائد:
منها: تخويف الْمُدَّعَى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الإقرار بالحق. ومنها: القضاء عليه بنكوله عنها، على ما تقدم.
ومنها: انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كلٍّ من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة، باطنًا ولا ظاهرًا؛ فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه: سُمِعَتْ وَقُضِيَ بها.
وكذا لو رُدَّتْ اليمين على المدعي، فنكل، ثم أقام المدعي بينة، سمعت وحكم به.
ومنها: إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدًا واحدًا.
_________________
(١) "قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا ادعى المتزوجان السبق، وكان كل واحد منهما يدعيه، ودار هذا التفاوض بينهما، ولم يعلّقا دعوييهما بالمرأة؛ فالقاضي يحلّفهما صرح بهذا في مجموعه وفرّع عليه" نهاية المطلب (١٢/ ١٣٢)، وقال الإمام الرافعي - ﵀ -: "وعن الصيدلاني: أنهما يُحَلَّفَان" العزيز شرح الوجيز (٨/ ٨)، روضة الطالبين (٧/ ٩٠).
(٢) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ١٦٧)، فتح القدير (٨/ ٢٤٩)
(٣) انظر: نهاية المطلب (١٢/ ١٣٢)، البيان (٩/ ٢٠٥)، العزيز شرح الوجيز (٨/ ٨). وذِكْر الحُرّة هنا جرى على الغالب وإلا فالزوجة لا تدخل تحت يد الزوج من حيث الزوجية مطلقًا. أسنى المطالب (٣/ ١٤٢).
(٤) انظر: نهاية المطلب (١٢/ ١٣٤).
(٥) العزيز شرح الوجيز (٨/ ٨).
[ ٦٢ ]
ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس (١) تدع الديار بلاقع (٢)، فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه، والله أعلم" (٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الأصل في الفروج والأبْضاع التحريم (٤) وعدم استحقاقها حتى يُتيقن الحل، ولا تحلّ إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، والنكاح في مسألتنا مجرد دعوى بلا بينة ولا قرينة، فيبقى الأمر كأن لم يكن؛
_________________
(١) اليمين الغموس: هي اليمين الكاذبة الفاجرة، كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره. سميت غموسًا، لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. انظر: شرح السنة للبغوي (١/ ٨٥)، النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٦)، فيض القدير (٢/ ٥٣٦).
(٢) ورد مرفوعًا «اليمين الغموس الكاذبة تدع الديار بِلَاقِعَ» وورد بلفظ «ليس شيء أُطيع الله فيه أعجل ثوابًا من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقابًا من البغي، وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع». رواه الدولابي في الكنى والأسماء (٣/ ١١٨٥)، الطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٦٣)، والشهاب القضاعي في مسنده (١/ ١٧٦) اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع (٢٥٥). قال البيهقي: "والحديث مشهور بالإرسال"، وقال الألباني: "وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق والشواهد صحيح ثابت" انظر: السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٦٩ - ٦٧٢) رقم (٩٧٨). البَلَاقِع: جَمْعُ بَلْقَع وبَلْقَعَة وهي الأرض القَفْر التي لا شيء بها، يريد أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق. وقيل: هو أن يفرق الله شمله ويغير عليه ما أولاه من نعمه. قال النسفي: "بلاقع: يعني أنها تُخَرِّبُ الديار بالموت والجلاء". انظر: تهذيب اللغة (٣/ ١٩١)، طلبة الطلبة (ص: ٦٧)، النهاية لابن الأثير (١/ ١٥٣)، فيض القدير (٢/ ٥٣٦).
(٣) الطرق الحكمية (ص: ٩٩).
(٤) انظر قاعدة: "الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحل" الرسالة للشافعي (١/ ٣٤٤)، الفروق للقرافي (٣/ ١٣٠)، البحر المحيط (٨/ ١١)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٥٧).
[ ٦٣ ]
"فالأصل بقاء ما كان على ما كان" (١)، وهو عدم عقد النكاح من المدَّعيين، فلا حاجة لليمين؛ لأن نكول أحدهما لا يُثبت حقًا للآخر؛ إذ إنه لا يملك ما يثبت استحقاقه، كما لو ادعى رجلان ملك عينٍ في بيت مال المسلمين ولا بينة، فيمين أحدهما مع نكول الآخر لا يجعل الحالف مستحقًا. والأصل حفظ اليمين، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢) أي: لا تكثروا الحلف بالله، وأقِلّوا من الأيمان (٣).
* * *
_________________
(١) انظر القاعدة: الإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٢٨٦) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص: ٤٨٩)، البحر المحيط (٨/ ١٣).
(٢) سورة: المائدة: ٨٩.
(٣) وهذا أحد معاني الآية، وانظر الخلاف في تفسيرها زاد المسير في علم التفسير (١/ ٥٨١). قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: "في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ما المراد بحفظ اليمين: هل المراد: لا تكثروا الحلف بالله؟ أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا; أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟ الجواب: المراد كلها. القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٤٥٥).
[ ٦٤ ]