الظهار: هو تشبيه الزوج زوجته أو جزءًا شائعًا منها بمحرم عليه تأبيدًا، كقوله: أنت علي كظهر أمي أو نحوه، أو كبطنها أو كفخذها، ونحو ذلك (١).
وهو محرم بالنص والإجماع قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٢).
وعامة أهل العلم على أن كفارة الظهار لا تكون إلا بشرطين: وهما الظهار والعود (٣).
واختلفوا في العود ما هو (٤).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٤/ ١٠٢)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (٤/ ٢٨٧)، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (٤/ ٣١١)، كشاف القناع (٥/ ٣٦٩).
(٢) سورة المجادلة: ٢.
(٣) انظر: الإقناع في مسائل الإجماع (٢/ ٦٣).
(٤) اختلف الفقهاء في بيان معنى العود الموجب لكفارة الظهار على أربعة أقوال: القول الأول: العود: هو العزم على الوطء. وإليه ذهب الحنفية، وهي الرواية الصحيحة المشهورة عند أصحاب مالك وبه قال القاضي وأصحابه. القول الثاني: العود هو الوطء. وإليه ذهب الحنابلة، وحكي ذلك عن الحسن وطاووس والزهري وهو رواية عن مالك لكنها ضعيفة عند أصحابه. القول الثالث: العود: هو أن يمسكها في النكاح زمنًا يمكنه فيه مفارقتها، وإليه ذهب الشافعية. القول الرابع: العود: هو تكرار لفظ الظهار وإعادته. وهو قول الظاهرية. انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، روضة الطالبين (٨/ ٢٧٢)، المغني (٨/ ١٧)، منتهى الإرادات (٤/ ٣٥٨) المحلى (٩/ ١٩٣)، الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٥/ ٩٤).
[ ١٥٢ ]
وذهب الشافعية إلى أن العود: هو أن يمسكها في النكاح زمنًا يمكنه فيه مفارقتها (١).
والظهار إما أن يكون مؤبدًا، مثل أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، ولا يذكر مدة معينة، أو يكون مؤقتًا بمدة معينة كقوله: "أنت عليّ كظهر أمي شهرًا".
واختلف العلماء؛ هل يصح الظهار المؤقت؟ على ثلاثة أوجه، الأول: القول بصحته مؤقتًا عملًا بلفظه، وتغليبًا لشبه اليمين، والثاني: يصح مؤبدًا، تغليبًا لشبه الطلاق. والثالث: أنه لغو (٢).
وعلى القول بصحته مؤقتًا، وانتهى الوقت زال الظهار وحلّت المرأة بلا كفارة، وهو قول الحنفية والشافعية في الأظهر وقول الحنابلة (٣).
أما إذا عاد فقد اختلفوا بم يحصل العود؟ فعلى القول بأنه لا يحصل العود إلا بالوطء في المدة فإذا وطئ فمتى يصير عائدًا؟ (٤).
بمعنى: هل الوطء هنا هو عين العود، أو أنه إذا حصل الوطء، تبيّنا أن العود حصل بالإمساك في لحظةٍ عقيب كلمة الظهار، ولكنا لا نتبين هذا إلا بالوقاع؟ (٥)
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: يصير عائدًا عند الوطء (٦)، وهو الأصح عند الشافعية، ومذهب
_________________
(١) انظر: منهاج الطالبين (ص: ٢٤٦)، مغني المحتاج (٥/ ٣٥).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٥)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (٢/ ٧٦٩)، المغني (٨/ ١٣)، روضة الطالبين (٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٢٣٥)، المغني (٨/ ١٣)، روضة الطالبين (٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٤) وقد تقدم قول الحنفية إن العود: هو العزم على الوطء. انظر: العناية شرح الهداية (٥/ ٦١). والمسألة هنا إذا قلنا: العود هو الوطء.
(٥) انظر: نهاية المطلب (١٤/ ٥٢٢).
(٦) في روضة الطالبين (٨/ ٢٧٤): "فعلى هذا لا يحرم الوطء، لكن إذا غابت الحشفة، لزمه النزع كما سبق في قوله: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا، وذكرنا هناك وجها أنه يحرم الوطء. قال الإمام: ولا شك في جريانه هنا".
[ ١٥٣ ]
الحنابلة (١).
القول الثاني: إذا وطئ، تبين كونه عائدًا من وقت الإمساك عقيب الظهار، وهو وجه عند الشافعية واختيار الصيدلاني (٢).
تعليل القول الأول (٣):
١. لأن العود فعل ضد ما قاله، والإمساك ليس بضد له.
٢. ولأنه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٤)، و(ثُمَّ) للتراخي، والإمساك غير متراخ.
ونوقش:
بأنّه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه، لا يحكم عليه بكونه عائدًا، فقد تأخر كونه عائدًا عن كونه مظاهرًا بذلك القدر من الزمان، وذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة: ثمّ (٥).
٣. ولأن العود إنما هو في مقوله دون قوله، كالعود في الهبة والعدة، والعود لما نهي عنه.
٤. الظهار يمين مكفرة، فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها، وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان، ولا تجب إلا بالوطء.
٥. ولأنها يمين تقتضي ترك الوطء، فلا تجب كفارتها إلا به، كالإيلاء.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (١٤/ ٥٢٢)، العزيز شرح الوجيز (٩/ ٢٧٧)، روضة الطالبين (٨/ ٢٧٤) الإنصاف (٩/ ٢٠٤).
(٢) نفس المراجع. في الوسيط للغزالي (٦/ ٤٢): "قال الصيدلاني إذا جامع نتبين أنه كان عائدًا عقيب اللفظ"، وقال الرافعي: "عن الصيدلاني وغيره: أنه إذا وطئ، تبين كونه عائدًا من وقت الإمساك عقيب الظهار" العزيز شرح الوجيز (٩/ ٢٧٧)، وانظر: المطلب العالي-تحقيق ياسر الشابحي (ص: ٢٣٦).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٨/ ١٧)، نهاية المطلب (١٤/ ٥٢٢).
(٤) سورة المجادلة: ٣.
(٥) انظر: تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٢٩/ ٤٨٣).
[ ١٥٤ ]
٦. قالوا: لم نجعل الإمساك عودًا لجواز أن يكون الإمساك للاستحلال بعد مدة الظهار، فإذا حصل الوطء في المدة، تبين أن الإمساك مصروف إلى الاستمتاع الذي وقع.
تعليل القول الثاني (١):
١. لأن تشبيهها بأمه يقتضي إبانتها وإزالة نكاحها، فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال.
نوقش:
بأنّ الأم لا يحرم إمساكها، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة، فلا يكون إمساك الزوجة نقضًا لقوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك (٢).
وأجيب:
بأنّ الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها، فقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية، أو في الاستمتاع بها، فوجب حمله على الكل، فقوله: أنت علي كظهر أمي، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية، فكان هذا الإمساك مناقضًا لمقتضى قوله: أنت عليَّ كظهر أمي، فوجب الحكم عليه بكونه عائدًا (٣).
٢. لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة (٤).
نوقش:
_________________
(١) انظر: الأم (٥/ ٢٩٦)، المغني لابن قدامة (٨/ ١٧)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١٠/ ٣٤٨) تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٢٩/ ٤٨٣).
(٢) انظر: تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٢٩/ ٤٨٣).
(٣) انظر: تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٢٩/ ٤٨٣).
(٤) انظر: تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (٢٩/ ٤٨٣)، تفسير القرطبي (١٧/ ٢٨٠).
[ ١٥٥ ]
بأنه ينتقض بثلاثة أمور (١):
الأول: أنه قال: (ثم) وهذا بظاهره يقتضي التراخي.
الثاني: أن قوله تعالى: (ثم يعودون) يقتضي وجود فعل من جهة، ومرور الزمان ليس بفعل منه.
الثالث: أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء.
الترجيح:
الراجح -والله تعالى أعلم- هو ما رجحه الإمام محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - في معنى العود في الآية، فقال: "إن العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء، ومن وطئ بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير.
ويدل لهذا قوله - ﷺ - لما قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٢)، فبين أن العزم على الفعل عمل يؤاخذ به الإنسان" (٣).
* * *