ذكر الفقهاء أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة إلا بشروط (١) منها:
الشرط الأول: ألا يكون تحته زوجة حرة يمكنه أن يستعف بها (٢).
الشرط الثاني: أن لا يقدر على نكاح حرة، لعدم الحرة، أو عدم صداقها (٣).
الشرط الثالث: ألا يجد ثمن شراء أمة (٤).
الشرط الرابع: أن يخشى العنت، وهو الزنا (٥).
الشرط الخامس: أن تكون الأمة مسلمة (٦).
_________________
(١) مع اختلافهم في بعضها.
(٢) قال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: "لا نعلم في هذا خلافًا". المغني (٧/ ١٣٧)، وانظر: فتح القدير للكمال ابن الهمام (٣/ ٢٣٦)، روضة الطالبين (٧/ ١٢٩).
(٣) انظر: المعونة (ص: ٧٩٦)، شرح مختصر خليل للخرشي (٣/ ٢٢٧)، روضة الطالبين (٧/ ١٢٩)، تحفة المحتاج (٧/ ٣١٨)، المغني لابن قدامة (٧/ ١٣٦)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٦٦١).
(٤) انظر: شرح منتهى الإرادات (٢/ ٦٦١)، كشاف القناع (٥/ ٨٥).
(٥) انظر: النوادر والزيادات (٤/ ٥١٨)، الثمر الداني (ص: ٤٥٤)، روضة الطالبين (٧/ ١٢٩)، مغني المحتاج (٤/ ٣٠٤)، المغني لابن قدامة (٧/ ١٣٦)، كشاف القناع (٥/ ٨٥). قال الإمام النووي - ﵀ -: "قال الإمام الجويني: ليس المراد بالخوف أن يغلب على ظنه الوقوع في الزنا، بل أن يتوقعه لا على الندور. وليس المراد بغير الخائف أن يعلم اجتنابه، بل غلبة الظن بالتقوى، والاجتناب ينافي الخوف، فمن غلبت عليه شهوته، وضعف تقواه، فهو خائف. ومن ضعفت شهوته، وهو يستبعد الزنا لدين أو مروءة أو حياء، فهو غير خائف. وإن غلبت شهوته، وقوي تقواه، ففيه احتمالان للإمام. أصحهما: لا يجوز نكاح الأمة، وبه قطع الغزالي، لأنه لا يخاف الوقوع في الزنا. والثاني: إن كان ترك الوقاع يجر ضررًا أو مرضًا، فله نكاح الأمة" روضة الطالبين (٧/ ١٣١).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٧/ ١٣٥)
[ ٩٨ ]
فإذا حصلت هذه الشروط جاز للحر المسلم أن يتزوج الأمة بالإجماع (١).
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢).
والمسألة المراد بحثها: في حكم نكاح الأمة فيما لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ وثقلت عليه المِنّة.
القول الأول: لا تحل له الأمة، وهو قول الشافعية، ووجه عند الحنابلة (٣)، واختاره الصيدلاني (٤).
_________________
(١) انظر: مراتب الإجماع (ص: ٦٤)، المغني لابن قدامة (٧/ ١٣٥)، الإقناع في مسائل الإجماع (٢/ ١٢).
(٢) سورة النساء: ٢٥. "قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ «الطول»: الغنى والسعة في قول الجماعة. و«المحصنات»: الحرائِر، قال الزجاج: والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرّة، يقال: قد طال فلان طَولًا على فلان، أي: كان له فضل عليه في القدرة. والمراد بالفتيات هاهنا: المملوكات، يقال للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وقد سُمّي بهذا الاسم من ليس بمملوك. فأما ذِكر الايمان، فشرْط في إِباحتهن، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية، هذا قول الجمهور، لمفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال أبو حنيفة: يجوز; لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عُرف في أصوله - ﵀ -. انظر: زاد المسير في علم التفسير (١/ ٣٩٣)، أضواء البيان (١/ ٢٣٣ - ٢٣٨).
(٣) انظر: روضة الطالبين (٧/ ١٣٠)، أسنى المطالب (٣/ ١٥٨)، الفروع (٨/ ٢٥٥)، الإنصاف (٨/ ١٤١).
(٤) في نهاية المطلب (١٢/ ٢٥٩): "لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ فلو ثقلت عليه المِنّة، فهل له أن ينكح أمة؟ فيه اختلاف مشهور بين الأصحاب: فمنهم من لم يوجب عليه تقلّد المِنّة، وأباح له نكاح الأمة. ومنهم من لم يبح له نكاح الأمة، وهذا هو الذي اختاره الصيدلاني"، وانظر: الوسيط (٥/ ١١٩)، المطلب العالي-تحقيق يوسف العمري (ص: ٢٥١).
[ ٩٩ ]
القول الثاني: يجوز له نكاح الأمة، وهو قول الحنابلة ووجه عند الشافعية (١).
دليل القول الأول:
١. قالوا: لما يترتب على ذلك من ضرر المنة (٢).
٢. القياس على ما إذ وجد الماء بثمن بخس لا يتيمم (٣).
أدلة القول الثاني:
قالوا: لأن المنة فيه قليلة؛ إذ العادة المسامحة في المهور (٤).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم-القول الثاني:
١. لما عللوه.
٢. ولأنه عند التأمل في علة النهي عن نكاح الأمة نجد أن المفسدة المترتبة على نكاح من رضيت بمهر دون مثلها أهون بكثير من مفسدة نكاح الأمة؛ وذلك:
ا. لأن من نكح أمةً يلحقه من العار أكثر مما يلحقه لو نكح حرة بدون مهر مثلها، هذا مع التسليم بأن فيه عارًا، وإلا فالأصل عدمه؛ إذ من المحتمل أن ييسَّر مهره رغبة فيه.
ب. لأن المنة هنا علة غير مؤثرة في الحكم الشرعي على التحقيق؛ إذ لو أعملناها لأغلقنا كثيرًا من الأنكحة التي تفاوتت فيه الكفاءة بين الزوجين في (العلم أو العقل أو المال أو الغنى أو الجمال أو الحسب والشرف)، مع رضا جميع الأطراف.
ج. ولأنه إذا نكح أمة صار أولاده أرقَّاء، وإذا نكح حرة صار أولاده أحرارًا، ولهذا قال الإمام أحمد - ﵀ -: "إذا تَزوَّج الحرُّ أمةً رَقَّ نصفُهُ"، يعني صار رقيقًا؛ لأن عياله من هذه الأَمَة يكونون مماليك لسيدها (٥).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (١٢/ ٢٥٩)، المغني (٧/ ١٣٧)، الإنصاف (٨/ ١٤١) منتهى الإرادات (٤/ ٩٤).
(٢) انظر: المغني (٧/ ١٣٧).
(٣) انظر: أسنى المطالب (٣/ ١٥٨).
(٤) انظر: روضة الطالبين (٧/ ١٣٠)، أسنى المطالب (٣/ ١٥٨).
(٥) انظر: المغني (٧/ ١٣٧)، الشرح الممتع على زاد المستقنع (١٢/ ١٥٠).
[ ١٠٠ ]
فحينئذٍ نرتكب أهون المفسدتين-إن سلمنا أنها مفسدة- (١).
* * *
_________________
(١) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٩٣)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٧٦).
[ ١٠١ ]