تمهيد:
١. اتفق الفقهاء على أنه يجوز لإحدى زوجات الرجل أن تتنازل عن قَسْمها، أو تهب حقها من القَسْم لزوجها أو لبعض ضرائرها أو لهن جميعًا، وذلك برضا الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه؛ لأنها لا تملك إسقاط حقه في الاستمتاع بها، فإذا رضيت هي والزوج جاز؛ لأن الحق في ذلك لهما لا يخرج عنهما، فإن أبت الموهوبة قبول الهبة لم يكن لها ذلك؛ لأن حق الزوج في الاستمتاع بها ثابت في كل وقت، وإنما منعته المزاحمة بحق صاحبتها، فإن زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه في الاستمتاع بها وإن كرهت كما لو كانت منفردة (١)، وقد ثبت أن سودة بنت زمعة ﵂ وهبت يومها لعائشة ﵂، فكان رسول الله - ﷺ - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة (٢).
٢. يعلِّق الشافعية على هذه الهبة بقولهم: "وهذه الهبة ليست على قواعد الهبات، ولهذا لا يشترط رضا الموهوب لها، بل يكفي رضا الزوج؛ لأن الحق مشترك بينه وبين الواهبة، إذ ليس لنا هبة يقبل فيها غير الموهوب له مع تأهله للقبول إلا هذه" (٣).
٣. إذا أسقطت الزوجة حقها من القَسْم إما أن تهبه لضرة معينة، أو تهبه لجميع
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٢/ ٣٣٣)، فتح القدير (٣/ ٤٣٦)، مواهب الجليل (٤/ ١٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (٢/ ٥٠٩)، الحاوي الكبير (٩/ ٥٧١)، روضة الطالبين (٧/ ٣٥٩)، المغني (٧/ ٣١١)، كشاف القناع (٥/ ٢٠٥)، وانظر المسائل المتفرعة في الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٣/ ٢٠٢) وما بعدها.
(٢) قالت عائشة - ﵂ -: فلما كبرت- يعني سودة-، جعَلت يومها من رسول الله - ﷺ - لعائشة، قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة، «فكان رسول الله - ﷺ -، يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة» رواه البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات. (٢٦٨٨) ومسلم في صحيحه في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (١٤٦٣)، وفي رواية للبخاري "غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة" ..
(٣) انظر: أسنى المطالب (٣/ ٢٣٥)، تحفة المحتاج (٧/ ٤٥٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢٤).
[ ١٢١ ]
الضرَّات، أو تسقط حقها مطلقًا، أو تهبه لزوجها وهو يخصص ليلتها لمن شاء.
مسألتنا هي الأخيرة:
فيما إذا قالت الزوجة لزوجها: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء من زوجاتك الأخريات.
النَّوْبَة -بفتح النون وسكون الواو -: أي قسمها من مبيت الزوج (١).
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إن وهبت قسمها للزوج فله جعلها لمن شاء؛ إن أراد جَعَله للجميع، وإن شاء خص بها واحدة منهن، وإن شاء جعل لبعضهن فيها أكثر من بعض، وهو قول بعض متأخري الحنفية وبعض المالكية وجمهور الشافعية وقول الحنابلة (٢).
القول الثاني: ليس للزوج أن يجعل الليلة الموهوبة له حيث شاء من بقية الزوجات، بل يسوي بينهن ولا يخصص، فتجعل الواهبة كالمعدومة، وهو قول بعض المالكية (٣)، ووجه
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٣/ ٥٤٤)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٥٣).
(٢) انظر: فتح القدير (٣/ ٤٣٧)، البحر الرائق (٣/ ٢٣٦)، التبصرة للخمي (٥/ ٢٠٥٥)، تحرير الكلام في مسائل الإلتزام (ص: ٢٩٤ - ٢٩٦)، المهذب (٢/ ٤٨٦)، روضة الطالبين (٧/ ٣٥٩)، المغني (٧/ ٣١٢). قلت: (متأخري الحنفية)، لأني لم أجد - حسب علمي- من نص على المسألة من متقدمي الحنفية، وربما أولُ من نص على المسألة من الحنفية ابن الهمام - ﵀ - في فتح القدير نقلًا عن بعض الفقهاء، وقد صّرح بعده ابن نجيم - ﵀ - في البحر الرائق بأنهم الشافعية، وقال: "قد فرع الشافعية هنا تفاريع لم أر أحدًا من مشايخنا ذكرها، منها أنها إذا وهبت حقها لمعينة ورضي بات عند الموهوب لها ليلتين ، وإن وهبته للجميع جعلها كالمعدومة، ولو وهبته له فخص به واحدة جاز كذا في الروض، ولعل مشايخنا إنما لم يعتبروا هذا التفصيل؛ لأن هذه الهبة إنما هي إسقاط عنه فكان الحق له، سواء وهبت له أو لصاحبتها فله أن يجعل حصة الواهبة لمن شاء"، وانظر: حاشية ابن عابدين (٣/ ٢٠٧).
(٣) واستظهره ابن عرفة ورجحه الحطاب المالكي وقال: "الراجح من المذهب أنها إذا وهبت يومها للزوج، أو أسقطت حقها تصير كالعدم، وليس للزوج أن يخص بيومها واحدة من البواقي والله تعالى أعلم". المختصر الفقهي لابن عرفة (٤/ ٧٥)، تحرير الكلام في مسائل الالتزام (ص: ٢٩٦).
[ ١٢٢ ]
عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة (١)، واختيار الصيدلاني (٢).
أدلة القول الأول:
لأن الحق له فله وضعه حيث شاء (٣).
_________________
(١) انظر: التبصرة للخمي (٥/ ٢٠٥٥)، المختصر الفقهي لابن عرفة (٤/ ٧٥)، مواهب الجليل (٤/ ١٤) نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٨)، روضة الطالبين (٧/ ٣٥٩)، مغني المحتاج (٤/ ٤٢٥)، الفروع (٨/ ٤٠٧). وفي مذهب المالكية خلاف قوي في المعتمد عندهم، وصرح ابن الحاجب بأن قسمها كالعدم، وقال الشيخ خليل بن إسحاق المالكي في التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٤/ ٢٦٤): (وينبغي إذا وهبت للزوج أن تسأل هل أرادت الإسقاط أو تمليك الزوج؟ فإن أرادت الثاني فله أن يخصص بيومها من يشاء). انظر: مراجع المالكية المذكورة في الحاشيتين الأخيرتين.
(٢) في نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٨) "إذا قالت للزوج: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء، فهذا مما اختلف فيه جواب الأئمة واستعمل الصيدلاني في ذلك عبارة حسنةً واقعة، وذلك أنه قال: ليس له أن يقول: أجعلُ هذه الليلة لِواحدة؛ فأبيت عندها ليلتين؛ إذ ليس للزوج أن يعُدّ نفسه كإحداهن، فيثبت له ليلة من الهبة، وحقيقة هذا أنَّ الحق له، والتخصيص للنسوة".
(٣) انظر: أسنى المطالب (٣/ ٢٣٦)، نهاية المحتاج (٦/ ٣٨٩)
[ ١٢٣ ]
تعليل القول الثاني (١):
١. القياس على مسألة هبة أحد الشفعاء حقه المبتاع؛ فنصيب الواهب يرجع لبقية الشركاء.
٢. القياس على مسألة هبة أَحد غرماء المفلس حقه للمفلس؛ فالغرماء يقسمون حصة الواهب؛ فليس للمفلس أن يعطي حصة الواهب لأحد الغرماء.
٣. القياس على هبة أحد أولياء القتيل حقه القاتل.
٤. لأنه يظهر الميل ويورث الغيظ والوحشة.
٥. لأنه ليس للزوج أن يعد نفسه كإحداهن، فيثبت له ليلة من الهبة، وحقيقة هذا أنَّ الحق له، والتخصيص للنسوة.
الترجيح:
الراجح والله أعلم القول الثاني؛ لقوة تعليلهم، والأصل في القسم التسوية، وقد استثنى النص ما إذا وهبت ليلتها لضرةٍ بعينها، وما عدا ذلك يبقى على الأصل في وجوب التسوية في القسم.
* * *
_________________
(١) انظر: المختصر الفقهي لابن عرفة (٤/ ٧٥)، تحرير الكلام في مسائل الالتزام (ص: ٢٩٦)، نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٩)، أسنى المطالب (٣/ ٢٣٦)، الفروع (٨/ ٤٠٧).
[ ١٢٤ ]