التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق: أن بينهما فرقًا؛ وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير: صرفه فيما لا ينبغي (١).
وقال الماوردي: "السرف: هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير: هو الجهل بمواقع الحقوق. وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف يخطئ في الزيادة، والمبذر يخطئ في الجهل" (٢).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس من الإسراف صرف المال إلى وجوه الخيرات (٣)، ومن رشيق كلام بعض المتقدمين: "لا خير في السرف ولا سرف في الخير" (٤).
ويرى بعض الفقهاء أن الإسراف كما يكون في الشر، يكون في الخير، فمن الإسراف
_________________
(١) الكواكب الدراري (٢/ ١٦٩)، فيض القدير (١/ ٥١)، حاشية ابن (٦/ ٧٥٩ - ٧٦٠).
(٢) أدب الدنيا والدين (ص: ١٨٧).
(٣) انظر: نهاية المطلب (٦/ ٤٣٨)، الوسيط في المذهب (٤/ ٣٩)، تفسير القرطبي (٧/ ١١٠)، مفاتيح الغيب (١٣/ ١٦٥).
(٤) نهاية المطلب (٦/ ٤٣٨). وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. وجاء عن بعض الشافعية أنها من قول الحسن بن سهل. وأعدها بعضهم من بلاغات الزمخشري، والذي في الكشاف نسبه إلى مجاهد، ولفظ مجاهد عند غير الزمخشري: "لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله ما كان سرفًا، ولو أنفقت صاعًا في معصية الله كان سرفًا". وقد ناقش هذه المقالة القرطبي في تفسيره. ونسب بعض الشافعية إلى سفيان الثوري أنه قال: الحلال لا يحتمل السرف. انظر: تفسير ابن أبى حاتم (٥/ ١٤٦٥)، جامع البيان - تفسير الطبري (١٩/ ٢٩٩)، الكشاف (٢/ ٦٦١)، تفسير القرطبي (٧/ ١١٠)، مفاتيح الغيب (١٣/ ١٦٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٣)، حاشية إعانة الطالبين (٤/ ٧٠).
[ ٢١٤ ]
عندهم مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال (١).
وهذه المسألة فيما إن عفا المبذِّر عن الدية متفرعة عن مسألة حكم الحجر على السفيه.
وهل عفو السفيه نافذ أو ليس له ذلك؟
والمراد بالمبذّر هنا من كان بالغًا.
والمبذر في الأموال يعدّ سفيهًا عند الفقهاء؛ لأن السفه: تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل (٢).
ولهذا جرى على لسان الفقهاء: أن السفه هو التبذير، والسفيه هو المبذر (٣).
وعلاقة التبذير بالسفه هي علاقة السبب بالمسبب؛ فمن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفًا لا لغرض أو عوض لا يعده العقلاء من أهل الديانة عوضًا (٤).
وللعلماء في مسألة حكم عفو المبذِّر عن الدية ثلاثة أقوال:
القول الأول: عفو المبذر نافذ، وهو مقتضى قول أبي حنيفة (٥).
القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، ولا حكم لعفوه. وهو
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٩/ ٦١٤)، زاد المسير في علم التفسير (٢/ ٨٥)، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٥٠).
(٢) انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٦/ ١٤٧).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٥٧)، البناية (١١/ ٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٢١١)، شرح الخرشي (٤/ ٨)، بلغة السالك لأقرب المسالك (٣/ ٣٩٣)، الحاوي الكبير (٦/ ٣٥٤)، روضة الطالبين (٤/ ١٧٧)، الفروع وتصحيح الفروع (٥/ ٢٢٥)، كشاف القناع (٢/ ٣٨٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (١١/ ٨٨).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٥٧)، بدائع الصنائع (٧/ ١٧١).
[ ٢١٥ ]
مقتضى قول الصاحبين والفتوى عند الحنفية، ومذهب الشافعية والحنابلة (١)، وقطع به الصيدلاني (٢).
القول الثالث: له العفو مجانًا عن الدية في جناية عمد أوجبت قصاصًا، وأما الخطأ والعمد الذي يتعين فيه المال كالجائفة فليس له العفو، وهو قول المالكية (٣).
أدلة القول الأول:
عموم الأدلة التي تدل على عدم الحجر على السفيه المبذِّر، ومنها:
١. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٤).
وجه الدلالة:
أن الله تعالى نهى الولي عن الإسراف في مال اليتيم مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه بعد الكبر يكون تنصيصًا على زوال الحجر عنه بالكبر؛ لأن الولاية عليه للحاجة، فهذه الآية تدل على زوال ولاية الولي بالكبر.
وتصرف السفيه المبذر تصرف صحيح نافذ (٥).
٢. قال النبي - ﷺ - للذي يخدع في البيع: «إذا بايعت فقل لا خلابة (٦)»، ولم يأخذ
_________________
(١) انظر: مجمع الأنهر (٢/ ٤٣٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (٣/ ٢٩٧)، روضة الطالبين (٩/ ٢٤٢)، منهاج الطالبين (ص: ٢٧٨)، كشاف القناع (٣/ ٤٤٠).
(٢) في نهاية المطلب (١٦/ ١٤١): "فأما المبذر، فالحجر عليه بسبب النظر له في نفسه، والقول الجامع فيه أن الأئمة اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أنه كالمفلس في الترتيب المقدّم، وذهب آخرون إلى القطع بأنه يَثْبتُ المال، مهما عفا عن القصاص على الأقوال كلها، وهذا هو الذي قطع به الصيدلاني، ولا وجه غيرُه"
(٣) انظر: بلغة السالك (٣/ ٣٨٨)، شرح الخرشي (٥/ ٢٧٠).
(٤) سورة النساء: ٦.
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٥٩)، تبيين الحقائق (٥/ ١٩٣).
(٦) قوله: "لا خلابة": أي لا خديعة. انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ١١٣).
[ ٢١٦ ]
النبي - ﷺ - ماله (١).
وفي رواية "وأن أهله أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه" (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي - ﷺ - لم يحجر عليه (٣).
ونوقش:
بأن هذا الحديث يدل على استحقاق الحجر على البالغ من وجهين:
أحدهما: أنه حجر عليه حجر مثله بأن أثبت له الخيار في عقوده ولم يجعلها منبرمة.
والثاني: سؤالهم الحجر عليه وإمساك النبي - ﷺ - عن الإنكار.
فلو كان الحجر لا يجوز على البالغ، لأنكر النبي - ﷺ - عليهم سؤالهم، وإنما لم يجبهم إلى الحجر عليه؛ لأنه يحتمل أن الذي كان يغبن به مما يتغابن الناس بمثله (٤).
٣. الاستدلال بآيات الكفارات من الظهار، والقتل، وغيرها، ففي هذه العمومات بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا سفيهًا كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارًا نوع من السفه، فدل أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال (٥).
٤. أن السفيه المبذر حرٌّ مخاطب، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد وفي هذين الوصفين إشارة إلى أهلية التصرف والمحلية فيه؛ لأن بكونه مخاطبًا نثبت أهلية التصرف، فإن التصرف كلام ملزم وأهلية الكلام بكونه مميزًا، والكلام المميز بنفسه بكونه
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل، وإن لم يكن حجر عليه الإمام، رقم (٢٤١٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من يخدع في البيع رقم (١٥٣٣).
(٢) رواه النسائي في سننه، كتاب البيوع، باب الخديعة في البيع، رقم (٤٤٨٥)، وابن ماجه في سننه، أبواب الأحكام، باب الحجر على من يفسد ماله، رقم (٢٣٥٤)، وصحح الرواية الألباني في سنن النسائي وابن ماجه في نفس الموضع.
(٣) الاختيار لتعليل المختار (٢/ ٩٦).
(٤) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٣٥٦)، البيان (٦/ ٢٣١).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٥٩).
[ ٢١٧ ]
مخاطبًا والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك وبعد ما صدر التصرف من أهله في محله لا يمتنع نفوذه إلا لمانع، والسفه لا يصلح أن يكون معارضًا للحرية، والخطاب في المنع من نفوذ التصرف؛ لأن بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله، ويتابع هواه وهذا لا يكون معارضًا في حق التصرف، كما لا يكون معارضًا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع، وكونه معاقبًا على تركه (١).
أدلة القول الثاني:
عموم أدلة الحجر على السفيه المبذِّر، ومنها:
١. قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢).
٢. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣). يعني: أموالهم (٤).
وجه الدلالة:
نهانا عن الدفع إليه ما دام سفيهًا، وأمرنا بالدفع إن وجد منه الرشد؛ إذ لا يجوز الدفع إليه قبل وجوده، ولأن منع ماله لعلة السفه، فيبقى المنع ما بقيت العلة؛ لأن الحكم يدور معها (٥).
٣. قالوا: ويدل على ما ذكرناه: إجماع الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ فقد قال
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٤/ ١٥٩)، التجريد للقدوري (٦/ ٢٩٢٩)، الغرة المنيفة (ص: ١٠٠).
(٢) سورة النساء: ٦.
(٣) سورة النساء: ٥.
(٤) المغني لابن قدامة (٤/ ٣٤٤). قال في الكشاف (١/ ٤٧١): "السُّفَهاءَ المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء: وأضاف الأموال إليهم، لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم".
(٥) انظر: تبيين الحقائق (٥/ ١٩٥)، مجمع الأنهر (٢/ ٤٣٩).
[ ٢١٨ ]
عروة بن الزبير ﵄ (١): ابتاع عبد الله بن جعفر (٢) بيعًا، فقال علي: لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابنُ جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك في بيعك، فأتى علي عثمان، فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه. قال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير (٣).
وجه الدلالة:
_________________
(١) هو عروة ابن (حواري رسول الله - ﷺ - وابن عمته صفية: الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، الإمام، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي، الأسدي، المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة. ولد عروة سنة ثلاث وعشرين. رَوى عن أبيه الزبير وأخيه عبد الله وأمه أسماء بنت أبي بكر وخالته عائشة وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت وغيرهم. قال عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن: دخلت مع أبي المسجد، فرأيت الناس قد اجتمعوا على رجل، فقال أبي: انظر من هذا؟ فنظرت، فإذا هو عروة، فأخبرته، وتعجبت. فقال: يا بني، لا تعجب، لقد رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه! ! . قال ابن المديني، وأبو نعيم: مات عروة سنة ثلاث وتسعين. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ٢٣٧ - ٢٥٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٢١ - ٤٣٤).
(٢) هو عبد الله بن جعفر ذي الجناحين الطيار بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي السيد، العالم، أبو جعفر، ويقال: أبو محمد القرشي الهاشمي، الحبشي المولد، المدني الدار، الجواد ابن الجواد ذي الجناحين. له: صحبة، ورواية، عداده في صغار الصحابة. استشهد أبوه يوم مؤتة، فكفله النبي - ﷺ -، ونشأ في حجره. وقد روى عن النبي - ﷺ - أحاديث وروى عن أمه أسماء بنت عميس وعمه علي بن أبي طالب. ولد بأرض الحبشة إذ كان أبواه مهاجرين بها، مات في سنة ثمانين، وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٥٦ - ٤٦٢) تاريخ دمشق لابن عساكر (٢٧/ ٢٤٨)
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٢٦٧)، والشافعي في الأم (٣/ ٢٢٠)، والدارقطني في (٤/ ٢٣٢)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٨/ ٢٧٢). وصححه الألباني في الإرواء (١٤٤٩)، وقال الإمام أحمد - ﵀ -: "لم نسمع هذا إلا من أبي يوسف القاضي". العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (٣/ ٣٧١). قال الألباني: "ولم يتفرد أبو يوسف به؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق محمد بن القاسم الطلحي عن الزبير بن المديني قاضيهم عن هشام بن عروة به، لكنى لم أجد ترجمة لمحمد بن القاسم الطلحي والزبير هذا." إرواء الغليل (٥/ ٢٧٤).
[ ٢١٩ ]
إنما قال هذا في الزبير؛ لأنه كان معروفًا بجودة التجارة والتبصر فيها، فدل على: أن الحجر جائز عندهم؛ إذ إنَّ عليًا ﵁ حاول الحَجْر على عبد الله بن جعفر، وأن الزبير لما وقف على ذلك، سأل عبد الله بن جعفر أن يشركه في ذلك البيع الذي حاول علي الحَجْر عليه من أجله؛ ليرتفع بذلك عنه ما خافه على نفسه من عثمان فيه، ووقوف عثمان على ذلك، ومحاجته عليًا شركة الزبير عبد الله بن جعفر في ذلك، وكان في ذلك ما قد دل أنه لولا شركة الزبير إياه فيه حَجْر، ورأى عبد الله بن جعفر ذلك؛ لخوفه على نفسه من عثمان أن يحجر عليه من أجله، وكان ذلك منهم جميعًا بمحضر من حضرهم من أصحاب رسول الله - ﷺ - سواهم، فلم ينكروا ذلك عليهم، ولم يخالفوهم فيه، فدل ذلك على متابعتهم إياهم عليه (١).
فهذا يدل على أن المبذر يمنع من التصرف في العفو عن الدية.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم يخالفها أحد في عصرهم، فتكون إجماعًا" (٢).
٤. حدثت عائشة ﵄: "أن عبد الله بن الزبير ﵄ (٣) قال: في بيع أو
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٣/ ٢٢٥)، شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٤٠ - ٣٤١)، البيان (٦/ ٢٣١)، المغني (٤/ ٣٥٢). قال الإمام الشافعي - ﵀ -: "فعلي - ﵁ - لا يطلب الحجر إلا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر باطلًا قال: لا يحجر على حر بالغ، وكذلك عثمان - ﵃ -؛ بل كلهم يعرف الحجر في الحديث".
(٢) المغني (٤/ ٣٥٢).
(٣) هو عبد الله ابن (حواري رسول الله - ﷺ - وابن عمته صفية: الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق. ولد عام الهجرة، وحفظ عن النبيّ - ﷺ - وهو صغير، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة. وبويع بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام. قتل على رأس اثنتين وسبعين في عهد عبد الملك بن مروان، قال مالك: "ابن الزبير كان أفضل من مروان، وكان أولى بالأمر من مروان ومن ابنه". انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ٩٠٥)، الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٧٨).
[ ٢٢٠ ]
عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عليّ نذر، أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا.
فأتاها ابن الزبير، واعتنقها وطفق يناشدها ويبكي حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة" (١).
وجه الدلالة:
وهذا يدل على أن الحَجْر على البالغين مشهور بينهم، وإلا لأنكر عليه ذلك، ولأنكرته هي أيضًا، لا باعتبار أنها صرفت المال في وجهه، بل باعتبار أن الحَجْر على البالغة لا يجوز (٢).
قال الإمام البيهقي ﵀: "فهذه عائشة ﵂ لا تنكر الحجر" (٣).
وتعقبه ابن التركماني ﵀ وقال: "أي إنكار أشد من قولها: "أهو قال هذا؟ ! لله على نذر أن لا أكلمه" - حتى استشفع ابن الزبير إليها وأعتقت في نذرها أربعين رقبة" (٤).
ويجاب:
بأن البيهقي ﵀ قال: "لا تنكر الحجر"، ولم يقل: لا تنكر حجرها؛ فعائشة ﵂ أنكرت فعل ابن الزبير ﵁ لكونه أراد الحجر عليها، وهي لا تستحق الحجر؛ لأنها غير مبذرة، بل تنفق في الخير كما كان أبوها ﵁، لا لكون الحَجْر ممنوعًا على السفيه المبذّر.
٥. قالوا: ولأن كل معنى لو قارن البلوغ منع من تسليم المال إليه، فإذا طرأ بعد البلوغ اقتضى إعادة الحَجْر عليه، كالمجنون (٥).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الهجرة، رقم (٦٠٧٣).
(٢) انظر: البيان (٦/ ٢٣١)، المغني (٤/ ٣٥٢)، المطلب العالي لوحة ١٠/ ٢٣/أ.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ١٠٢).
(٤) الجوهر النقي (٦/ ٦٢).
(٥) انظر: البيان (٦/ ٢٣٢)، المغني (٤/ ٣٥٢).
[ ٢٢١ ]
أدلة القول الثالث:
قالوا: الواجب في قتل العمد القصاص عينًا، فيصح عفوه؛ لأنه لم يتضمن تضييع المال. فلا يجب للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير دية، إلا أن يرضى بإعطاء الدية للقاتل، وأنه إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقًا أو العفو.
أولًا: لحديث أنس بن مالك - ﵁ - في قصة سن الربيع أن رسول الله - ﷺ - قال: «كتاب الله القصاص» (١).
وجه الدلالة:
كون النبي - ﷺ - حكم بالقصاص ولم يخيّر، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي - ﷺ -؛ إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما (٢).
ونوقش:
١. بأن قوله - ﷺ -: «كتاب الله القصاص»، إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود، فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه، وليس فيه ما ادُّعي من تأخير البيان (٣).
٢. والواجب في قتل العمد أحد شيئين لا بعينه: القصاص أو الدية. وذلك لأمرين:
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، رقم (٤٥٠٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان، رقم (٦٧٥).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (١٢/ ٤١٣)، مواهب الجليل (٦/ ٢٣٤)، المغني (٤/ ٣٥٥)، بداية المجتهد (٤/ ١٨٤)، فتح الباري (١٢/ ٢٠٩).
(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٢٠٩).
[ ٢٢٢ ]
أولًا: لحديث "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل" (١). فلا يصح عفوه عن المال، ووجب المال؛ لأنه ممنوع من التصرف (٢).
قال ابن رشد في الجمع بين حديث «كتاب الله القصاص»، وحديث «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن يعفو»:
"هما حديثان متفق على صحتهما، الأول ضعيف الدلالة في أنه ليس له إلا القصاص.
والثاني نص في أن له الخيار، والجمع بينهما يمكن إذا رفع دليل الخطاب من ذلك، فإن كان الجمع واجبًا وممكنًا فالمصير إلى الحديث الثاني واجب" (٣).
ثانيًا: للحديث المرفوع: «العمد قود» (٤).
وجه الدلالة:
دلالة الحديث على أن الواجب في العمد القود فقط ولا تجب الدية إلا بالتراضي (٥).
ثانيًا: مما يدل على التخيير: القياس على ما إذا سقط القصاص بعفو أحد الشريكين؛ فلو كان الواجب في العمد القصاص عينًا لما سقط القصاص بعفو أحد الشريكين (٦).
الترجيح:
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، رقم (٦٨٨٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها، رقم (١٣٥٥).
(٢) انظر: المعونة (ص: ١٣٠٧)، المغني (٤/ ٣٥٥)، بداية المجتهد (٤/ ١٨٤)، فتح الباري (١٢/ ٢٠٩).
(٣) بداية المجتهد (٤/ ١٨٤).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٣٦)، والدارقطني في سننه (٤/ ٨٢)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٨٦).
(٥) انظر: المعونة (ص: ١٣٠٧).
(٦) انظر: المغني (٤/ ٣٥٥).
[ ٢٢٣ ]
الراجح - والله أعلم- القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، فلا يصح عفوه عن المال، بل يثبت ويجب؛ لأنه ممنوع من التصرف، محجور عليه؛ وذلك لقوة أدلتهم، وإمكان مناقشة أدلة المعارضين.
* * *
[ ٢٢٤ ]