المنجنيق: بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم، وهي آلة ترمى بها الحجارة (٢).
والمنجيق بمنزلة المِدفع في وقتنا الحاضر، وكانوا سابقًا يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيدًا، فكانوا يستعملونه في الحروب (٣).
فمن رمى شخصًا أو جماعة بالمنجنيق، إما أن يقصدهم بأعيانهم أو لا يقصدهم بأعيانهم،
والمراد في مسألتنا هو أن يقصدهم بأعيانهم، فهل قتله هذا قتل عمد أو شبه عمد؟
في المسألة قولان:
القول الأول: شبه عمد (٤)،
وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة، ووجه عند الشافعية (٥)،
_________________
(١) نهاية المطلب (١٦/ ٤٩).
(٢) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ٣٠١)، المطلع (ص: ٢٤٨)، القاموس المحيط (ص: ٢٩٨)، شرح الخرشي (٣/ ١١٣).
(٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٨/ ٢٣).
(٤) قتل شبه العمد: أن يقصد معصوم الدم فيقتله بجناية لا تقتل غالبًا. روضة الطالبين (٩/ ٣٤٢)، مغني المحتاج (٥/ ٣٥٧).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢١)، روضة الطالبين (٩/ ٣٤٢)، مغني المحتاج (٥/ ٣٥٧).
[ ١٨٩ ]
وقول عند الحنابلة (١).
القول الثاني: عمد، وهو قول الصاحبين، ومذهب المالكية والشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣)، واختيار الصيدلاني (٤).
أدلة القول الأول:
١. قوله - ﷺ -: "ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل" (٥).
وجه الدلالة:
أن المنجنيق حجر، وقد صرح الحديث بأن القتل بالحجر شبه عمد.
ونوقش:
بأن الحجر المذكور في هذا الحديث هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط، والعصا الذي لا يقتل أمثالهما (٦).
_________________
(١) جزم به في الفروع والإنصاف والإقناع، وقال المرداوي: "وهذا المذهب"، انظر: الفروع (٩/ ٤٢٥)، الإنصاف (١٠/ ٣٩ - ٤٠)، الإقناع (٤/ ٢٠٣).
(٢) انظر: المبسوط (٢٦/ ١٢٢)، البحر الرائق (٨/ ٣٢٧)، شرح الخرشي وحاشية العدوي (٨/ ٧)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (٤/ ٢٤٣)، روضة الطالبين (٩/ ٣٤٢)، مغني المحتاج (٥/ ٣٥٧)، الفروع (٩/ ٤٢٥)، الإنصاف (١٠/ ٣٩ - ٤٠).
(٣) وجزم به في المنتهى (٥/ ٦٢)، وغاية المنتهى كما في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٦/ ٨٥)، ورجحه البهوتي في كشاف القناع (٦/ ١٢).
(٤) في روضة الطالبين (٩/ ٣٤٢): "وإن قصدوا شخصًا أو جماعة بأعيانهم فأصابوا من قصدوه، فوجهان؛ قطع العراقيون بأنه شبه عمد؛ لأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق، والثاني وبه قطع الصيدلاني، والإمام والغزالي والمتولي، ورجحه البغوي والروياني: أنه عمد إذا كانوا حاذقين تتأتى لهم الإصابة، والغالب الإصابة". وانظر: العزيز شرح الوجيز (١٠/ ٤٥٨).
(٥) رواه أحمد في مسنده (٨/ ٥٢١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٨١)، والنسائي في سننه، كتاب القسامة، باب من قتل بحجر أو سوط، رقم (٤٧٩٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي نفس الرقم.
(٦) شرح مشكل الآثار (١٢/ ٤٦٦).
[ ١٩٠ ]
٢. عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا قود إلا بالسيف» (١).
وفي لفظ: «لا قود إلا بسلاح» (٢).
وفي لفظ: «كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش (٣)» (٤).
وجه الدلالة:
أن هذا نص على نفي القصاص والقود بغير السيف والسلاح، وكل قتل بغير السلاح فليس بعمد (٥).
ونوقش:
بأن الأحاديث في ذلك ضعيفة (٦).
٣. عن علي ﵁ قال: «شبه العمد الضربة بالخشبة، أو القذفة بالحجر
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ ابن ماجه في سننه، أبواب الديات، باب لا قود إلا بالسيف، رقم (٢٦٦٧) والدارقطني في سننه (٤/ ٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١١٠)، وضعفه الدارقطني والبيهقي وابن رجب وابن حجر، وقال الإمام أحمد: "وليس إسنادُه بجيد، وحديث أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسندُ منه وأجودُ" وقال الإمام أبو حاتم: منكر، وقال الألباني: ضعيف جدًا. انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٤/ ٢٢٩)، المغني (٨/ ٣٠٢)، جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٨)، فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٢٠٠)، وإرواء الغليل (٧/ ٢٨٧).
(٢) رواه الدارقطني في السنن (٤/ ٧١) وفي سنده سليمان بن أرقم قال الدارقطني: "هو متروك".
(٣) أرش الجراحة ديتها. انظر: المصباح المنير (١/ ١٢).
(٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٧٣)، ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤٨)، وأحمد في مسنده (٣٠/ ٣٤٢)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٧٦) وقال البيهقي: مدار هذا الحديث على جابر الجعفي، وقيس بن الربيع، ولا يحتج بهما. وقال الذهبي: جَابر واه تنقيح التحقيق للذهبي (٢/ ٢٣٢)، وقال الأرناؤوط: "إسناده ضعيف جدًا".
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٢٢)، بدائع الصنائع (٧/ ٢٤٥)، الهداية في شرح بداية المبتدي (٤/ ٤٤٥).
(٦) كما تقدم.
[ ١٩١ ]
العظيم» (١).
والمنجنيق قذفة بالحجر العظيم.
٤. قالوا: ولأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق، وقصد الواحد بالمنجنيق يندر إصابته (٢).
٥. ولأن قصد الواحد بعينه بالمنجنيق لا يكاد يفضي إلى إتلافه (٣).
أدلة القول الثاني:
١. عن أنس بن مالك ﵁ قال: "خرَجَت جارية عليها أوضاح (٤) بالمدينة، قال: فرماها يهودي بحجر، قال: فجيء بها إلى النبي - ﷺ - وبها رمق، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «فلان قتلك؟» فرفعَت رأسها، فأعاد عليها، قال: «فلان قتلك؟» فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: «فلان قتلك؟» فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله - ﷺ - فقتله بين الحجرين" (٥).
وجه الدلالة:
أن الحديث يدل على أن القتل بالحجر ومنه المنجنيق من قتل العمد لقتل النبي - ﷺ - اليهودي قصاصًا (٦).
٢. لأنهم قصدوا القتل بما يقتل غالبًا، كما لو ضربوه بمثقل يقتل غالبًا فصار
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٨٠) وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٤٨).
(٢) انظر: روضة الطالبين (٩/ ٣٤٢)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٦/ ١٥١).
(٣) انظر: المغني (٨/ ٤١٩)، الإقناع (٤/ ٢٠٣).
(٤) الأوضاح نوع من الحلي سميت بذلك لبياضها؛ لأنها تعمل من الفضة. انظر: فتح الباري (١/ ٢٠٦).
(٥) وفي رواية: «فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر به النبي - ﷺ - فرض رأسه بين حجرين». رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب إذا قتل بحجر أو بعصا، رقم (٦٨٧٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات، والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة (١٦٧٢).
(٦) البحر الرائق (٨/ ٣٣٢).
[ ١٩٢ ]
عمدًا (١).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - القول بأن الرمي بالمنجنيق لمن قصد جماعة بأعيانهم أو شخصًا بعينه أنه من قبيل القتل العمد:
١. لحديث أنس في اليهودي الذي قتل الجارية بحجر.
٢. ولأن المنجنيق لا يكون إلا في القتال؛ فهو موضوع للقتال ابتداءً.
٣. ولإمكان مناقشة أدلة القول الأول وضعف المسند منها.
٤. وأما أثر علي ﵁ (٢) فهو موقوف لا ينهض لمعارضة المرفوع، وعلى القول به يحمل على ما لا يقتل غالبًا، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢٩٦).
(٢) تقدم ص: ١٩٣.
[ ١٩٣ ]