١. لا يخفى أن الصور نوعان:
أصور غير ذوات الروح من المخلوقات النامية منها: (كالأشجار والنباتات)، وغير النامية منها: (كالجبال والأحجار والأفلاك ونحوها).
ب صور ذوات الروح (إنسان أو حيوان).
٢. مذهب جماهير السلف والخلف على جواز صور غير ذوات الروح (٢).
٣. صور ذوات الروح أنواع منها المجسمة والسطحية والمعلقة والممتهنة، فقد اختلف أهل العلم في الممنوع منها والجائز.
ومسألتنا في حكم دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة (٣).
اختلف العلماء فيها على قولين (٤):
القول الأول: أنه يحرم دخول البيت الذي فيه صور ذوات الروح لمن لا يستطيع إزالة المنكر، مالم تكن ممتهنه، أو ممحوة الرؤوس، أو ناقصة عضو من الأعضاء التي لا تبقى الحياة بدونها.
وهذا هو قول بعض الشافعية (٥)، وبعض الحنابلة (٦).
القول الثاني: أن دخول البيت الذي فيه صور ذوات الروح مكروه: وإليه ذهب
_________________
(١) مناسبة وضع هذه المسألة في الوليمة، لأن الوليمة قد تكون في مكان فيه تصاوير.
(٢) التمهيد (٢١/ ٢٠٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٩)، شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨١)، فتح الباري (١٠/ ٣٩٤)، الإنصاف (١/ ٤٧٤).
(٣) لبحث المسألة: ينظر: أحكام التصوير في الفقه الإسلامي ص ٢٠٧ وما بعدها.
(٤) انظر: أحكام التصوير ص ٤٦٦ - ٤٧٣.
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٨١ - ٨٢)، أسنى المطالب (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، ومغني المحتاج (٤/ ٤٠٨)، نهاية المحتاج (٦/ ٣٧٥).
(٦) انظر: الإنصاف (٨/ ٣٣٦)، والمغني (٧/ ٢٨٣)، وانظر: الآداب الشرعية (٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥).
[ ١٠٩ ]
الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، واختاره الصيدلاني (٤).
أدلة القول الأول:
وقد استدل أصحاب هذا القول على تحريم الدخول بما يلي:
أولًا: عموم الأدلة الدالة على تحريم الصور، واتخاذها، وما ورد في ذلك من الوعيد على المصورين، والمتخذين لها، والدخول إلى تلك الأماكن فيه مخالفة تلك الأدلة إلا من يدخلها مغيرًا للمنكر، إن كان له قدرة على ذلك (٥).
ثانيًا: أن امتناع دخول الملائكة إلى بيت فيه صورة أو كلب دليل على تحريم دخول تلك الأماكن التي فيها الصور المحرمة (٦).
ونوقش:
بأنَّ كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة لا يوجب تحريم دخوله علينا، كما لو كان فيه كلب (٧).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١١٦)، البناية شرح الهداية (٢/ ٤٦١).
(٢) انظر: المدونة الكبرى (١/ ٩١)، والتمهيد (٢١/ ١٩٦)، وانظر: الخرشي على مختصر خليل (٣/ ٣٠٣)، وشرح منح الجليل (٢/ ١٦٧).
(٣) انظر: مغني المحتاج (٣/ ٢٤٧)، وفتح الباري (١٠/ ٤٠٧)، وأسنى المطالب (٣/ ٢٢٦).
(٤) قال الإمام النووي - ﵀ -: "وهل دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة حرام أم مكروه؟ وجهان. وبالتحريم قال الشيخ أبو محمد، وبالكراهة قال صاحب «التقريب» والصيدلاني، ورجحه الإمام والغزالي في «الوسيط». ولو كانت الصورة في الممر دون موضع الجلوس، فلا بأس بالدخول والجلوس، ولا يترك إجابة الدعوة بهذا السبب" روضة الطالبين (٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٨١ - ٨٢)، وأسنى المطالب (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، ومغني المحتاج (٤/ ٤٠٧).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٢٨٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤٠٧).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٢٨٣).
[ ١١٠ ]
ثالثًا: أن وضع الصور في البيوت فيه تشبُّه بعبّاد الصور، والأصنام، والدخول إلى هذه البيوت - مع العلم بما فيها- فيه إقرارٌ لصاحب المنكر على منكره، ومشاركة في الإثم (١).
رابعًا: أن الرسول - ﷺ - امتنع من الدخول إلى بيت عائشة - ﵂ - حينما رأى الستر الذي كان فيه الصور؛ فعن عائشة - ﵂ - أنها اشترت نمرقة (٢) فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله - ﷺ - قام على الباب فلم يدخل فعرفَت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ما بال هذه النمرقة؟» فقالت: اشتريتها لك، تقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (٣).
وامتنع من الدخول أيضًا إلى بيت علي بن أبي طالب - ﵁ - بسبب التصاوير قال علي - ﵁ -: "صنعت طعامًا، فدعوت النبي - ﷺ - فجاء، فدخل، فرأى سترًا فيه تصاوير، فخرج وقال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير" (٤).
ولو لم يكن دخول البيت الذي فيه الصور محرمًا لما امتنع النبي - ﷺ - من الدخول، رغم تأكد إجابة دعوة المسلم، إذا دعاه أخوه المسلم.
خامسا: أن الامتناع من الدخول إلى أماكن الصور هو فعل الصحابة - ﵃ -؛
_________________
(١) انظر: أحكام التصوير ص ٤٦٦.
(٢) (نمرقة) هي بضم النون والراء، ويقال بكسرهما، ويقال بضم النون وفتح الراء، ثلاث لغات، ويقال: نمرق، بلا هاء: وهي وسادة صغيرة، وقيل هي مرفقة، وجمعها: نمارق. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٨)، شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩٠)
(٣) رواه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة (٢١٠٧).
(٤) رواه النسائي في سننه، كتاب الزينة - التصاوير (٥٣٥١)، وابن ماجه، سننه في أبواب الأطعمة، باب إذا رأى الضيف منكرًا رجع (٣٣٥٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٥٩).
[ ١١١ ]
فقد امتنع عمر من الدخول إلى كنائس النصارى لأجل الصور التي فيها، وقال: «إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور» (١)، وامتنع أبو مسعود عقبة بن عمرو من الدخول إلى البيت حتى كسرت الصورة (٢)، وغير ذلك كثير.
أدلة القول الثاني:
وأدلتهم على كراهة دخول المكان الذي فيه صورة هي أدلة أصحاب القول الأول نفسها، سواء بسواء، وإنما اختلفوا في أخذ الحكم من تلك الأدلة، فمنهم من رأى أنها تدل على التحريم، وهم أصحاب القول الأول، ومنهم من رأى أنها تدل على الكراهة فقط، وهم أصحاب القول الثاني (٣).
يمكن مناقشة ذلك:
بأن مقتضى الأدلة هو القول بالتحريم، وليس الكراهة، وذلك لما فيه من الوقوع في التشبه بعباد الأوثان، والأصنام، والحرمان من دخول الملائكة إلى تلك الأماكن، وكون ذلك الصنيع من أقوى الوسائل المفضية إلى الشرك (٤).
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم -جواز دخول مكان فيه صور لمن استطاع تغيير المنكر، وأما من لم يستطع فلا يجوز له الجلوس ما لم يترتب عليه مفسدة أعظم. فعن ابن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي - ﷺ -: "قاتلهم
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا في الصلاة، باب الصلاة في البيعة (١/ ٩٤)، ووصله عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٤١١)، وصحح سنده الألباني في آداب الزفاف (ص: ١٦٤).
(٢) رواه البخاري في النكاح معلقًا، باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟ ووصله البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٣٨)، وصحح سنده الألباني في آداب الزفاف (ص: ١٦٥).
(٣) انظر: الشريعة الإسلامية والفنون ص (١٦١).
(٤) انظر: فتح الباري (٨/ ١٧)، أحكام التصوير ص ٤٧٠.
[ ١١٢ ]
الله، لقد علموا: ما استقسما بها قط" (١).
وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - "أن النبي - ﷺ - نهى عن الصور في البيت، ونهى الرجل أن يصنع ذلك، وأن النبي - ﷺ - أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخل البيت حتى محيت كل صورة فيه" (٢).
والدخول في هذه الأماكن بدون إنكار المنكر، أو تحقق مصلحة فيه مشاركة في الإثم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٣).
قال القرطبي - ﵀ -: " ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم" (٤).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح؟ (٤٢٨٨).
(٢) رواه أحمد في مسنده (٢٢/ ٤٤٩) ١٤٥٩٦ وقال محققو الرسالة: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وقال الشيخ حمود التويجري - ﵀ -: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٣) سورة النساء: ١٤٠.
(٤) تفسير القرطبي (٥/ ٤١٨).
[ ١١٣ ]