وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا اجتمعت الرقيقة والحرة تحت حر، وكان القسم ليلتين للحرة وليلة للأمة
فجرى العتق للأمة في الليلة الثانية، فأراد الزوج أن يفارق الحرة في بقية تلك الليلة ويبيت عند صاحبٍ له، ثم يبيت عند العتيقة ليلة ويدور إلى الحرة بليلة ويدير النوبتين كذلك.
المسألة الثانية: إذا قالت للزوج: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء من زوجاتك الأخريات. فهل له تخصيص واحدة بنوبة الواهبة؟
المسألة الثالثة: من سافر وأخذ أحد زوجاته بالقرعة ثم بلغ البلد الذي يقصده، فلو نوى الإقامة أربعة أيام، فهل عليه قضاء الليالي لزوجاته الباقيات؟
[ ١١٤ ]
القَسْم:
القَسْم: هو تسوية الزوج بين الزوجات في المأكول والمشروب والملبوس والبيتوتة (١).
وقال بعضهم: هو توزيع الزمان على زوجاته (٢).
المراد بالقسْم هنا: العدل بين الزوجات في البيتوتة (٣).
وقد اتفق الفقهاء - ﵏ - على وجوب العدل في القسمة بين الزوجات (٤).
وقد ثبت من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه (٥)
مائل". وفي رواية "وشقُّه ساقط" (٦).
"والقَسْم مشروع للعدل والاجتناب عن التفضيل الموحش، فلا يجوز للزوج تفضيل
_________________
(١) مجمع الأنهر (١/ ٣٧٣).
(٢) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (٣/ ٢٤٤).
(٣) كتاب الكليات (١/ ١١٥٠)، القاموس الفقهي (١/ ٣٠٣).
(٤) انظر: المغني (٧/ ٣٠١)، الإقناع في مسائل الإجماع (٢/ ٢٧).
(٥) أي: أحد جنبيه وطرفه، وقوله: (شقه مائل) أي مفلوج، والفالج: هو شلل يصيب أحد شقي الجسم طولًا. انظر: عون المعبود (٦/ ١٢١) مجمع الأنهر (١/ ٣٧٤)، المعجم الوسيط (٢/ ٦٩٩).
(٦) رواه أحمد في مسنده (١٤/ ٢٣٧) رقم (٨٥٦٨)، وأبو داود، كتاب النكاح، باب في القَسم بين النساء (٢١٣٣)، والترمذي في أبواب النكاح عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (١١٤١)، والنسائي في السنن الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض (٨٨٣٩)، وابن ماجه في كتاب النكاح -باب القسمة بين النساء (١٩٦٩)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٠٣) رقم (٢٧٥٩)، وقال الترمذي: " وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى عن قتادة، ورواه هشام الدستوائي عن قتادة قال: كان يقال: ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام، وهمام ثقة حافظ". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين "ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد كما نقله الحافظ في "التلخيص (٣/ ٢٠١) وأقره وقال: "واستغربه الترمذي مع تصحيحه، وقال عبد الحق: هو خبر ثابت، لكن علته أن همامًا تفرد به". قال الألباني: "وهذه علة غير قادحة، ولذلك تتابع العلماء على تصحيحه" إرواء الغليل (٧/ ٨١).
[ ١١٥ ]
امرأة على امرأة بفضلتها بخصال شريفة، حتى يسوي بين المسلمة، والكتابية، لاستوائهما في مقاصد النكاح، وأحكامه، ولا يترك هذا الأصل إلا بشيئين:
أحدهما: التفاوت في الرق والحرية، واجتماع الحرة والأمة في نكاح الحر إنما يتصور بأن ينكح حرة على أمة، وأما العبد فإنه يجمع بين حرة وأمة كيف شاء وبين أمتين، ويجوز أن يعتق فينكح عليهما حرتين.
السبب الثاني: تجدّد النكاح، فإذا نكح بكرًا جديدة بات عندها سبعًا، وعند الثيب ثلاثا" (١).
وقبل بحث المسألة أُبيِّن بعض النقاط:
١ - ذهب جمهور الفقهاء ﵏ (٢) إلى أن الأصل في القسم وعماده الليل لمن معاشه نهارًا؛ لأن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الرجل إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار وقت العمل لكسب الرزق والانتشار في الأرض طلبًا للمعاش، وقد يكثر العمل في يوم ويقل في آخر، والضبط فيه عسر بخلاف الليل قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٤).
وإن دخل الزوج في نوبة إحدى زوجاته على غيرها نهارًا فإنه يجوز لحاجة؛ لأنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في الليل، فيدخل لوضع متاع ونحوه كتسليم نفقة وتَعرُّف خبر وعيادة.
وأما من كان عمله ليلًا وكان النهار سكنه كالحارس ونحوه يكون قسمه في النهار؛
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (٨/ ٣٦٩ - ٣٧١).
(٢) وقال ابن قدامة - ﵀ - "لا خلاف في هذا".
(٣) سورة النبأ: ١٠، ١١.
(٤) سورة يونس: ٦٧.
[ ١١٦ ]
لأنه وقت سكونه، وأما الليل فإنه وقت عمله (١).
وقال الحنفية: يقيم عند كل واحدة منهن يومًا وليلة، لكن إنما تلزمه التسوية في الليل وليس المراد أن يضبط زمان النهار، فبقدر ما عاشر فيه إحداهما يعاشر الأخرى، بل ذلك في البيتوتة، وأما النهار ففي الجملة؛ يعني لو مكث عند واحدة أكثر النهار كفاه أن يمكث عند الثانية ولو أقل منه بخلافه في الليل (٢).
٢ - "النهار يدخل في القَسْم تبعًا لليل؛ بدليل ما روي أن سودة وهبت يومها لعائشة. متفق عليه (٣). وقالت عائشة «قبض رسول الله - ﷺ - في بيتي، وفي يومي» (٤). وإنما قبض النبي - ﷺ - نهارًا. ويتبع اليوم الليلة الماضية؛ لأن النهار تابع لليل، ولهذا يكون أول الشهر الليل ولو نذر اعتكاف شهر دخل معتكفه قبل غروب شمس الشهر الذي قبله، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم منه، فيبدأ بالليل، وإن أحب أن يجعل النهار مضافًا إلى الليل الذي يتعقبه جاز؛ لأن ذلك لا يتفاوت" (٥).
٣ - مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ﵏: أنَّ مَنْ تحته حرة
_________________
(١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ٥٦١)، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (٢/ ٣٤٠)، المهذب (٢/ ٤٨٣)، مغني المحتاج (٤/ ٤١٧)، المغني (٧/ ٣٠٦)، كشاف القناع (٥/ ١٩٨)، وانظر فروع المسائل: الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٣/ ١٩٣) وما بعدها.
(٢) انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣/ ٢٠٧).
(٣) قالت عائشة - ﵂ -: فلما كَبُرَت- يعني سودة-، جعَلت يومها من رسول الله - ﷺ - لعائشة، قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة، «فكان رسول الله - ﷺ -، يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة» رواه البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات - باب القرعة في المشكلات. (٢٦٨٨) ومسلم في صحيحه في كتاب الرضاع -باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (١٤٦٣)، وفي رواية للبخاري "غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة".
(٤) رواه البخاري في صحيحه في كتاب فرض الخمس - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -، وما نسب من البيوت إليهن (٣١٠٠).
(٥) المغني (٧/ ٣٠٦)، وانظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣/ ٢٠٧).
[ ١١٧ ]
وأمة يقسم للأمة على النصف من الحرة (١).
ومذهب المالكية ﵏: أن الزوجة الأمة كالحرة في وجوب القسم في المبيت والتسوية بينهما فيه (٢).
٤ - أن الأمة إنما تستحق القسم إذا استحقت النفقة، بأن كانت مسلّمة للزوج ليلًا ونهارًا كالحرة، وحق القسم لها لا لسيدها فهي التي تملك إسقاطه؛ لأن معظم الحظ في القسم لها كما أن خيار العيب لها لا له (٣).