كما كان فضل علماء العرب ملموسا في منهجي البحث التجريبي والتاريخي، فإن فضلهم يذكر في مجال البحث الوصفي القائم على أسس علمية، كانوا فيه روادا، سواء في العلوم الأساسية أو في العلوم التطبيقية أو العلوم الإنسانية، لقد جمعوا في مجال البحث الوصفي بين الوصف والتعليل والتحليل، نذكر في شأن العلوم التطبيقية حنين بن إسحاق العبادي "ت ٢٦٤هـ/ ٨٧٧م" والطبري "ت ٣٦٦هـ/ ٩٧٦م" وابن سينا "ت ٤٢٨هـ/ ١٠٣٦م" وطاهر السيجزي "كان حيا قبل عام ٥٠٠هـ/ ١١٠٦م" وأبا بكر الرازي "ت ٦٠٦هـ/ ١٢٠٩م" وابن النفيس "ت٦٨٦هـ/ ١٢٨٨م" وعلي بن
[ ١٨٤ ]
عباس المجوسي وقد اشتهر بين "٩٧٠/ ٩٨٠هـ" والزهراوي وغيرهم وقد أوردنا ذكرهم في موضع آخر.
أما في مجال العلوم الإنسانية، فإننا بحكم التخصص، نخص بالذكر المنهج الوصفي لدى الجغرافيين العرب، لقد كان التأليف الجغرافي يعرض لنا روحه ومضمونه في محاولات جدية للتفسير والتعليل العلميين، يدعمهما ذخيرة واضحة من المعرفة بهذا العلم، ونستمد المادة التي نحتاج إليها فيما يخص الجغرافية الوصفية من المؤلفات الغزيرة عن الرحلات البرية والبحرية، والكتب المتنوعة التي تقدم دليلا وافيا عن الطرق والمسافات والمراحل والدراسات المفصلة في الجغرافية الإقليمية والمحلية.
ثم لم نجد أي مؤلف انصرف بصورة منهاجية لوصف مشهد الأرض الطبيعي حتى مطلع القرن "الثالث الهجري" "التاسع الميلادي"، وقبل أن يكون كتاب المجسطي نقطة انطلاق لدى العرب في ميدان الجغرافية الفلكية والرياضية، كانت أمور جغرافية استرعت انتباه العربي وملاحظاته حول النجوم الثابتة وسير الكواكب المتحركة وتغيرات الطقس، ومن ثم استرعت انتباه الكتاب العرب جغرافية شبه جزيرة العرب، ومن هؤلاء النضر بن شميل "ت ٢٠٤هـ/ ٨١٩م" وهشام الكلبي "ت ٢٠٦هـ/ ٨٢١م" والواقدي "ت ٢٠٨هـ/ ٨٢٣م" وكانت عنده أولى المحاولات الأدبية المطبقة على وصف العالم وأبو سعيد الأصمعي "ت ٢٨٣هـ/ ٨٩٦م".
أوجد العرب إمبراطورية واسعة، وأدت رغبة المعرفة بها إلى ظهور الجغرافية الأدبية أو الوصفية، والتي تمثلت بعلمي المسالك والممالك وعجائب البلدان، ونذكر من بين المؤلفات في هذا الشأن، ابن خرداذبة "ت حوالي ٢٧٢هـ/ ٨٨٥م" وكتابه "المسالك والممالك" وهو من طلائع من ألف في هذا المجال، والمروزي "ت ٢٧٤هـ/ ٨٨٧م" وكتابه "المسالك والممالك" واليعقوبي "ت٢٨٤هـ / ٨٩٧م" وكتابه "كتاب البلدان" وقد تناول بحوثه بأسلوبه وصفي بخاصة النواحي الإحصائية والطبوغرافية وقد قال عنه
[ ١٨٥ ]
متز "Metz": إنه أول جغرافي بين العرب، وصف الممالك معتمدا على ملاحظاته الخاصة، وهناك السرخسي "ت ٢٨٦هـ/ ٨٩٩م" والبلخي "ت ٣٢٢هـ/ ٩٣٤م" وكتاباهما أيضا "المسالك والممالك" وقد تخلل كتاب البلخي الشرح والبيان والرسوم والإصطخري "ت بعد عام ٣٤٠هـ/ ٩٥١م" وابن حايك الهمداني صاحب كتاب "شبه جزيرة العرب".
ومما زاد في أهمية الجغرافية الوصفية، أن اتخذ الكثير السياحة وسيلة للدراسة وأكثر جغرافيو العرب هم السائحون، ونذكر من رحالة البر المسعودي "ت ٣٤٦هـ/ ٩٥٧م" وابن جبير الكناني "ت ٦١٤هـ/ ١٢١٧م" وابن بطوطة "ت ٧٧٩هـ/ ١٣٧٧م" والموصلي والعبدري و
وهناك لون آخر من الكتابة الجغرافية يطالعنا بوصف تفصيلي لأقاليم خاصة، ومن طلائع المؤلفات في هذا الباب مؤلف موفق الدين البغدادي "ت ٦٢٩هـ/ ١٢٣١م" وهو نوع من الدراسة الطبوغرافية لمدينة بغداد، ووصف البلخي لفارس، وهي من أهم الكتب الطبوغرافية في العصور الوسطى١، وكتاب "رسالة ابن فضلان" لأحمد بن فضلان، وهي أقدم وصف معروف لشاهد عيان عن حياة "الفايكنغ" ومجتمعهم، ووثيقة بارزة في وصفه لحوادث وقعت منذ ما ينوف عن ألف سنة، وذلك في القرن "الرابع الهجري" "العاشر الميلادي، وملاحظة البيروني "ت ٤٤٠هـ/ ١٠٤٨م" للأقطار الإسكندنافية ووصفه لأهل "ورنج" الإسكندنافين٢، وما كتبه الحبيهاني والجرديزي وصاحب كتاب حدود العالم والبلخي وطليعة هؤلاء المهلبي، وهناك كتاب سليمان التاجر "ت ٢٣٧هـ/ ٨٥١م" وكتاب "برزك بن شهريار الناخدا" الذي يعد مقدمة قيمة
_________________
(١) ١ ارجع في شأن هذه الرحلات إلى: زكي حسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، أيضا: نقولا زيادة الرحالة العرب، وشوقي ضيف. الرحلات. ٢ Walidi، A.Z "Islam and the Science of Geography". "Islam Culture، Hydar-Abad، vol viii، ١٨٣٤. p ٥١٣.
[ ١٨٦ ]
لقصص السندباد١، وتعد قمة هذه المعرفة والكتب القيمة كتب أحمد بن ماجد، وأعظمها أهمية كتاب "الفوائد" الذي يصف فيه أصول الملاحة، ويقول فران "Ferrand. G": إن وصفه البحر الأحمر بغض النظر عن أخطاء خطوط العرض لا تدانيه أية إرشادات أوروبية٢، كما وصف سليمان المهري رحلات هامة في أبحاث نثرية ثلاثة في تعليمات البحار٣.
تناول البعض من خلال أداء فريضة الحج، بالوصف والتحليل ما رأوه أو كتبوه، وقد أشار ياقوت الحموي في مقدمته إلى ذلك، وكانت روايات الحجاج المسلمين ذات قيمة علمية، نذكر منهم رحلة ابن جبير "٥٧٩-٥٨١هـ/ ١١٨٣-١١٨٥م" والدليل الذي قدمه الكاتب الفارسي الهروي "ت ٦١١هـ/ ١٢١٤م" والرحلة المغربية للعبدري "ت ٦٨٨هـ/ ١٢٨٩م" والفهري "ت ٧١٢هـ/ ١٣٢١م".
كذلك كانت الرغبة في طلب العلم حافزا لمن يرغب بالسفر إلى المرامي البعيدة والنواحي القاصية كشمس الدين المقدسي "ت ٣٩٠هـ/ ٩٩٩م" وكتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" ويعتبره "اشبرنجر" "أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة" وأبي الريحان البيروني، واليعقوبي "ت ٢٧٨هـ/ ٨٩١م" وهو أول جغرافي درس النبات وصنف فيه والدينوري والبغدادي" ت ٢٨٢هـ/ ٨٩٥م" محب الأسفار وراء الاستزادة من العلم، ويعد أول من رسم نحو "٢٠٠" نبتة ووضع لها وصفا وتعريفا علميا دقيقا، اعتمد على الملاحظة المباشرة والتجربة في دراسته، ووضع منهجا جديدا في دراسة العلاقة بين النبات والتربة لا يقل في علميته عما وصفه "كارل لينيس" السويدي "١٧٠٧-١٧٧٨م" في تصنيف النبات والتي لا تزال تستعمل الآن، وأهم آثاره "كتاب النبات" وهو موسوعة معجمية علمية تاريخية مؤلفة من ستة مجلدات أصولها مفقودة.
_________________
(١) ١ Kimble. J. H. "Geagraphy in the Middle Ages". ١٩٣٨. p ٥٩. ٢ Ency clopedia of Islam، Volxv، p. ٣٦٥ et seq. Aartich. ly G.F Ferrant. ٣ Encyclopedia of Islam، Vol. Iv. p. ٥٢٩.
[ ١٨٧ ]
ولد نمط جديد، أي حكايات الأسفار بالمعنى الذي نفهمه اليوم في الربع الأخير من القرن "السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، وهي أقاصيص الرحالة الجغرافيين التي أودعوا فيها خلاصة تجاربهم.
أمدنا الإدريسي "ت ٥٦٠هـ/ ١١٦٦م" بمعلومات أصيلة في دقة لا ينازعه فيها أحد، وذلك في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" وجدة المعلومات وقيمتها الحقيقية تثيران إعجاب الجغرافيين المحدثين١، وابن جبير الكناني "ت ٦١٤هـ/ ١٢١٧م"٢ له ميزة الأسبقية في كتابه "رحلة الكناني وكان طلعه إلى المعرفة، وقد وصل إلى القمة التي وصل إليها فن تدوين الرحلات في تاريخنا الفكري، وابن بطوطة "ت ٧٧٩هـ/ ١٣٧٧م" أشهر الرحالة المسلمين وكتابه "تحفة النظار في عجائب الأمصار" دبجه ابن جزي، ويقول عنه المستشرق بلاشير: "إنه رحالة يتفوق عنده حب الاستطلاع على حدة الذكاء" ويقول كراتشكوفسكي: "إنه لم يكن نقالة بل كان رحالة" وإنه منافس خطير لمعاصره الأكبر منه شأنا ماركو بولو البندقي الإيطالي "١٢٥٤-١٣٢٣م" وكتابه "كتاب ماركو بولو" ويقول بروكلمان: إن معلومات ابن بطوطة أوثق وأجدر بالاعتماد من رحلة ماركو بولو، أما البحاثة الياباني "ياموتو" فيقول: "إن وصفه لبلاد الصين فيه فقرات تعتمد على ملاحظات مباشرة عن الصين" ومنذ "الرحلة العياشية" التي وضعها العياشي "ت ١٠٩٠هـ/ ١٦٧٩م" لم يعد للوصف قيمة بقدر ما للنقاد الأساتذة العلماء.
لقد قدم أسلافنا القدماء وصفا عن الكون والأرض والمحيطات والمجتمعات البشرية وعجائب الطبيعة والعادات المستغربة لدى الشعوب البعيدة بأسلوب وصفي يتم عن معرفة مباشرة، وكان حديثهم سردا تاريخيا حينا وملاحظات حينا آخر، ولكن
_________________
(١) ١ Kimble، GH. "Geograply in the Midde Ages". op. cit p ٥٩. ٢ ورد هذا التاريخ في كتاب: عبد الرحمن حميدة. أعلام الجغرافيين العرب ص٣٢٢، وفي حسين مؤنس. تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس. ص٤٢٩، ٤٣٧.
[ ١٨٨ ]
ما سجلوه قام بدور فعال في الكشف عن الأرض والإنسان بأسلوب وصفي، تميزت جغرافيته بأصالة فريدة.
لم يكن هناك مصطلحات جغرافية قائمة بكل معنى الكلمة قبل القرن "التاسع"، ومع ازدهار الترجمة تمكن العرب من الاطلاع على أفكار بطليموس ومارينوس الصوري، ومع ظهور هذه الترجمات بدأت السلسلة الجغرافية العلمية التي تبعها أنماط متعددة للجغرافية الوصفية، ثم تنوعت أوصاف الرحلات فساد في بعضها الطابع الواقعي في حين احتفظت الأخرى بالعنصر القصصي.
لقد أخذت الجغرافية صورا متباينة حسب الأزمنة وأمزجة الرجال الذين انصرفوا إليها مما جعلها تصطبغ بصفات مختلفة خلال تطورها في الزمان، هذا ولا شك فإن منهج الجغرافية الوصفية عند العرب يسترعي الانتباه، بغزارة مادته، ذات الطابع المميز، والسيماء الخاصة، مما لا نجد له مثيلا في آداب الأمم الأخرى.
لم يكن في وسع العقول المستنيرة في أوروبا أن تتجاهل حقيقة المسلمين في مجال الجغرافية الوصفية التحليلية، نقرأ للراهب الدومينيكي "فنسنت أف بوفيه" "Dominical Friar Vincent of Beaunvais" الذي يوجز المعرفة السائدة في كتابه "Speculum"، نراه ينقل في معرض كلامه عن وادي النيل عن ابن سينا بين مصادره، ونجد في كتابات الراهب "ألبرت الكبير" وهو كثيرا ما يبدي تحولا عن الرأي السائد في شأن العالم، استنادا إلى مصادر عربية كثيرة، ثم تعقب ذلك الرحلات الخيالية لرجل إنكليزي وهو "سيرجون مندفيل ١٣٥٦م"، ويعتبر وصف هذه الرحلات من باب الخيال المحض تملؤه الأسانيد والخرافات، ولقي هذا الكتاب قبولا عظيما خلال القرنين "الرابع عشر والخامس عشر" إذ يعطي العامة من الأوروبيين فكرة عن العالم نقارن ذلك بهمم التبصر في حقائق الأرض على أساس من الملاحظة لدى العرب.
ونذكر في هذا المجال "روجر بيكون" "٦١١-٦٩٤هـ/ ١٢١٤-١٢٩٤م" صاحب
[ ١٨٩ ]
كتاب١ "Opus Majus" إننا نجد بين المصادر العربية التي ذكرها كمراجع له في شئون الفلك والرياضيات والجغرافية أسماء مثل أبي معشر، وقد أورد ذكره في معرض إشارات متعددة تتعلق بالرياضيات والفلك والفلسفة الأخلاقية، وقال عن كتاب أبي معشر "الاتصالات": إن معرفة علم الفلك قد وصلت إلى أيدي اللاتين عن طريق هذا الكتاب، وهناك الفرغاني وابن سينا والبتاني وثابت بن قرة والزرقالي٢.
ونورد فيما يلي نموذجا عن المنهج الوصفي لدى الجغرافيين العرب نستقيه من كتاب "أحسن التقاسيم لمعرفة الأقاليم" بدأ كتابه بمدخل طويل نوعا ما ومكثف عن الجغرافية الطبيعية، وعن أبحاث الذين سبقوه والتقسيمات التي تبنوها والاصطلاحات والتسميات الدارجة، ثم عالج في القسم الأول الأقاليم العربية، ووصف في القسم الثاني الأقاليم الفارسية والأقطار الإسلامية الشرقية، وخص كل أقليم بفصل خاص وذلك ضمن إطار مخطط متماثل يبدأ بعموميات عن المنطقة ثم بوصف المدن والنواحي التي تتبعها وينتهي بمعلومات جزيلة الفائدة عن المناخ والديانة والغرائب والتجارة والمظاهر الجغرافية في المنطقة المذكورة، ولعل من الأفضل أن نترك المقدسي يقدم منهجه بنفسه:
"فرأيت أن أقصد علما قد أغفلوه، وانفرد بفن لم يذكروه إلا على الإخلال، وهو ذكر الأقاليم الإسلامية، وما فيها من المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار، ووصف أمصارها المشهورة ومدنها المذكورة، ومنازلها المسلوكة وطرقها المستعملة، وعناصر العقاقير والآلات، ومعادن الحمل والتجارات، واختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم، ومذاهبهم ومكاييلهم وأوزانهم، ونقودهم وصروفهم، وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم ومياههم ومعرفة مفاخرهم وعيوبها وما يحمل من عندهم وإليهم، وذكر واضح الأخطار في المفازات وعدد المنازل في المسافات".
ومن الغريب أنه وصل إلى فكرة الجغرافي الحديث في تدبره فائدة الموضوع بالنسبة للتعليم العام والثقافة فيقول: "وعلمت أنه باب لا بد منه للمسافرين والتجار، ولا غنى عنه للصالحين والأخيار، إذ هو علم ترغب فيه الملوك والكبراء وتطلبه القضاة والفقهاء، وتحبه العامة والرؤساء" ويرجع إلى مؤلفات الجغرافييين أمثال ابن خردذابة والجيهاني والبلخي والهمداني والجاحظ، فيعالج ميزاتهم وأخطائهم بصراحة.
_________________
(١) ١ Roger Bacon. R. Opus Majus Vol. ١، p. ١٥٢. ٢ نفيس أحمد. الفكر الجغرافي في التراث الإسلامي، ط٣ ترجمة: فتحي عثمان، دار العلم، بيروت، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م، ص٢٦٨.
[ ١٩٠ ]