من خلال ما قام به الباحث التاريخي من إجراءات توصل إلى مجموعة كبيرة من الحقائق في هيكل تصنيفي معين، وفي سياق تعليلي محدد، وعمله لا يكتمل إلا بالتدوين ويميز النقاد التاريخيون في هذه الخطوة بين عمليتين: عملية الصياغة وعملية العرض.
أ- الصياغة التاريخية: وهي آخر العمليات التركيبية، يسعى فيه المؤرخ للتعبير عن نتائج بحثه. وهي تقابل في العلوم الأخرى الدساتير أو القوانين التي تأخذ في بعض العلوم "صياغة رياضية" أما في التاريخ فالصياغة وصفية، دقيقة موجزة وهنا يصطدم
[ ١٧٤ ]
المؤرخ بمشكلة هي أول ما يجابهه وهي مشكلة "ما هو المهم" من الحقائق التاريخية، وفي أغلب الأحيان تستمد الحقيقة أهميتها من علاقتها ببيئة المؤلف وعصره وبهدفه أو أهدافه في كتابه التاريخ، ومن المؤكد أن هناك حقائق في كل موضوع بمثابة العمود الفقري منه، ولا معدى لجميع المؤرخين الذين يطرقونه عن الاستناد إليها، مهما كانت الظروف والعصر اللذان يعيشون فيهما، ومع ذلك فإنه يمكن القول: إن هذا لا يضمن اتفاقهم في القواعد العامة التي يصلون إليها، إذ قد يجد كل واحد منهم في الحقائق ذاتها معاني مختلفة.
وقضية ما هو مهم لها تفسيران: المهم في نظر الماضي والمهم الآن، والتاريخ العلمي الدقيق بحسب المؤرخ الألماني "فون رانكة١: ١٧٩٥-١٨٨٦م" هو القائم على المعنى الأول وهذا يتطلب توفر ما يسمى "الحاسة التاريخية" لدى الباحث، وهذا الاتجاه في الدراسة التاريخية، هو ما يعبر عنه بلفظ "الموضوعية" وهو الذي ساد في القرن "التاسع عشر"، وسعى المؤرخون خلاله أن يحققوا بهذا المثل الأعلى.
شاع التيار الثاني منذ مطلع القرن "العشرين" الذي تحدى فكرة "الموضوعية" على أساس أنها غير ممكنة التحقيق، ومع أنه من المتفق عليه مبدئيا أن الباحث الموضوعي ينتقي عادة من الحقائق ما كان لها أكبر النتائج على تطورات أتت بعدها، أو ما يمكن أن يستشف منها ما سيأتي، أو تلك التي انبثقت بشكل طبيعي مما سبقها، فإن النقادة التاريخية قد وضعوا بعض نقاط هادية في هذا الطريق، وميزوا بين ثلاثة أنواع من الحقائق: الحقائق العامة وهي المشتركة بين مجموع كبير من الناس أو الحقائق التي لها صفة أكثر ديمومة من غيرها "العادات، النظم" والحقائق الفردية أو الشخصية وهي التي تخص شخصية تارخية معينة، وحقائق الحوادث وتعتبر من الحقائق الخاصة لأنها تحدث مرة واحدة ومحددة بزمانها ومكانها.
_________________
(١) ١ كان على رأس المدرسة الوصفية في الكتابة التاريخية ومن أتباعها المؤرخان الفرنسيان شارل لانغلوا وشارل سينوبوس.
[ ١٧٥ ]
تدعم الصياغة الكمية الصياغة الوصفية للحقائق، وهي الآن عنصر حيوي في الكتابة التاريخية المعاصرة، ويمكن حصر الصيغة الكمية في التاريخ بـ: المقياس والتعداد وهو أمر إحصائي والتقدير وهو تعداد ناقص يقوم به الباحث في مجال محدود وأخذ العينات أو النماذج وهو تعداد نسبي مقصور على بعض وحدات مأخوذة من ميدان البحث.
قد تترجم الصيغة الكمية في التاريخ إلى صيغة خطية بيانيا معتمدا فيها الباحث على الوسائل الإحصائية المختلفة، كما أن الصيغة الوصفية تعتمد على صيغة مكانية بيانية توضحها طريقة ما فالصياغة التاريخية إذن هي تركيز وتكثيف مدون للحقائق التاريخية العديدة، ومحاولة لوضعها في صيغة عامة واحدة.
وفي الحقيقة إن عملية الصياغة التاريخية هي جزء من عملية التركيب التاريخي، إذ قد تقود إلى التعليل أو التعليل إلى الصياغة الصحيحة، وهي تركيز وتكثيف مدون للحقائق التاريخية العديدة، ومحاولة لوضعها في صيغة عامة واحدة، تسقط منها الحقائق المتغيرة وتبقى الثابتة والمشتركة منها.
ب- العرض التاريخي:
وهو إخراج الموضوع وحدة كاملة متماسكة الأطراف، بحيث يكون إحياء للماضي يتحسسه الباحث القارئ، وهذه الخطوة هامة وعسيرة، ويتبين في العرض أمران رئيسيان: أولهما اتباع الباحث مخططا واضحا وثانيهما استخدام الباحث أسلوبا كتابيا ملائما والعمليتان متكاملتان.
سوف نتحدث في موضع آخر عن كيفية كتابة تقرير البحث في مختلف مناهج البحث العلمي، مما يعفينا هنا من التفصيل في ذلك، وتكفي الإشارة إلى أن البحث العلمي يشمل في صورته التقليدية:
المقدمة، المتن، النتائج، الهوامش، بحيث يشمل مشكلة البحث والفرضية الأساسية
[ ١٧٦ ]
التي قام عليها البحث والفرضيات الثانوية التي تفرعت عنها، ثم طرائق الباحث في النقد والبحث والنتائج التي توصل إليها، وأخيرا قائمة بمراجع البحث والفهرسة الأبجدية والفهرسة العامة.
يعرف الباحث حقائقه بموجب الصيغة التي توصل إليها مترابطة ومتماسكة وشارحة وموضحة الواقع التاريخي الماضي، مع تأكيد على التعليل ومناقشة رصينة للآراء، ودعم بالأدلة والشواهد، وقد لا يستدل الباحث بمعنى مضمون الوثيقة فحسب، وإنما يقتبس من النص فقرة أو فقرات، وقد يتضح للباحث أثناء عرضه التاريخي أن هناك نواقص وثغرات في بحثه لا بد أن تستوفي، فيلجأ إلى بحث تلك النواقص، وقد يضطر إلى تعديل نتائجه بل وتغيير توضيع الفصول نفسها.
نشير بخاصة إلى أسلوب عرض البحث التاريخي، إذ أن الأسلوب الأدبي الصرف غير مستساغ أبدا في الكتابة التاريخية، لأنه قد يحرف الحقائق عن مسارها الدقيق، بما يطرحه من ألفاظ عامة، أو حاملة لصفة المبالغة، أو منجرفة وراء الخيال، فالكتابة التاريخية فن لا يمتلك ناصيته جميع المؤرخين، إنها كتابة بعيدة عن الإطناب الممل والاختصار المخل، بعيدة عن المبالغات أو التعصبات أو الإخلال بالموضوعية تظهر من خلالها شخصية الباحث الذي يجب أن يجلو قصة الإنسانية بوضوح وأمانة١.
_________________
(١) ١ Van Dalen، D. B "Unde٤rstanding educational research، ch.٧.
[ ١٧٧ ]