هذه المسألة مبنية على مشروعية قراءة المأموم، وهل يتحمل الإمام القراءة عن المأموم، أم يلزم المأموم قراءة الفاتحة؟
وهي مسألة طويلة الذيل. والخلاف فيها مشهور، والأدلة من الطرفين متنازعة. وليس هذا مقام بحثها، والنظر فيها اختيارًا وترجيحًا. وإنما سأكتفي هنا بتقرير أقوال المذاهب الفقهية فيها اختصارًا. فأقول مستعينًا بالله:
اختلف العلماء في مشروعية قراءة المأموم خلف الإمام على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يُستحب للمأموم القراءة في الصلاة السرية، وقراءة الفاتحة حال سكوت الإمام في الصلاة الجهرية. فلا يجب على المأموم قراءة مطلقًا. ويجب عليه السكوت والإنصات حال سماع قراءة إمامه مطلقًا.
وإلى هذا القول ذهب: المالكية، والحنابلة في المشهور عنهما ١.
القول الثاني: يجب على المأموم قراءة الفاتحة مطلقًا. سواء كانت الصلاة سرّية، أم جهرية.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في الأصح ٢.
القول الثالث: لا يُشرع للمأموم القراءة مطلقًا، ولو بفاتحة الكتاب. سواء كانت الصلاة سرية، أم جهرية.
وإلى هذا القول ذهب: الحنفية ٣.
_________________
(١) ١ انظر: بداية المجتهد ١/١٥٤، الفروع ١/٣٧٤، النكت والفوائد السنية ١/٥٥. ٢ انظر: المجموع ٣/٣٦٥، بداية المجتهد ١/١٥٤. ٣ انظر: فتح القدير ١/٣٤٠، بداية المجتهد ١/١٥٤.
[ ٢٦٧ ]
مشروعية تأمين المأموم لقراءة نفسه:
بناءً على ما تقدّم: فهل القائلون بمشروعية القراءة للمأموم متفقون على مشروعية التأمين لقراءة نفسه، أو لا؟
الذي يظهر: إن القائلين بمشروعية القراءة للمأموم، متفقون على مشروعية التأمين له. وقد صرّح الشافعية والحنابلة بذلك، وهو مقتضى قول المالكية. والله أعلم.
قال النووي: “التأمين سنة لكل مصلٍ فرغ من الفاتحة. سواء الإمام، والمأموم، والمنفرد. والرجل، والمرأة، والصبي. والقائم، والقاعد، والمضطجع. والمفترض، والمتنفل. في الصلاة السرية، والجهرية. ولا خلاف في شيء من هذا عند أصحابنا”١.
وقال ابن مفلح: (نقل الأثرم، فيمن قرأ خلف إمامه إذا فرغ من الفاتحة يؤمّن؟ قال: لا أدري. ما سمعت. ولا أرى بأسًا. وظاهره التوقف. ثم بين أنه سنة. ولعل توقفه، لأن الأخبار في تعليق التأمين بتأمين الإمام وقراءته. ذكره القاضي) ٢.
مشروعية تكرار التأمين للمأموم:
سبقت الإشارة إلى بيان آراء أصحاب المذاهب الفقهية في مشروعية القراءة للمأموم في الصلاة الجهرية. وأن الذين انفردوا بإيجاب ذلك على المأموم إنما هم الشافعية فقط. فعلى رأيهم: هل يُشرع للمأموم تكرار التأمين. بأن يؤمّن
_________________
(١) ١ المجموع ٣/٣٧١. ٢ الفروع ١/٣٧٤.
[ ٢٦٨ ]
لقراءة الإمام، ثم يؤمّن لقراءة نفسه؟
اتفق الشافعية على أن المأموم إذا قرأ الفاتحة بعد تأمينه لقراءة إمامه، أنه يُشرع له التأمين لقراءة نفسه.
وإنما اختلفوا إذا فرغ من قراءة الفاتحة قبل إمامه. هل يؤخر التأمين إلى حين فراغ إمامه من القراءة، فيكون تأمينه مرة واحدة، لقراءته، وقراءة إمامه معًا؟
قال النووي: “قال البغوي: فلو قرأ المأموم الفاتحة مع الإمام، وفرغ منها قبل فراغه، فالأولى أن لا يؤمّن حتى يؤمّن الإمام. وهذا الذي قاله فيه نظر. والمختار، أو الصواب: أنه يؤمّن مرة أخرى، لتأمين الإمام. قال السرخسي في الأمالي: وإذا أمّن المأموم بتأمين الإمام، ثم قرأ المأموم الفاتحة، أمّن ثانيًا، لقراءة نفسه. قال: فلو فرغا من الفاتحة معًا، كفاه أن يؤمّن مرة واحدة”١.
_________________
(١) ١ المجموع ٣/٣٧٣. وانظر: مغني المحتاج ١/١٦١، إعانة الطالبين ١/١٤٨.
[ ٢٦٩ ]