إذا انتظر المأموم تأمين إمامه، ليوافقه فيه، إلا أن الإمام ترك التأمين، أو لم يجهر به: نسيانًا، أو تعمدًا، أو كان ترك المأموم للتأمين نسيانًا، فلم يُؤمِّن بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة. حتى شرع الإمام في قراءة السورة بعدها. فهل يُشرع للمأموم تدارك التأمين، أو لا يُشرع له ذلك؟
اختلف العلماء القائلون بمشروعية التأمين. هل يُشرع الإتيان بالتأمين إذا شرع المصلي، أو الإمام في قراءة السورة بعد الفاتحة، أو لا؟ اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يُشرع تدارك التأمين والإتيان به بعد فوات وقته، بالشروع في قراءة السورة بعد الفاتحة. سواء أكان تركه للتأمين جهلًا، أم نسيانًا، أم تعمدًا.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في الأصح١، والحنابلة ٢.
قال النووي: “قال أصحابنا: إذا ترك التأمين حتى اشتغل بغيره، فات، ولم يعد إليه. وقال صاحب الحاوي: إن ترك التأمين ناسيًا فذكره قبل قراءة السورة، أمّن. وإن ذكره في الركوع، لم يؤمّن. وإن ذكره في القراءة، فهل يؤمّن؟ فيه وجهان مخرجان من القولين فيمن نسي تكبيرات العيد حتى شرع في القراءة. وذكر الشاشي هذين الوجهين، وقال: الأصح، لا يؤمّن. وقطع غيرهما بأنه لا يؤمّ،. وهو ظاهر نص الشافعي”٣. وقال البهوتي: “فإن ترك المصلي التأمين حتى شرع في قراءة السورة، لم يعد إليه، لأنه سنة فات محلها”٤.
القول الثاني: يُشرع للمصلي تدارك التأمين، وذلك بالإتيان به، وإن
_________________
(١) ١ انظر: الأم ١/١٠٩، حلية العلماء ٢/٩١، الحاوي ٢/١١٢. ٢ انظر: المغني ٢/١٦٢، الكافي ١/٢٩٢، كشاف القناع ١/٣٩٦. ٣ المجموع ٣/٣٧٣. ٤ كشاف القناع ١/٣٩٦.
[ ٢٦٥ ]
شرع هو، أو الإمام في قراءة السورة بعد الفاتحة.
وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في قول ١.
واحتج أصحاب القول الأول، بقولهم:
إن التأمين وقته عقب الفراغ من قراءة الفاتحة. فإن لم يأت به حتى انتقل إلى قراءة السورة، فهو سنة فات محلها، فلا يُشرع تداركها، كالاستفتاح ٢.
ولعل أصحاب القول الثاني يحتجون، بقولهم:
إن تدارك المأموم للتأمين ممكن، لأن الإمام لم ينتقل إلى ركن آخر، والقراءة متصلة، والتأمين غير مشغل عن الاستماع والإنصات، لكونه يسيرًا.
* الرأي المختار:
ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من عدم مشروعية تدارك التأمين بعد فوات وقته، بالشروع في قراءة السورة بعد الفاتحة، هو الرأي المختار. لما يلي:
١. وقت التأمين إنما هو بعد الفراغ من الفاتحة، وقبل الشروع في القراءة بعدها. فمن فاته التأمين في ذلك الوقت، فقد فاته التأمين، لأنه سنة فات محلها.
٢. إن التأمين سنة مؤقتة، فمن لم يؤده في وقته المشروع، فلا يُشرع له قضاؤه، أو تداركه.
٣. إن القول بمشروعية قضاء التأمين، أو تداركه قبل الركوع، يترتب عليه أحد أمرين:
أ. إما أن تكون صفة التدارك والقضاء على خلاف صفة الأداء، لأن الأداء كان جهرًا، والتدارك كان سرًا.
ب. وإما أن تكون صفة التدارك جهرًا، كصفة الأداء، وفي ذلك من التشويش على الإمام والمأمومين ما لا يخفى. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: حلية العلماء ٢/٩١، الحاوي ٢/١١٢، المجموع ٣/٣٧٣، مغني المحتاج ١/١٦١. ٢ انظر: المغني ٢/١٦٢، الكافي ١/٢٩٢، كشاف القناع ١/٣٩٦.
[ ٢٦٦ ]