لا خلاف بين العلماء - رحمهم الله تعالى - أن من ترك التأمين بعد فراغه من قراءة الفاتحة، فصلاته صحيحة، لأن التأمين ليس ركنًا من أركان الصلاة ١.
ولا خلاف بين عامة العلماء أيضًا: أن (آمين) ليست من الفاتحة ٢. قال شيخ الإسلام: “ وهم - أي: الصحابة ﵃ قد جرّدوا المصحف عما ليس من القرآن حتى إنهم لم يكتبوا التأمين “٣. وحكاه بعضهم إجماعًا ٤.
واتفقوا: على أنه لا يسجد لتركها ٥. فعن ابن جريج أنه قال لعطاء: نسيتُ آمين. قال: لا تعد، ولا تسجد للسهو ٦.
وإنما اختلفوا في المراد بهذه المشروعية. وهل يختلف حكم التأمين بين الإمام والمأموم والمنفرد، أم يستوون في ذلك؟
اختلفوا في ذلك على أقوال عدة:
القول الأول: إن التأمين مستحب. فيندب للمصلي الذي يُشرع له التأمين. سواء كان إمامًا، أم مأمومًا، أم منفردًا، الإتيان بهذه السنة الثابتة عن النبي ﷺ والمحافظة عليها، اتباعًا واقتداءً برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ في صلاتهم.
_________________
(١) ١ انظر: المهذب ١/٧٢. ٢ انظر: البحر الرائق ١/٣٣١، حاشية ابن عابدين ١/٤٩٢. ٣ مجموع فتاوى ٢٢/٢٧٨. ٤ انظر: حاشية الروض ٢/٣٠. وأشار الطحطاوي في حاشيته ص ١٧٥ إلى شيء من الخلاف في ذلك، فقال: (قوله: وليس من القرآن. حكى في الشرح عن المجتبى الخلاف في أنه من القرآن) . ٥ انظر: الأم ١/١٠٩، مسائل ابن هانئ ١/٥٢، الحاوي ٢/١١٢، الشرح الصغير ١/٥٢٩. ٦ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٢/٩٩ (٢٦٥٤) .
[ ٢٢٥ ]
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء١. ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة: “ أبو حنيفة٢، ومالك٣، والشافعي٤، وأحمد ٥“) .
القول الثاني: إن التأمين واجب على كل مصلٍ.
وإلى هذا القول ذهب: الظاهرية ٦.
القول الثالث: إن التأمين واجب على المأموم وحده، دون الإمام.
_________________
(١) ١ انظر: سبل السلام ١/١٧٤، نيل الأوطار ٢/٢٤٥. ٢ انظر: حاشية ابن عابدين ١/٤٩٣. ٣ انظر: القوانين الفقهية ص ٦٨، الشرح الصغير ١/٤٤٨، شرح منح الجليل ١/١٥٦. تنبيه: ذهب ابن جزي، وخليل، وشُرَّاح مختصره إلى عدم التفريق بين تأمين الإمام في الصلاة السرية، وتأمين غيره من مأمومٍ وفذٍ، وأن ذلك من مستحبات الصلاة ومندوباتها. وفرق ابن رشد في المقدمات بين تأمين المأموم، وتأمين الإمام في السرية، والمنفرد. فقال ١/٨٤: (وأما سنن الصلاة، فثمان عشرة - ثم ذكر منها - وتأمين المأموم، إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾) . ثم ذكر مستحبات الصلاة فقال ١/٨٥: (وأما مستحبات الصلاة، فثمان عشرة - ثم ذكر منها - والتأمين بعد قراءة أم القرآن، للفذ، وللإمام فيما يُسر فيه) . والفرق بين السنن والمستحبات في الصلاة عند المالكية، أن السنن يُشرع سجود السهو لتركها، دون المستحبات. وأما القاضي عبد الوهاب في التلقين ١/١٠٢، فعدّ من سنن الصلاة التأمين بعد أم الكتاب. ولم يفرق بين إمام ومأموم وفذ. ٤ انظر: الأم ١/١٠٩، الوسيط ٢/١١٩، المنهاج مع نهاية المحتاج ١/٤٨٨، إعانة الطالبين ١/١٤٥، الإقناع ١/١٤٣، فتح الوهاب ١/٧٣. ٥ انظر: مسائل ابن هانئ ١/٥٢، الشرح الكبير٣/٤٤٧. ٦ انظر: فتح الباري ٢/٢٦٤، سبل السلام ١/١٧٤، نيل الأوطار ٢/٢٤٥. تنبيه: نسب هذا للظاهرية، ابن حجر، وتبعه على ذلك الصنعاني، والشوكاني. والثابت عن ابن حزم الظاهري، التفريق بين المأموم وغيره.
[ ٢٢٦ ]
وإلى هذا القول ذهب: بعض أهل العلم١. وابن حزم٢، واختاره الشوكاني إذا أمّن الإمام ٣.
القول الرابع: يكره التأمين لمن لا يُشرع في حقه التأمين، وهو الإمام.
وإلى هذا القول ذهب: المالكية في المشهور، وهي رواية ابن القاسم عن مالك ٤.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: (حكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم) . فتح الباري ٢/٢٦٤. ٢ انظر: المحلى ٣/٢٦٢. ٣ انظر: نيل الأوطار ٢/٢٤٦. ٤ تقدم بيان القول المشهور في المذهب، وأنه القول بعدم المشروعية للإمام. وبيان أن المراد بالمشروعية عند المالكية: الندب والاستحباب، فما لم يكن مستحبًا، فهو مكروه. ولذا لما ذكر ابن جزي ص ٩٥ جملة ً من المكروهات في الصلاة، قال: (وكذلك ما هو ضد للفضائل والمستحبات) . وانظر: الشرح الصغير ١/٤٦٨.
[ ٢٢٧ ]