المبحث الرابع: حكم التأمين عقب الفاتحة
المراد بحكم التأمين: بيان مشروعيته وعدمها، ثم بيان نوع المشروعية، أو عدمها من الأحكام التكليفية، كالوجوب، أو الندب، أو الكراهة، أو غيرها.
وقراءة الفاتحة إما أن تكون في الصلاة، وإما أن تكون خارجها، والذي يعنينا في هذه الدراسة، هو التأمين عقب الفاتحة في الصلاة، إلا أنه إتمامًا للبحث فسأقدم لحكم التأمين عقب الفاتحة خارج الصلاة.
التأمين عقب الفاتحة خارج الصلاة:
يُشرع لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين. قال ابن الهمام: “مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة. اعلم أن السنة الصحيحة الصريحة الثابتة تواترًا قد دلّت على ذلك”١.
والدليل على مشروعية التأمين لمن يقرأ الفاتحة، ما رواه وائل بن حجر ﵁ قال: ” سمعت رسول الله ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين. مدّ بها صوته “٢.
وظاهر هذا الحديث: مشروعية التأمين لمن يقرأ الفاتحة مطلقًا، سواء أكانت القراءة في الصلاة، أم خارجها. قال ابن كثير: “قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي. وسواء كان منفردًا، أو إمامًا، أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال، لما جاء في الصحيحين عن أبي
_________________
(١) ١ فتح القدير ١/٢٥. ٢ سيأتي تخريجه عند الاستدلال به في الفرع الأول، من المبحث الثالث. وانظر: تفسير ابن كثير ١/٣٢.
[ ١٩٢ ]
هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “ إذا أمّن الإمام، فأمّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه “ ١.
ومما يؤكد هذا الإطلاق، وأنه يُشرع التأمين عَقِب ٢قراءة الفاتحة، وإن كانت القراءة خارج الصلاة، حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “ إذا قال أحدكم: آمين. وقالت الملائكة في السماء: آمين. فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه “ ٣. ولما كان الحديث مطلقًا لم يُقيّد هذا التأمين بكونه في الصلاة، ترجم له البخاري بـ: (باب فضل التأمين) . قال ابن حجر: “أورد فيه رواية الأعرج، لأنها مطلقة غير مقيّدة بحال الصلاة”٤. وقال في التلخيص الحبير: “روى البخاري في الدعوات من صحيحه من حديث أبي هريرة رفعه: “ إذا أمّن القارئ فأمّنوا “ فالتعبير بالقارئ أعمّ من أن يكون داخل الصلاة، أو خارجها، وفي رواية لهما: “ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال من خلفه: آمين “ الحديث. وقد تقدّم حديث الدارقطني، والحاكم بلفظ: “ كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن قال: آمين. “) ٥.
وقد يُقال أيضًا: إن حديث أبي هريرة مع إطلاقه، وعدم تقييده ذلك بالصلاة،
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٣٢. وانظر: زاد المسير ١/١٦، روضة الطالبين ١/٢٤٧.التبيان ص ٦٦ المجموع ٣/٣٧١مغني المحتاج ١/١٦٠، نهاية المحتاج ١/٤٨٩، منتهى الإرادات ١/٢١٠كشاف القناع ١/٣٩٦. (فائدة) قال في مغني المحتاج ١/١٦١: (ويجوز في عقب: ضم العين، وإسكان القاف. وأما قول كثير من الناس عقيب بياء بعد القاف، فهي لغة قليلة) . وانظر: نهاية المحتاج ١/٤٨٩. ٣ متفق عليه. ٤ فتح الباري ٢/٢٦٦. ٥ التلخيص الحبير ١/٢٣٩.
[ ١٩٣ ]
يتناول عمومه السامع أيضًا. فليس هذا الفضل مختصًا بالقارئ وحده.
والذي يظهر لي: أن المراد بالتأمين هنا في حديث أبي هريرة ﵁:التأمين في الصلاة، لا خارجها.
يدلّ لذلك ما جاء في رواية مسلم: “ إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين ” الحديث. فتُحمل هذه الرواية المطلقة، وكذلك رواية البخاري: “إذا أمّن القارئ، فأمّنوا..” الحديث ١. إذ يتناول إطلاقها كل قارئ، سواء أكان في الصلاة، أم خارجها، على الرواية المقيدة ذلك بالصلاة. فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه٢. ولذا ذهب بعض العلماء إلى القول بأن التأمين خارج الصلاة، إنما طريقه القياس على القراءة في الصلاة ٣. والله أعلم.
التأمين عقب الفاتحة في الصلاة:
مشروعية التأمين بعد الفراغ من قراءة الفاتحة في الصلاة، هل هي لكل مصلٍ، سواء أكان إمامًا، أم مأمومًا، أم منفردًا، أم أن ذلك خاص بالمأموم وحده بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ هذا ما سأعرض له في هذا المبحث في المطالب التالية:
المطلب الأول: مشروعية التأمين للإمام.
المطلب الثاني: مشروعية التأمين للمأموم.
المطلب الثالث: مشروعية التأمين للمنفرد.
المطلب الرابع: المراد بمشروعية التأمين.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الدعوات ٧/١٦٧. ٢ انظر: فتح الباري ٢/٢٦٦. ٣ انظر: المنهج القويم ١/١٩٤.
[ ١٩٤ ]