للمسافر الفطر (ع)، وهو مَنْ له القصر (و)، وإن صام أجزأه، نقله الجماعة (و) ونقل حنبلٌ: لا يعجبني، واحتج بقوله ﵇: «ليس من البر الصوم في السفر» . وعمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة، وقاله الظاهرية، ويروى عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، والسنة الصحيحة ترد هذا القول (١)، ورواية حنبل تحتمل عدم الإجزاء، ويُؤيِّده كثرة تفرُّدِ حنبلٍ، وحَمْلُها على رواية الجماعة أولى، ولهذا نقل حرب: لا يصوم. قال حرب: يقوله بتوكيد. ونقل أيضًا: إن صام أجزأه. ولكن ذلك يدل على أنه يُكرَه. وسأله إسحاق بن إبراهيم عن الصوم فيه لمن قوي؟ فقال: لا يصوم. وحكاه صاحب «المحرر» عن الأصحاب، قال: وعندي لا يكره إذا قوي عليه، واختاره الآجري، وظاهر كلام ابن عقيل في «مفرداته» وغيره: لا يُكرَه، بل تَرْكُه أفضلُ، وليس الفطر أفضل٤٥ (٢)
_________________
(١) قوله: «والسنة الصحيحة ترد هذا القول» لاشك أنها ترده، فقول الظاهرية - ﵏ - وكذلك من وافقهم: بأن صوم المسافر لا يجزئه؛ لأنه حرام، هو على القاعدة بلا شك، فإذا كان حرامًا فلا يجزئ، لكن من يقول: إن صوم المسافر يجزئ أجابوا عن ذلك، وقالوا: لأن الله - تعالى - قال: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥] فأوجب عليه عدةً من أيام أخر، فيقال لهم: المعنى على حذف: من كان مريضًا أو على سفر فأفطر، والدليل على وجوب هذا التقدير فعل النبي ﷺ في السفر، فإنه كان يسافر ويصوم ويفطر، وأصحابه يصومون ويفطرون.
(٢) وفي نسخة «وليس الصوم أفضل» وهذا هو الظاهر [قال المرداوي - ﵀ - في «تصحيح الفروع» (٤/٤٤١): (تنبيه: قوله «وليس الفطر أفضل» صوابه: وليس الصوم أفضل) ا. هـ.] بأن الصوم أفضل؛ لأن الأئمة الثلاثة - ﵏ - يرون: أن الصوم أفضل، وقولهم هو الصحيح، أن الصوم أفضل، بشرط أن لا يكون هناك مشقة..
[ ١٠٨ ]
(خ)، وفرق بينه وبين رخصة القصر، أنها مجمع عليها، تبرأ بها الذمة. ورُدَّ بصوم المريض، وبتأخير المغرب ليلة المزدلفة، وسبق في القصر حكم من سافر ليفطر (١) . ولا يجوز للمريض والمسافر أن يصوما في رمضان عن غيره (وم ش) كالمقيم الصحيح (و)؛ لأنه لو قَبِل صوما من المعذور قَبِلَه من غيره، كسائر الزمان المتضيق
لعبادة، ولأن العزيمة تتعين برد الرخصة، كترْكِ الجمعة، لعذر لا يجوز صرْفُ ذلك الوقت في غيره، فعلى هذا: هل يقع صومه باطلًا؟ (وم ش) أم يقع ما نواه؟ هي مسألة تعيين النية، ومذهب (هـ) يجوز عن واجب للمسافر، ولأصحابه خلاف في المريض؛ لأنه لا يُخيَّر، بل إن تضرر، لزمه الفطر، وإلا لزمه الصوم، والأصح عن (هـ) لا يصح النفل، ولنا قول: للمسافر صوم النفل فيه، وعلى المذهب: لو قلب صوم رمضان إلى نفلٍ، لم يصح له النفل، ويبطل فرضه إلا على رواية عدم التعيين.
_________________
(١) من سافر ليفطر حرم السفر، وحرم الفطر؛ لأن ذلك حيلة لإسقاط واجب والحيلة لإسقاط واجب لا تسقطه، كما أن الحيلة لفعل محرم لا تبيحه، فبناءًا على ذلك نقول: إنه لا يقصر الصلاة؛ لأنه في سفر محرم. ولا يمسح ثلاثة أيام، ولا يترخص بأي رخصةٍ من رخص السفر، إذا قلنا: إنه يشترط للرخص أن يكون السفر مباحًا، أما إذا قلنا: بأن الرخص تفعل حتى في السفر المحرم فإنه يترخص بالرخص، لكن مع الإثم؛ لأن المسألة فيها قولان: هل يشترط لجواز الترخص برخص السفر: أن يكون السفر مباحًا، فيشمل الواجب، والمسنون، والمباح، أو أنه لا يشترط؟ المشهور من المذهب: أنه يشترط أن يكون مباحًا، وأن السفر المكروه والسفر المحرم لا رخصة فيه.
[ ١٠٩ ]
ومن نوى الصوم في سفره، فله الفطر (و) بما شاء (وهـ ش) لفطره ﵇، في الأخبار الصحيحة، ولأن من له الأكل له الجماع، كمن لم ينو، وذكر جماعة منهم الشيخ: أنه يفطر بنية الفِطْرِ، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا: لا كفارة بالجماع (وهـ ش) اختاره القاضي وأكثر أصحابنا، قاله صاحب «المحرَّر»، وذكر بعضهم رواية: يُكفِّر، وجزم به على هذا، وهو أظهر، وعنه: لا يجوز بالجماع (وم)؛ لأنه لا يقوي على السفر، فعلى هذا: إن جامع كفر (وم ر) . وعنه: لا؛ لأن الدليل يقتضي جوازه، فلا أقل من العمل به في إسقاط الكفارة (وم ر) لكن له الجماع بعد فطره بغيره، كفطره بسبب مباح، ومذهب (م) الأكل والشرب كالجماع (١) .
_________________
(١) والصواب أن المسافر يفطر بما شاء، بأكلٍ، أو شربٍ، أو جماع، وقولهم: إنه «لا يقوي على السفر» إن سُلِّم ذلك فإنه قد تكون شهوة الجماع عند المسافر أشد من شهوة الأكل والشرب، كشاب تزوج حديثًا، وسافر مع أهله، فإنه قد لا يخطر بباله الأكل والشرب إطلاقًا، وإنما يخطر بباله الاستمتاع بالزوجة، فيجامع، فنقول له: لا كفارة عليه، ولا إثم عليه؛ لأن الله - تعالى - أباح له الفطر بأي سبب يفطر به..وأما القول: بأنه إذا نوى الجماع أفطر فهذا فيه نظر؛ لأن الإنسان إذا نوى أن يفعل محظورًا ولم يفعله لم يؤثر، كما لو نوى أن يتكلم وهو يصلي، ثم لم يتكلم، فإنه لا تبطل صلاته، وكذلك لو نوى أن يأكل ولكن لم يأكل، فإن صومه لا يبطل، وكذلك لو تردد في نية الفطر، فقال: أُفطر أَو لا أُفطر؟ فلاشيء عليه، ولا يبطل صومه، ولا يفطر، إلا إذا قصد أنه أبطل الصوم وقطعه، فهذا يبطل، والحاصل: أن كل من نوى محظورًا في عبادةٍ فإن عبادته لا تفسد بهذه النية حتى يفعله، والحديث في هذا واضح، وهو قول النبي ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» [أخرجه البخاري في العتق/باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه (٢٥٢٨)؛ ومسلم في الأيمان/باب إذا هم العبد بحسنة (١٢٧) .]، ولو نوى أن يحدث في الصلاة، ولم يحدث، فصلاته صحيحة، أما لو نوى قطع العبادة فإنها تبطل.
[ ١١٠ ]
والمريض الذي يباح له الفطر، كالمسافر، ذكره الشيخ، وصاحب «المحرَّر»، وغيرهما، وجعله القاضي، وأصحابه، وابن شهاب في كتب الخلاف أصلا للكفارة على المسافر، بجامع الإباحة، وجزم جماعة بالإباحة على النفل، ونقل مهنا في المريض يفطر بأكل، فقلت: يجامع؟ قال: لا أدري، فأعدت عليه، فحول وجهه عني (١) . والمريض الذي ينتفع به بالجماع، كمن يخاف تشقق أنثييه لا يكفر (٢) .
_________________
(١) هكذا العلماء ﵏، فالإمام أحمد - ﵀ - قال: لا أدري، فلما أعاد عليه صرف وجهه؛ لأن الكلام لا يحتاج إلى تكرار، وقوله: «لا أدري» يعني متوقف، فإذا أعاد عليه السؤال لم يستحق الجواب؛ ولهذا صرف وجهه، والقول الراجح: أنه لا بأس، فإذا قال قائل: المريض قد اشتغل بنفسه، فكيف يجامع، فالمسافر لا إشكال فيه، فلا يؤثر السفر على محبة الجماع؟ فالجواب: أن المريض قد يقع منه الجماع، وكون المريض غالبًا لا يشتهي النكاح لا يدل على أنه ممتنع، فإذا اشتهى المريض - وهو صائم - أن يجامع زوجته فلا نقول له: لا تجامعها، أو كُل أولًا ثم جامع، بل نقول له: لك أن تجامع، وربما يكون هذا شفاءًا لك.
(٢) هذا استثناء مما سبق، فإذا تحققنا أنه ينتفع بالجماع فهو أشبه بما لو تحققنا أنه ينتفع بالأكل والشرب.
[ ١١١ ]
ومن نوى الصوم، ثم سافر في أثناء اليوم طوعًا أو كرهًا، فالأفضل أن لا يفطر، ذكره القاضي، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغيرهم، ويعايا بها، وله الفطر؛ لظاهر الآية، والأخبار الصريحة، وكالمرض الطارئ ولو بفعله، والصلاة لا يشق إتمامها وهي آكد؛ لأنها متى وجب إتمامها، لم تقصر بحال (١)، وكما يفطر بعد يوم سفره (و) خلافًا لعبيدة، وسويد بن غَفَلَة، وأبي مِجْلَز، فعلى هذا: لا يفطر قبل خروجه؛ لأنه ليس بمسافر، خلافا للحسن وإسحاق، وعطاء، وزاد: ويقصر، وعنه: لا يجوز (و): لا يجوز بجماع، فعلى المنع: يُكفِّر من وطئ (هـ م ر)، وجعلها بعضهم كمن نوى الصوم في سفره، ثم جامع، ودعوى أن الخلاف شبهة في إسقاط الكفارة ممنوع، ولا دليل عليه، وأبطله صاحب «المحرَّر» بالوطء بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فإنه زمن مختلف في وجوب صومه، فإن الأعمش وغيره لم يوجبوه، ويبطل عند الحنفي بوطئه
_________________
(١) وهذا رد لقول من يقول: إذا نوى الصوم ثم سافر لزمه الصوم، قالوا: كما لو شرع في الصلاة ثم سافر في أثناء الصلاة، وهذا يقع في السفينة - مثلًا - أو في المركب، يكون - مثلًا - في الميناء، ثم يشرع في الصلاة فتمشي، فهنا يلزمه الإتمام وليس له القصر؛ لأنه شرع فيها على أنها كاملة، والشروع في الشيء يبقي الشيء على ما هو عليه، ولهذا قلنا فيما إذا ائتم قادر على القيام بإمام قادر على القيام ثم اعتل في أثناء الصلاة فنقول إنه يلزم المأمومين الإئتمام قيامًا، بخلاف ما لو ابتدأ بهم الصلاة قاعدًا فإنهم يصلون قعودًا. فإذا قال قائل: الصلاة إذا سافر في أثنائها فإنه يتمها فكذلك الصائم إذا سافر في أثناء اليوم فإنه يصوم ويبقى على صومه؟ أجاب المؤلف ﵀ بأن هذا يختلف عن الصلاة، فالصلاة آكد، وهي تتكرر، وأما الصوم فهو دون الصلاة في الآكدية ولا يتكرر.
[ ١١٢ ]
في مسيرة يومين، ويبطل عند الحنفية، وأكثر المالكية بالوطء قبل خروجه عند إرادة سفره، وبعض المالكية، قال: لا كفارة، وبعضهم قال: وإن لم يسافر (١) .
_________________
(١) يعني: على هذا القول يجوز أن تفعل جميع المفطرات قبل أن تركب للسفر، حتى ولو تركت السفر، وهذا يفتح باب التحايل، فيقول الإنسان: نويت أن أسافر، ثم يجامع زوجته، ثم يقول: تراجعت عن سفري، وعلى كل حال فلا يجوز للإنسان أن يترخص بأي رخصة من رخص السفر حتى يغادر البلد، ولا يشترط أن يبعد عنها حتى لا يراها، بل لو خرج عنها ذراعًا فقط فله أن يترخص برخص السفر، ولكن إذا لم يتيسر له السفر كما لو خرج من بلده قاصدًا المطار على أنه سيسافر فأفطر، ثم لم يحصل له ركوب الطائرة فرجع للبلد، فهنا هل يبقى على فطره، أو يلزمه الصوم؟ هذا ينبني على الخلاف في المسافر إذا قدم مفطرًا، هل يلزمه الصوم؟ والصحيح أنه لا يلزمه.
[ ١١٣ ]