من أكل شاكا في غروب الشمس (١) ودام شكه، أو أكَلَ يظن بقاء النهار، قضى (ع) (٢)، وإن بان ليلًا، لم يقض، وعبارة بعضهم: صح صومه. وإن أكل يظن الغروب، ثم شك ودام شكه، لم يقض. وإن أكل شاكًّا في طلوع الفجر. ودام شكه، لم يقض (م)، وزاد: ولو طَرَأ شكه؛ لما سبق في الفصل قبله، ولأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمان الشك منه، وإن أكل يظن طلوع الفجر، فبان ليلًا، ولم يجدد نية صومه الواجب، قضى، كذا جزم به بعضهم، وما سبق من أن له الأكل حتى يتيقن طلوعه، يدل على أنه لا يمنع نية الصوم وقصده غير اليقين، والمراد - والله أعلم - اعتقاد طلوعِهِ، ولهذا فرض صاحب «المحرر» هذه المسألة فيمن اعتقده نهارًا، فبان ليلًا؛ لأن الظَّانَّ شاك، ولهذا خصوا المنع باليقين، واعتبروه بالشك في نجاسة طاهر، ولا أثر للظن فيه، وقد يحتمل أن الظن والاعتقاد واحد، وأنه يأكل مع الشك والتردُّدِ ما لم يظن ويعتقد النهار.
_________________
(١) قوله: «من أكل شاكًا في غروب الشمس» هنا يقضي بالإجماع؛ لقول النبي ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا» وأشار إلى المشرق، «وأدبر النهار من هاهنا» وأشار إلى المغرب، «وغربت الشمس» [سبق تخريجه]، أما قبل غروبها فلا يجوز مع الشك، والظن درجة فوق الشك.
(٢) قوله: «أو أكل يظن بقاء النهار» هنا يقضي، وفيه مسائل: من أكل وهو يظن بقاء النهار، فهذا لاشك أنه يقضي، ومن أكل وهو يجزم ببقاء النهار، فهذا يقضي، وإذا أكل شاكًا في بقاء النهار أيضًا يقضي، وإذا أكل جازمًا بزوال النهار لا يقضي، وإذا أكل ظانًا زوال النهار، لا يقضي على القول الراجح، حتى وإن تبين له أنه في النهار.
[ ١٦٧ ]
وإن أكل يظن أو يعتقد أنه ليل، فبان نهارًا في أوله أو آخره، فعليه القضاء (و)؛ لأن الله أمر بإتمام الصيام، ولم يتمه، وقالت أسماء: أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام بن عروة - وهو راوي الخبر -: أمروا بالقضاء؟ قال: لا بُدَّ من قضاء. رواه أحمد والبخاري، ولأنه جهل وقت الصوم فهو كالجَهْلِ بأول رمضان (١)، وصوم المطمور ليلًا بالتحري، بل أولى؛ لأن إمكان التحرز من الخطأ هنا أظهر، والنسيان لا يمكنه التحرُّزُ منه، وكذا سهو المصلي بالسلام عن نَقْصٍ، ولا علامة ظاهرة، ولا أمارة سوى عِلمِ المصلي، وهنا علامات، ويمكن الاحتياط والتحفُّظُ، وتأتي رواية (٢): لا قضاء على من جامع جاهلًا بالوقت، واختاره شيخنا، وقال: هو قياس أصول أحمد وغيره.
_________________
(١) قوله: «بد من قضاء» أي: لا بد من القضاء، هذا رأي هشام بن عروة، وأبوه أعلم منه؛ لأن أباه عروة أحد الفقهاء السبعة في المدينة، قال: إنهم لم يقضوا، وقول هشام ﵀: «بد من قضاء» واضح أنه قاله تفقهًا من عنده، ولكن الصحيح أنهم لم يأمروا بالقضاء، وأن صيامهم صحيح؛ لأنه داخل في عموم قوله ﷾: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: «قد فعلت» [سبق تخريجه] .
(٢) وهذه رواية عن الإمام أحمد - ﵀ -، وهو أنه لا قضاء على من جامع جاهلًا بالوقت، مع أن الجماع هو أشد أنواع المفطرات، وهذه الرواية عن الإمام أحمد - ﵀ - هي الصواب بلا شك، الموافقة لظاهر الكتاب والسنة.
[ ١٦٨ ]
وسبق قوله فيمن أفْطَرَ، فبان رمضان، واختار صاحب «الرعاية»: إن أكل يظن بقاء الليل، فأخطأ، لم يقض؛ لجهلِهِ، وإن ظن دخوله، فأخطأ، قَضَى، وصح عن عمر - ﵁ - في الصورة الثانية روايتان، إحداهما: القضاء والأمر به. والثانية: لا نقضي ما تجانَفْنا لإثمٍ. وقال: قد كنا جاهلين. فعلى هذا: لا قضاء في الصورة الأولى. وقاله فيهما الحسن، وإسحاق، والظاهرية. وقاله في الأولى مجاهد، وعطاء، وبعض الشافعية، والله أعلم.
ولو أكل ناسيًا، فظن أنه قد أفطر، فأكل عمدًا، فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم، فيه الخلاف السابق. وقال صاحب «الرعايةِ»: يصح صومه، ويحتمل ضِدُّه، كذا قال (١) .
_________________
(١) هذه المسألة تقع، وهي: من أكل ناسيًا فظن أنه فسد صومه، فاستمر في الأكل، في الصورة الأولى ليس عليه القضاء، بنص الحديث: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» [أخرجه البخاري في الصوم/باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا (١٩٣٣)؛ ومسلم في الصيام/باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر (١١٥٥) .]، لكن من أكل وهو يظن أنه أفطر فهنا لا يفسد صومه بالأكل الثاني، وتأتي مسألة الجهل بالحكم، والصواب أنه لا فطر مع الجهل بالحكم، وعلى هذا فلا فطر عليه، وحكى لنا أُناس صورة شبه هذه في زمن سبق، وهي: أن شخصًا اشترى عنبًا لأهله في رمضان، وحمله على رأسه وهو صائم، وجعل يأكل ويأكل، فانتهت العناقيد، فلما بقي حبة واحدة، قال: إن كنت أفطرت بما سبق فهذه تكمل الفطر، وإن كنت لم أفطر فهذه لن تضر بالصيام، فأكلها! فهذا حكمه أنه جاهل، جاهل، فعلى القول بأن الجهل بالحكم لا يكون به فطر نقول: إن هذا صيامه صحيح، لكن قد يقال: إن هذا أخطأ من وجه، وفرط، ويجب عليه أن يسأل، فيكون هذا الاجتهاد في غير موضعه.
[ ١٦٩ ]