وإن ثبتت رؤيته بمكان قريب أو بعيد، لزم جميع البلاد الصوم، وحُكْمُ من لم يره كمن رآه، ولو اختلفت المطالع، نص عليه (و) ذكره جماعة؛ للعموم، واحتج القاضي والأصحاب وصاحب «المغني» و«المحرر» بثبوت جميع الأحكام، فكذا الصوم.
كذا ذكروه، ومن يخالف في الصوم مع الاحتياط للعبادة لا أظنه يُسلِّمُ هذا (١)، ولهذا -على المَذْهب- يجب مع الغيم، ولا تثبت الأحكام، واحتج بعضهم بأن ضابط اختلاف المطالع من جهة المُنَجِّمينَ.
كذا قال (٢) .
_________________
(١) وهذا - أيضًا - صحيح، لأنه إذا قلنا: إنه يلزم جميع الناس الصوم فإنه لا يلزم أن نقول: يلزمهم بقية الأحكام. والخلاصة في كلام المؤلف: أن هذا القول يقول: إنه إذا ثبتت رؤية الهلال ثبوتًا شرعيًا، في أي مكان من الأرض، شرقًا أو غربًا، شمالًا أو جنوبًا، لزم الصوم جميع الناس، وهذا هو المذهب، وهو الذي نص عليه الإمام أحمد ﵀، مع أن هذا القول في عصرنا الآن لا يكاد يعرف، فأكثر الناس اليوم يظنون أن المسألة مبنية على اختلاف المطالع، أو على اختلاف الدول، لكن المذهب في هذه المسألة أنه متى ثبت رؤيته في المغرب لزم أهل المشرق، يعني يلزم جميع الناس؛ للعموم، وهو: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» .
(٢) قوله: «كذا قال» هذا صحيح؛ لأن اختلاف المطالع محسوس، وليس الاختلاف من جهة المنجمين، والمنجم قوله مبني على الظن والتخمين، أما اختلاف المطالع فهذا أمر محسوس، فكما يختلف بالجهات طلوع الشمس وغروبها، كذلك يختلف طلوع الهلال وغروبه.
[ ٨٦ ]
وأجاب القاضي عن قول المخالف: الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها، وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه، كذا الهلال؟ فقال: يتكرر مراعاتها في كل يوم، فتَلحَقُ المشقة في اعتبار طلوعها وغروبها؛ فيؤدي إلى قضاء العبادات، والهلال في السنة مرَّةٌ، فليس كبير مشقَّةٍ في قضاء يوم. ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية (١)، وسبق قول أحمد أول المواقيت: الزوال في الدنيا واحد. لعله أراد هذا، وإلا فالواقع خلافه (٢) .
وقال شيخنا: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا. قال: فإن اتفقَتْ، لزم الصوم، وإلا فلا. وفاقا للأصح للشافعية.
واختار صاحب «الرعاية» البعد مسافة قصر، فلا يلزم الصوم (٣)، وفي «شرح مسلم»: أنه الأصح للشافعية، واختار بعض الشافعية: البعد اختلاف الإقليم.
_________________
(١) هذا رد على الذين قالوا: دليل المسألة في العموم يقتضي التسوية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهو كقوله ﷺ: «وإذا رأيتموه فأفطروا»، وقال النبي ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» [أخرجه البخاري في الصوم/باب متى يحل فطر الصائم (١٩٥٤)؛ ومسلم في الصيام/باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار (١١٠٠) .]، ومن المعلوم: أنه لا يفطر أهل المغرب بفطر أهل المشرق، فلا فرق.
(٢) معنى كلام الإمام أحمد - ﵀ -: «الزوال في الدنيا واحد» يعني: الشمس إذا مالت من الجانب الشرقي في الأفق إلى الجانب الغربي في الأفق، فهذا الزوال في أي مكان، وليس المعنى إذا زالت في المشرق فقد زالت في المغرب، أو العكس، فالإمام أحمد أعلم وأفقه من أن يريد هذا.
(٣) قوله: «مسافة قصر» يعني: أن أهل الرياض - مثلًا - يصومون، ونحن في القصيم لا نصوم إلا إن رأيناه، وهذا قول ضعيف، من أضعف الأقوال، أن يكون المعتبر مسافة القصر.
[ ٨٧ ]
وعن (م) وقاله المغيرة وابن الماجشون: يَلزمُ بلد الرؤية وعمَلَه فقط، إلا أن يحمل الإمام الناس على ذلك (١) .
وذكر ابن عبد البر (ع): أن الرؤية لا تراعى مع البعد، كالأندلس من خراسان.
كذا قال (٢) .
قال في «الرعاية» - تفريعا على المَذْهب واختياره -: لو سافر من بلد الرؤية ليلة الجمعة، إلى بلد الرؤية ليلة السبت، فبَعُدَ، وتَمَّ شهره، ولم يروا الهلال، صام معهم. وعلى المذهب: يفطر، فإن شهد به، وقُبلَ قوله، أفطروا معه على المذهب. وإن سافر إلى بلد الرؤية ليلة الجمعة، من بلد الرؤية ليلة السبت، وبَعُدَ، أفطر معهم، وقضى يومًا، على المذهب، ولم يفطر على الثاني. ولو عَيَّدَ، ببلد بمقتضى الرؤية ليلة الجمعة في أوله، وسارت به سفينة أو غيرها سريعا في يومه إلى بلد الرؤية في أول ليلة السبت، وبَعُدَ، أمسك معهم بقية يومه، لا على المذهب.
_________________
(١) هذا قول جيد، وهو الذي عليه العمل، أنه يلزم أهل بلد الرؤية وعمله، أي: التابع له في الولاية، فعمل الناس اليوم هكذا، ورأينا من بعض الدول عجبًا عُجابا، إذا صلحت العلاقات بين الدولتين فالرؤية واحدة، وإن ساءت العلاقات اختلفت المطالع، فالله المستعان.
(٢) هنا تعُقبه قد يبدو جيدًا، فقوله: «كذا قال» يحتمل أن يكون عائدا على مسألة أنه لا تعتبر مع الأندلس وخراسان، ويحتمل أن النظر في حكاية الإجماع، وكلاهما صحيح، فمثلًا نحن نعلم أنه إذا رئي الهلال في خراسان فسيرى في الأندلس، وإن رئي في الأندلس فلا يلزم أن يرى في خراسان؛ لأن خراسان في الشرق، والأندلس في المغرب، فإذا كانت الشمس قد سبقت القمر في خراسان لزم أن تسبقه في الأندلس ولابد، وأما العكس فلا، فقد يرى في الأندلس ولا يرى في خراسان؛ لأن هذه المسافة يمكن أن تسبق الشمسُ القمرَ، وإذا سبقته رئي الهلال.
[ ٨٨ ]
كذا قال، وما ذكره على المذهب واضح، وعلى اختياره فيه نظر؛ لأنه في الأُوْلى اعتبر حُكْمَ البلد المنتقل إليه؛ لأنه صار من جُملتِهم، وفي الثانية اعتبر حُكْمَ المتنقل منه؛ لأنه التزم حُكْمَه، والأصح للشافعية: اعتبار ما انتقل إليه، والثاني: ما انتقل منه.
قال صاحب «المحرر» - فيما إذا أفطر على المذهب -: وليكن خفية (١) .
_________________
(١) هذه المسألة تقع كثيرًا، خصوصًا في وقتنا، وهي ما لو صام شخص - مثلًا - في المغرب ليلة السبت، ثم قدم إلى المشرق ولم يروا الهلال، أكمل ثلاثين وهم لم يروه، فهل يفطر سرًا؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد عن ثلاثين، أو يصوم معهم؟ الجواب: يصوم معهم ولو زاد على الثلاثين، فهو كما لو سافر في أثناء النهار وامتد النهار، مثل أن يسافر من المملكة العربية السعودية إلى جهة الغرب، كأوروبا مثلًا، فالشمس ستبقى معه طويلًا، فنقول له: لا تفطر حتى تغرب الشمس، ولو زاد اليوم إلى يومٍ ونصف، لكن إن شاء أفطر؛ لأنه مسافر، وهكذا - أيضًا - لو زاد على الثلاثين يومًا. وأما العكس كما لو أنه سافر من المشرق إلى المغرب، وأفطروا وهو لم يتم تسعة وعشرين يومًا، فإنه يفطر معهم ولا بد، حتى وإن لم يصم إلا ثمانيةً وعشرين يومًا فإنه يفطر ويقضي يومًا؛ لأن الشهر لا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرين يومًا، وعلى هذا فلا نقول: إنه يعتبر البلد المنتقل منه، ولا البلد المنتقل إليه على سبيل الإطلاق، بل في ذلك تفصيل، وإذا سافر على أنه صائم من بلد، ثم وصل إلى البلد الثاني وهم مفطرون، على أنه يوم عيد فهنا يفطر معهم، لكنه يقضي يومًا؛ لأنه لم يتم الشهر، هذا على ما اخترنا من اعتبار اختلاف المطالع. أما إذا قلنا: متى ثبتت الرؤية في أي بلد إسلامي فإنه يجب على المسلمين عمومًا فيختلف الحكم، فمثلًا: إذا صام ليلة السبت، ثم سافر إلى بلد لم يروه إلاَّ ليلة الأحد، وأتموا ثلاثين، فهنا يكون له واحدًا وثلاثين، فيجب عليه أن يفطر سرًا؛ لأن الشهر تم ثلاثين في حكمه وحكمهم؛ إذ الواجب على هؤلاء أن يكونوا تبعًا للبلد الذي ثبت فيه الهلال، وإذا شهد عند البلد الذين لم يثبت عندهم الهلال إلا متأخرًا، فإن قبلوا شهادته أفطروا بشهادته، وإن لم يصوموا إلا ثمانية وعشرين يوما، ً وإن لم يقبلوها استمروا، وإذا صاموا ثمانية وعشرين يومًا، وجب عليهم قضاء يوم، هذا بناءً على أنه متى ثبتت رؤيته في بلد لزم جميع الناس، فيكون هؤلاء الذين تأخروا عن بلد الرؤية أفطروا يومًا من رمضان؛ لأن الشهر في حقهم ثابت بناءًا على أنه يلزم الجميع، فيكونون قد أفطروا يومًا من رمضان، فيفطرون إذا أتموا الثلاثين يومًا برؤية البلد الآخر، ويقضون يومًا.
[ ٨٩ ]