وإنما يفطر بجميع ما سبق إذا فعله عامدًا ذاكرًا لصومِهِ مختارًا، فلا يفطر ناس (م)، نقله الجماعة، ونقله الفضل في الحجامة، وذكره ابن عقيلٍ في مقدمات الجماع، وذكره الخرقي في الإمناء بقلبهٍ أو تكرار نظرٍ، وأنه يفطر بوطئه دون الفرج ناسيًا.
_________________
(١) قوله: «فيطعم من تركته» يعني: يطعم عن يوم موته، وكأنه ﵀ أخذ هذا من قول النبي ﷺ في الذي وقصته ناقته يوم عرفة: «إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» [أخرجه البخاري في الجنائز/باب الكفن في ثوبين (١٢٠٦)؛ ومسلم في الحج/باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (١٢٠٦) .] وأبقى أحكام الإحرام عليه، وقال: «لا تخمروا رأسه ولا تحنطوه»، فقد يكون في ذلك إيماء إلى أن بقية العبادات تبطل بالموت، ولكن إذا قال قائل: ما الفائدة من قولنا: إنها تبطل بالموت؟ يقول: الفائدة أنها إذا كان فيه كفارة أو نذر فإنه يطعم عنه، وأما إذا كان في الواجب فلا، والذي يظهر لي أنه لا يجب الإطعام ولا الصوم عنه إذا مات في أثناء النهار، حتى لو كان كفارة أو قضاء، فإنه لا يطعم عنه؛ لأنه قدم على ربه، ونحن نقول: المفطرات الثابتة إذا جاءت بغير قصد لم تضر، ولا يفطر الإنسان بها، فكيف بالموت؟!
[ ١٣٩ ]
وفي «المستوعب»: المساحقة كالوطء دون الفرج، وكذا من استمنى، فأنزل المني، وذكر أبو الخطاب أنه كالأكل في النسيان، لخبر أبي هريرة: «مَنْ نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . متفق عليه. وللدارقطني معناه، وزاد: «ولا قضاء عليه» . وفي لفظٍ «من أفطر يومًا من رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة» . رواه الدارقطني، وقال: تفرد به ابن مرزوق - وهو ثقة - عن الأنصاري، وللحاكم - وقال: على شرط مسلم -: «من أكل في رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة» . ولأنه يختص النهي بالعبادة لا حد في جنسه، فلا يؤثر بلا قصد، كطيران الذباب إلى حلقه، بخلاف الردة والجماع، وكصوم النفل (وم)، وفي «الرعاية»: لا قضاء في الأصح، وعنه: يفطر بحجامة ناس، اختاره في «التذكرة»؛ لظاهر الخبر، وندرة النسيان فيها، وقيل: واستمناء ناس، والمراد: ومقدمات الجماع. وذكر في «الرعاية» الفطر بمباشرة دون الفرج. قال: وقيل: عامدًا، وكذا إن أمنى بغيرها مطلقًا، وقيل: عامدًا، أو مذى بغيرها عامدًا، وقيل: أو ساهيًا.
ولا يفطر مُكرَه، سواء أُكرِه على الفطر حتى فعله، أو فُعلَ به، بأن صُبَّ في حلقه الماء مكرهًا أو نائمًا، أو دخل فيه ماء المطر. نص عليه، كالناسي بل أولى؛ بدليل الإتلاف. وفي «الرعاية»: لا قضاء، في الأصح، وقيل: يفطر إن فعل بنفسه، كالمريض. ومذهب الحنفية: يفطر؛ لندرة الإكراه، فلا تعم البلوى، بخلاف النسيان، والنص فيه، ومذهب (م) يفطر، كالناسي عنده، ومذهب (ش) لا يفطر إن فُعلَ به، وإن فَعَلَ بنفسه، فقولان. ويفطر الجاهل بالتحريم (و) نص عليه في الحجامة؛ لأنه ﵇ مر برجل يحجم رجلًا، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وكالجهل بالوقت، والنسيان يكثر. وفي «الهداية» و«التبصرة»: لا يفطر؛ لأنه لم يتعمد المفسد، كالناسي، وجمع بينهما في «الكافي» بعدم التأثيم.
[ ١٤٠ ]
وإن أُوجِرَ المغمى عليه معالجةً، لم يفطر، وقيل: يفطر؛ لرضاه به ظاهرًا، فكأنه قصده. وللشافعية وجهان.
ومَنْ أراد الفطر فيه بأكلٍ أو شربٍ، وهو ناس أو جاهل، فهل يجب إعلامه؟ فيه وجهان. ويتوجه ثالث: إعلام جاهلٍ لا ناسٍ. ويتوجه مثله: إعلام مصل أتى بمناف لا يبطل، وهو ناس أو جاهل، وسبق أنه يجب على المأموم تنبيه الإمام فيما يُبطلُ؛ لئلا يكون مفسدًا لصلاته مع قدرته (١) .
_________________
(١) هنا ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - خلافًا وتفصيلًا طويلًا، الذي يقضي عليه قول الله ﷿: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: «قد فعلت» [أخرجه مسلم في الإيمان/ باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق (١٢٦)]، فهذا النص يحكم على كل الخلافات، وعلى هذا فمن كان جاهلًا بالوقت أو بالحكم أو كان ناسيًا أنه صائم أو ناسيًا أن هذا يُفطر فصومه صحيح، لكن يجب متى زال العذر أن يتوقف، كذلك المكره الذي لم يختر لا يفطر؛ لقول الله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥] . وكذلك أيضًا ذكر المؤلف - ﵀ - في الإنسان المغمى عليه إذا أوجر - يعني صب في فمه ماء - فهل يفطر أو لا؟ ومعلوم أن المغمى عليه إذا صب الماء في فمه أنه يجذبه، كالصبي يجذب اللبن، فهل نقول: إن هذا يفطر لرضاه به ظاهرًا، لأن هذا المريض الصائم يرضى أن يصب الناس في فمه ماءًا من أجل أن يصحو؟ فهل نقول: هذا ليس كالمكره؛ لرضاه به ظاهرًا، أو نقول إنه كالمكره؛ لأنه لا إرادة له؟ هنا فيه احتمال، والاحتياط عندي أن يقضي؛ لأن هذا وإن كان لا يشعر بذلك لكنه راضٍ به قطعًا. بقي مسألة ثانية مهمة، وهي: هل إذا رأيت أحدًا صائمًا يأكل أو يشرب هل تنبهه؟ الجواب: نعم، قال المؤلف: «ومن أراد الفطر فيه بأكل أو شرب وهو ناس أو جاهل، فهل يجب إعلامه؟ فيه وجهان، ويتوجه ثالث: إعلام جاهل، لا ناس»، وهذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب تنبيهه. والقول الثاني: لا يجب. والقول الثالث: يجب تنبيه الجاهل دون الناسي؛ لأن تنبيه الجاهل من باب التعيين، وليس من باب التذكير، فيجب إعلام الجاهل دون الناسي، والصواب: أنه يجب إعلام الجميع، ولا يقال: هذا رزق رزقه الله، ولكن ينبهه، وهذا من التعاون على البر والتقوى، كما قال الله ﷿: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢] . وقول المؤلف: «يجب على المأموم تنبيه الإمام فيما يبطل؛ لئلا يكون مفسدا لصلاته مع قدرته» فالمأموم لاشك أنه يجب عليه أن ينبه الإمام؛ لقول النبي ﷺ: «إذا نسيت فذكروني» [أخرجه البخاري في الصلاة/باب التوجه نحو القبلة حيث كان (٣٩٣)؛ ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة/باب السهو في الصلاة والسجود له (٥٧٢) .]، ولأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فإذا أتى الإمام بمناف للصلاة ناسيًا فهو معذور، لكن المأموم غير معذور، فلا بد من تنبيهه، ولا يصح قياس هذه المسألة - أعنى مسألة من رأيته يأكل ويشرب وهو صائم - على مسألة تنبيه المأموم لإمامه، ووجه الفرق: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فإذا فسدت وهو يعلم أنها فسدت، وتابعه مع فسادها، بطلت صلاته.
[ ١٤١ ]