أن يكون هذا الفعل للنُّطفة بذاتها من غير مدبِّر دَبَّرها لذلك).
تأمل ما تقدم تعلم أن أرباب هذه العلوم ومَن قلّدهم مغرورون بما حصل لهم من اكتشاف بعض الأسباب والتدقيق فيها بقطعها عن الخالق المدبِّر سبحانه.
ثم إن الخطابي بعد ذلك سَيُبَرْهِن على كلامه السابق، ويفضح الملاحدة، وإخوانهم في وقتنا (الداروينيين / القرديين) بأربعة أمثلة تكشف زَيْفهم وتُظهر إلحادهم:
الأول: قال ﵀: (ولو كان هذا جائزًا من غير مُدَبِّر حكيم عالِم قدير يعلم كيف يُدَبِّر النطفة ويُقلبها أطوارًا، ويُسوّي منها السمع لِما يصلح له، ويضعه في موضعه، والبصر في مكانه الذي يليق به في البدن، وكذلك تعليق اليدين العاملتين في موضعهما والرجلين الحاملتين في أخصّ المواضع بهما، ووضع كل شيء من القلب والكبد والطحال وسائر الأجسام في الذي هو أملك به وأشكل لِما أُعِدَّ له من الفعل).
الثاني: ثم قال - ﵀ - في جواب الشرط: (لَجَاز أن يرتفع الماء من تِلقاء نفسه، ويختلط بالطين، ويقع الطين في قالب اللبن، وينطبع به، ثم يزحف إلى موضع البناء فيرتفع بعضه على بعض فَيَنْتَضِد حتى يكون بناءًا رفيعًا محكمًا مشيّدًا من غير بانٍ ولا رافع ساق على ساق، بل ينطبع
[ ٣٦ ]
الماء والتراب بنفسهما لا بشيء سواهما، فإن لم يكن هذا جائزًا لأنه ليس من طبع الماء والتراب أن يكون منهما ما وصَفْت، فكذلك غير جائز تركيب الإنسان وتصويره وتخطيطه على ما عليه الإنسان من جنس الصورة وعجيب التركيب بنفس النطفة وطبعها).
الثالث: ثم قال: (ويُجاز على هذا بطبع الخشب وجود سفينة اجتمعت أجزاؤها، واعتدلت وتماسكت وداخل بعضها بعضا وقرُبَتْ من الساحل معها دَقْلها (١) وآلاتها، يعبر من يريد العبور من المسافرين، ثم تعود بنفسها إلى مركزها ومرْساها كذلك).
الرابع: ثم قال: (ويُجاز بطبع الماء والنار والتربة أن يوجد حَمّام (٢) في أسفله نار، وفي بيوته ماء على غاية الاعتدال في الحرارة والرطوبة من غير بانٍ بناه ومُسَخِّن سَخّنَه، ومُدَبِّر دَبَّره.
فإن لم يَجز شيء مما ذكرناه، فلْيكن مثل ما ادّعَوْه من النطفة واجتماع خلْق الإنسان منها من غير مُدَبِّر حكيم دَبّره وأحْكمه، فهذا الدليل يتضمن أن المحدَث لا بُد له من محدِث وأن ما فيه من الحكمة لا بد له من قاصد حكيم) انتهى (٣).
_________________
(١) الدقل هو: خشبة يُمد عليها شراع السفينة، وتسميها البحرية: " الصاري ".
(٢) المقصود بالحمامات هنا هي التي يُسَخّن فيها الماء للاستحمام، وتوجد في البلاد الباردة مثل الشام.
(٣) بيان تلبيس الجهمية، ١/ ١٧٨ - ١٧٩.
[ ٣٧ ]