قال ابن كثير: (وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة رجع غلاء شديد على الناس، وخوفٌ ونهبٌ كثير ببغداد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بحيث دُفن كثير من الناس بغير غسل ولا تكفين، وغَلَتْ الأشربة وما تحتاج إليه المرضى كثيرًا، واعترى الناس موت كثير واغْبَرّ الجو وفسد الهواء؛ قال ابن الجوزي: " وعَمَّ هذا الوباء والغلاء مكة، والحجاز، وديار بكر والموصل وبلاد الروم، وخراسان، والجبال، والدنيا كلها "، هذا لفظه في "المنتظم" قال: " ورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوُجِدوا عند الصباح موتى، أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب التي كَوَّرها ليأخذها فلم يُمْهَل " (٢).
• من أحداث سنة (٤٤٩ هـ):
قال ابن كثير - ﵀ -: (ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة فيها كان الغلاء والفناء مستمرين ببغداد وغيرها من البلاد بحيث خَلَت أكثر
_________________
(١) أنظر المصدر السابق، ١٢/ ٥٩.
(٢) أنظر: البداية والنهاية ١٢/ ٦٨.
[ ٥٩ ]
الدور، وسُدّت على أهلها أبوابها بما فيها، وأهلها موتى فيها، ثم صار المارّ في الطريق لا يلقى إلا الواحد بعد الواحد.
وأكل الناس الجيف والنّتَن من قِلّة الطعام، وَوُجِدَ مع امرأة فَخِذ كلب قد اخضَرّ، وشوى رجلٌ صَبِيَّة في الأتون وأكلها!، وسقط طائر ميت من حائط فاحتوشته خمسة أنفس فاقتسموه وأكلوه!.
وورد كتابٌ من بخارى أنه مات في يوم واحد منها ومن معاملاتها ثمانية عشر ألف إنسان، وأُحصي من مات في هذا الوباء من تلك البلاد إلى يوم كُتِبَ فيه الكتاب بألفِ ألفٍ وخمسمائة ألف وخمسين ألف إنسان، والناس يمرّون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقًا فارغة وطُرقات خالية وأبوابًا مغلقة ووحشة وعدم أنيس، وحكاه ابن الجوزي .. قال: وجاء الخبر من أذربيجان وتلك البلاد بالوباء العظيم، وأنه لا يسلم من تلك البلاد إلا العدد اليسير جدًا!.
ووقع وباء بالأهواز وبواط وأعمالها وغيرها حتى طَبَّق البلاد، وكان أكثر سبب ذلك الجوع، كان الفقراء يشوون الكلاب، وينبشون القبور، ويشوون الموتى ويأكلونهم، وليس للناس شُغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات وتجهيزهم ودفنهم، فكان يُحفر الحفير فيدفن فيه العشرون والثلاثون!.
[ ٦٠ ]
وكان الإنسان بينما هو جالس إذ انشقّ قلبه عن دم الْمُهجة فيخرج منه إلى الفم قطرة فيموت الإنسان من وقته!.
وتاب الناس وتصدّقوا بأكثر أموالهم فلم يجدوا أحدًا يقبل منهم، وكان الفقير تُعْرَض عليه الدنانير الكثيرة والدراهم والثياب، فيقول: " أنا أريد كسرة، أريد ما يسد جوعي " فلا يجد ذلك!، وأراق الناس الخمور وكسروا آلات اللهو ولزموا المساجد للعبادة وقراءة القرآن، وقلَّ دارٌ يكون فيها خمر إلا مات أهلها كلهم!.
ودُخِلَ على مريض له سبعة أيام في النّزْع، فأشار بيده إلى مكان فوجدوا فيه خابية من خمر، فأراقوها، فمات من وقته بسهولة.
ومات رجل في مسجد، فوجدوا معه خمسين ألف درهم فعرضت على الناس فلم يقبلها أحد، فتركت في المسجد تسعة أيام لا يريدها أحد، فلما كان بعد ذلك دخل أربعة ليأخذوها فماتوا عليها، فلم يخرج من المسجد منهم أحدٌ حيّ بل ماتوا جميعًا.
وكان الشيخ أبو محمد عبد الجبار بن محمد يشتغل عليه سبعمائة مُتَفَقِّه فمات وماتوا كلهم إلا اثني عشر نفرًا منهم.
وأرسل السلطان رسولًا إلى بعض النواحي، فتلقاه طائفة فقتلوه
[ ٦١ ]
وشَوَوْه وأكلوه!) انتهى (١).