الاتفاق، وأن ذلك كله يحدث من ذاته، وهذا عيْن التعطيل.
وتأمل الآن بعض الأجوبة القاطعة لأمثال هؤلاء:
قال أبو سليمان الخطابي - ﵀ -: (فمِن أوضح الدلالة على معرفة الله ﷾ على أن للخلق صانعًا ومدبرًا أن الإنسان إذا فكر في نفسه رآها مُدَبَّرة، وعلى أحوالٍ شتى مُصَرَّفَة.
كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا ولحمًا، فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يُحْدِثَ في الحال الأفضل التي هي حال كمال عقله وبلوغ أشدّه عضوًا من الأعضاء، ولا يُمكنه أن يزيد في جَوَارحه جارحة، فيدلّه ذلك على أنه في وقت نقصه وأوَان ضعفه عن فعل ذلك أعْجز.
وقد يرى نفسه شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه، ولا في وِسْعه أن يُزَايل حال الْمَشِيب ويُرْجِع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه، وأن له صانعًا صَنَعَه وناقِلًا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدّل أحواله بلا ناقل ولا مُدَبِّر).
وذكر الخطابي بعد ذلك كلامًا، ثم قال: (فأمَّا ما ادّعوْه من قبول النطفة بما فيها من القوة الإغتذاء والتربية، فإن ذلك لا يُنكر إذا صح العلم
[ ٣٤ ]
به في طريق العادات) انتهى (١).
هذا الكلام الأخير، وهو قوله: (فأما ما ادّعوه) إلى آخره .. هو معتقد هؤلاء الدهرية المعطلة الذين غَزَتْ علومهم المسلمين، وطَبّقت الأرض كلها، وتزندق بسببها كثيرون.
وهذا الكلام - أيضًا - على نَسَقِ موضوع هذا الكتاب من حيث قطْع الأسباب عن مُسبّبها - سبحانه -، المتصرف فيها؛ مما نَتج عنه عزل المالك الحق عن ملكه!.
فكلام أرباب هذه العلوم العصرية في الكسوف والزلازل والرياح الشديد العاتية التي تُسبب الأعاصير وغير ذلك من الحوادث الطبيعيّة واحد، وقد تبين الكلام على هذه الأشياء، ويأتي إن شاء الله زيادة بيان، وإنما الكلام هنا على النطفة وكلام الخطابي فيها وهو: (قبول النطفة بما فيها من القوة الإغتذاء).
وهو نَفْس كلام هؤلاء في الخلايا وانقسامها وما تحويه من مَوادّ، فالشيخ الخطابي لا يُنكر هذه الأسباب إذا صحّ العلم بها، لكن تأمل الآن ما يأتي من رَدِّهِ عليهم.
قال - ﵀ - بعد الكلام السابق: (ولكن الذي ننكره من ذلك
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية لا بن تيمية، ١/ ١٧٨ – ١٧٩.
[ ٣٥ ]