ثم قال: (وأما الآيات المشهودة فإنه ما يُشْهَد ويُعلَم بالتواتر من عقوبات مكذّبي الرسل ومَن عصاهم، ومِن نَصْرِ الرُّسل وأتباعهم على الوجه الذي وَقَع، وما عُلم مِن إكرام الله تعالى لأهل طاعته، وجَعْل العاقبة لهم، وانتقامه من أهل معصيته، وجَعْل الدائرة عليهم .. فيه عبرة تُبين أمره ونهيه وَوَعْدَه ووعيده، وغير ذلك مما يوافق القرآن) انتهى (١).
وأنا أسُوق هذا عِظَة إلى مَن ظنوا أنهم قد شَبُّوا عن الطوق من قومنا بزعمهم، وفرحوا بما عندهم من العلم .. والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، لأن الشأن في الانتفاع بالعِظَة، وهي - كما قال ابن القيم ﵀ -: (نوعان: عِظة بالمسموع، وعظة بالمشهود.
فالعِظَة بالمسموع: الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد والنصائح التي جاءت على لسان الرسل وما أوحي إليهم، وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا.
والعِظَة بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العالَم من مواقع العِبَر، وأحكام القَدَر ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالة على
_________________
(١) مجموع الفتاوى، ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢.
(٢) سورة يونس، الآية: ١٠١.
[ ٥٠ ]
صدق رسله) انتهى (١).
فهذه الزلازل والأعاصير وسائر الكوارث التي يُحْدثها الله في الكون عظة بالمشهود، واعتبار لمن يعتبر.
فتفكر الآن بما أحلَّ بِمَن أشبهوا الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (٢) وتشابه صفاتهم؛ قال ابن تيمية - ﵀ -: (وأما عَاد [قوم هود – ﵇ -] فذَكَر الله عن عادٍ التجبّر وعِمارة الدنيا) (٣).
ولقد كان السلف تُفيدهم الآيات الرجوعَ إلى ربهم، والتوبة من ذنوبهم، وسأذكر في الباب التالي - إن شاء الله - أمثالًا لهذه الأحوال، وما الذي يُؤَمِّننا وقد تعدّى السيل الزُّبى؟!.
_________________
(١) مدارج السالكين، ١/ ٤٤٤.
(٢) سورة فصلت، الآيات: ١٤ - ١٥.
(٣) النبوات، ص (٥٧).
[ ٥١ ]