مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (١).
قال الإمام ابن القيم: (وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دارِ اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب!.
وما الذي أخرج إبليسَ من ملكوت السماء، وطرَدَه، ولَعَنَه، ومَسَخ ظاهره وباطنه، فَجُعِلَتْ صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعدًا، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحًا، وبالجنةِ نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاتِ الولي الحميد أعظم عداوة ومُشاقة، وبزَجَل التسبيح والتقديس والتهليل زجَل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان، وسَقَط من عينه غاية السقوط، وحلَّ عليه غضبُ الربِّ تعالى، فأهواه ومَقَته أكبر المقت فأرداه، فصار قوَّادًا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال!.
وما الذي سلَّط الريحَ العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه
_________________
(١) سورة سبأ، الآيات: ١٥ - ٢١.
[ ١٥ ]
الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت مامرَّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة!.
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قَطَّعَت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم!.
وما الذي رفَع قرى اللوطية حتى سَمِعت الملائكةُ نبيحَ كلابهم، ثم قَلَبَها عليهم فجعل عالِيَهَا سافلها فأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم، فجَمَع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمةٍ غيرهم، ولإخوانهم أمثالها .. ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (١)!.
وما الذي أرسل على قوم شعيبٍ سحابَ العذابِ كالظُّلل، فلمَّا صار فوقَ رؤسهم أمطر عليهم نارًا تلظى!.
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغَرَق والأرواح للحرق!.
وما الذي خَسَف بقارون وداره وماله وأهله! .. وما الذي أهلك القرونَ من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمَّرها تدميرًا!.
وما الذي أهلك قوم صاحبَ يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم!.
_________________
(١) وقد ورد أن مثل هذه العقوبة ما هي ببعيد من ظالمي هذه الأمة إذا فعلوا مثل فعل قوم لوط.
[ ١٦ ]