(ب): ثم المسجد النبوي لقوله: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام [فإنه أفضل])
الحديث ورد عن جمع من الصحابة ﵃:
(١) منهم أبو هريرة وله عنه طرق كثيرة:
١ - عن أبي عبد الله الأغر - واسمه سلمان - عنه
أخرجه البخاري (٣/ ٥١) ومسلم (٤/ ١٢٤) والنسائي (١/ ١١٣ و٢/ ٣٤) والترمذي (٢/ ١٤٧) وصححه والدارمي (١/ ٣٣٠) وابن ماجه (١/ ٤٢٨) وكذا مالك (١/ ٢٠١) والطحاوي (٢/ ٧٣) وأحمد (٢/ ٢٥٦ و٣٨٦ و٤٦٨ و٤٧٣ و٤٨٥) من طرق عنه. ورواه الخطيب في (تاريخه) (١٤/ ١٤٥)
٢ - عن سعيد بن المسيب عنه
أخرجه مسلم والدارمي وابن ماجه والطحاوي وأحمد (٢/ ٢٣٩) عن االزهري عنه. وكذلك أخرجه الخطيب (٩/ ٢٢٢)
٣ - عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ عنه
رواه مسلم والنسائي والطحاوي وأحمد (٢/ ٢٥١ و٤٧٣) من طرق عنه وزاد مسلم والنسائي:
(فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد)
٤ - عن محمد بن هلال عن أبيه عنه
أخرجه الطحاوي وأحمد (٢/ ٤٩٩) من طريقين عنه
[ ٢ / ٥١٥ ]
وهذا سند حسن في المتابعات محمد بن هلال وأبوه وثقهما ابن حبان
٥ - عن ابن إسحاق قال: ثني خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب الأنصاري عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبي هريرة مرفوعا
رواه أحمد (٢/ ٣٩٧)
وهذا إسناد حسن أو صحيح رجاله رجال الستة غير ابن إسحاق وهو ثقة وقد صرح بالتحديث
٦ - عن سفيان عن صالح مولى التوأمة عنه
أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٦ و٤٨٤)
وسنده حسن أيضا في المتابعات
٧ - عن حسان بن غالب قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن أبي هريرة مرفوعا
أخرجه الطحاوي. ورجاله ثقات غير حسان هذا فهو ضعيف والمعروف من حديث نافع عن ابن عمر كما يأتي قريبا
٨ - عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عنه
أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٦ - طبع بولاق) بسند حسن
(٢) ومنهم عبد الله بن عمر ﵄ وله عنه طريقان:
١ - عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه
[ ٢ / ٥١٦ ]
أخرجه مسلم والدارمي وابن ماجه وأحمد (٢/ ١٦ و٥٢ و١٠١ - ١٠٢) والخطيب (٤/ ١٦٢) من طرق عنه
وقد فاتت هذه الطريق عن نافع على الإمام النسائي فقد أخرجه (٢/ ٣٤) وكذا مسلم والطحاوي وأحمد (٢/ ٥٣ - ٥٤) من طريق موسى بن عبد الله الجهني عن نافع به. ثم قال النسائي:
(لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر غير موسى الجهني وخالفه ابن جريج وغيره)
ثم ساقه من طريقه عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة مرفوعا به. وسيأتي بعد هذا
ونحن نقول: إن لنافع فيه إسنادين وكل منهما صحيح:
الأول: عن ابن عمر كما رواه موسى الجهني وتابعه عبيد الله بن عمر الثقة الثبت كما في الرواية الأولى وتابعه أيضا أخوه عبد الله بن عمر عند الطيالسي (ص ٢٥١ رقم ١٨٢٦) وأحمد (٢/ ٦٨)
والثاني: رواية ابن جريج عنه. وتأتي
٢ - عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر به. والزيادة له
أخرجه أحمد (٢/ ٢٩ و١٥٥)
وهذا سند صحيح على شرط مسلم. ولعطاء فيه إسنادان آخران:
أحدهما: عن جابر
[ ٢ / ٥١٧ ]
والآخر: عن ابن الزبير. وفيه يدل هذه الزيادة قوله:
(وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا)
يعني: مسجد المدينة. وقد سبق تخريجه
(تنبيه): قال الحافظ في (الفتح) (٣/ ٥٢):
(وللنسائي من رواية موسى الجهني عن نافع عن ابن عمر كلفظ أبي هريرة وفي آخره: إلا المسجد الحرام فإنه أفضل منه بمائة صلاة)
قلت: وهذه الزيادة ليست في النسائي بل ليست في شيء من الطرق المتقدمة ولعلها في (سنن النسائي الكبرى). والله أعلم
(٣) ومنهم ميمونة زوج النبي ﷺ:
رواه ابن جريج قال: سمعت نافعا يقول ثنا إبراهيم بن عبد الله بن معبد أن ابن عباس حدث عنها به
أخرجه النسائي (٢/ ٣٤) والطحاوي وأحمد (٦/ ٣٣٤)
وتابعه الليث بن سعد: ثني نافع به
أخرجه مسلم (٤/ ١٢٥ - ١٢٦) والطحاوي وأحمد
وفي حديثه قصة عند مسلم عن ابن عباس أنه قال:
(أن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ
[ ٢ / ٥١٨ ]
تسلم عليها فأخبرتها ذلك فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول. . . فذكرت الحديث
(٤) ومنهم أبو سعيد الخدري:
رواه جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن سهم بن منجاب عن قزعة عنه قال: ودع رسول الله ﷺ رجلا فقال له: أين تريد؟ قال: أريد بيت المقدس فقال له النبي ﷺ. . . فذكره
أخرجه أحمد (٣/ ٧٧) والسياق له والطحاوي (٢/ ٧٢)
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم
وقد أورده الهيثمي في (المجمع) (٤/ ٦) بلفظ:
(مائة) بدل: (ألف) وقال:
(رواه أبو يعلى والبزار بنحوه إلا أنه قال: أفضل من ألف صلاة. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح)
(٥) ومنهم سعد بن أبي وقاص
رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي عبد الله القراظ عنه
أخرجه أحمد (١/ ١٨٤)
وهذا سند حسن لولا أني لم أعرف أبا عبد الله القراظ وفي الكنى من (الميزان):
[ ٢ / ٥١٩ ]
(أبو عبد الله القزاز عن سالم بن عبد الله وعنه الدراوردي: مجهول)
فقد يكون هو هذا (١). وفي (المجمع) (٤/ ٥):
(رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف)
قلت: ولم ينفرد به فقد رواه الطحاوي (٢/ ٧٢) من طريق حسان بن غالب قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة: ثني أبو عبد الله به
لكن حسان هذا ضعيف كما سبق
وله عنده طريق أخرى أخرجه عن شعبة عن أبي عبد العزيز الزبيدي عن عمرو بن الحكم عن سعد مرفوعا
ورجاله ثقات كلهم غير أبي عبد العزيز الزبيدي فلم أعرفه
ثم رجعت إلى قسم الكنى من كتاب (كشف الأستار عن رجال معاني الآثار) وإذا فيه:
(أبو عبد العزيز الربذي - بفتح الراء والموحدة ثم معجمة - هو موسى بن عبيدة - بضم أوله - ضعيف)
فتبين أن ما في الأصل: الزبيدي. تصحيف والصواب: الربذي
وكذلك وقع فيه: عمرو بن الحكم والصواب: عمر. بضم المهملة وبدون الواو
_________________
(١) ثم تبين لي أنه ليس به بل هو دينار الخزاعي المدني وهو من رجال مسلم ثقة يرسل كما في (التقريب)
[ ٢ / ٥٢٠ ]
ولموسى بن عبيدة إسناد أخر وهو:
(٦) ومنهم عائشة ﵂ وله طريقان:
١ - عن موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك عن عروة عنها
وموسى ضعيف كما سبق
وشيخه داود بن مدرك مجهول كما في (التقريب)
٢ - عن ابن جريج: أخبرني عطاء أن أبا سلمة أخبره عن أبي هريرة وعائشة مرفوعا
وهذا سند صحيح على شرط الستة
أخرجه أحمد (٢/ ٢٧٨)
(٧) ومنهم جبير بن معطم:
رواه حصين بن عبد الرحمن عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن جبير بن مطعم مرفوعا
ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين محمد بن طلحة وجبير بن مطعم
أخرجه الطيالسي (ص ١٢٨ رقم ٩٥٠) وأحمد (٤/ ٨٠)
وقد ورد موصولا فقال الهيثمي (٤/ ٥):
(رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في (الكبير) وإسناد الثلاثة - كذا - مرسل وله في الطبراني إسناد رجاله رجال الصحيح وهو متصل)
[ ٢ / ٥٢١ ]
هذا وقد روي أن الصلاة في مسجده ﵊ بخمسين ألف صلاة. ولا يصح كما سيأتي بيانه في خاتمة الكلام في مسجد قباء
(فائدة): قد علم أن مسجده ﵊ قد زيد فيه عما كان عليه في عهده ﷺ فقد كان طوله كعرضه مائة ذراع في مائة وقيل: سبعين في ستين. ثم زاد فيه عثمان فصار طوله مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتين وفي مؤخره مائة وثمانين. ثم زاد فيه المهدي مائة ذراع من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث ولم يزد بعده أحد شيئا كما في (شد الأثواب في سد الأبواب) للسيوطي (ص ١٧٥ - ١٦٧) من (الحاوي للفتاوي) له (ج ٢)
إذا عرفت ذلك وعرفت ما في الصلاة في مسجده ﷺ من الفضل الوارد في الأحاديث السابقة فهل يشمل ذلك تلك الزيادات الكثيرة التي هي ضعف المسجد النبوي تقريبا؟
أما النووي فأجاب بالنفي حيث قال في (شرح مسلم):
(واعلم أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده فينبغي أن يحرص المصلي على ذلك ويتفطن لما ذكرته)
وزاد في (المجموع بعد أن ذكر هذا المعنى فقال: (٨/ ٢٧٧):
(لكن إن صلى في جماعة فالتقدم إلى الصف الأول ثم ما يليه أفضل فليتفطن لهذا)
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وخالفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكر أن حكم الزيادة في مسجده ﵊ حكم المزيد في كلام قوي متين كعادته ﵀ فقال:
(وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجا منه. ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. قال أبو زيد (عمر بن شبة النميري في كتاب (أخبار المدينة): ثني محمد بن يحيى: ثني من أثق به أن عمر زاد في المسجد من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم. قال: فأما الذي لا يشك فيه أهل بلدنا أن عثمان هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم ثم لم تغير بعد ذلك. قال أبو زيد: ثنا محمد بن يحيى عن محمد عن عثمان (كذا ولعله: محمد بن عثمان) عن مصعب بن ثابت عن خباب أن النبي ﷺ قال - وهو في مصلاه يوما -: لو زدنا في مسجدنا. وأشار بيده نحو القبلة. ثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر: لو مد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه. ثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن أخيه عن أبيه
[ ٢ / ٥٢٣ ]
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لو بني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي). فكان أبو هريرة يقول: والله لو مد هذا المسجد إلى داري ما عدوت أن أصلي فيه. ثنا محمد: ثنا عبد العزيز بن عمران عن فليح بن سليمان عن ابن عمرة قال: زاد عمر في المسجد في شاميه ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ) قال شيخ الإسلام:
(وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان فإن كليهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده وما بلغني عن أحد من المسلمين خلاف هذا لكن رأيت بعض المتأخرين (كأنه يريد النووي) قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده وما علمت لمن ذكر ذلك سلفا من العلماء قال: وهذه الأمور نبهنا عليها ههنا فإنه يحتاج إلى معرفتها وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك)
هذا آخر كلام شيخ الإسلام ﵀ فيما نقله الحافظ ابن عبد الهادي عنه في كتابه (الصارم المنكي) (ص ١٣٩ - ١٤٠)
وحديث أبي هريرة المرفوع الذي رواه عمر بن شبة إسناده ضعيف فإن
[ ٢ / ٥٢٤ ]
سعد بن سعيد المقبري لين الحديث وأخوه عبد الله متروك كما في (التقريب). وقد أورده السيوطي في (الجامع) وقال (١):
(رواه الزبير بن بكار في (أخبار المدينة) عن أبي هريرة ولم يرمز له في نسختنا بشيء ولا تعرض الشارح لذلك وإنما قال: ظاهر كلام المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير وهو عجب فقد خرجه الديلمي باللفظ المذكور وكذا الطيالسي)
قلت: إن كان يعني أنه في (مسند الطيالسي) من حديث أبي هريرة فقد راجعته ولم أجده في مسنده. والله أعلم
(وقال: (أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء)
الحديث هو من رواية عائشة وله تتمة وقد سبق ذكره بكامله في الكلام على المسجد الحرام ونقلنا هناك أن فيه موسى بن عبيدة وأنه ضعيف لكن حديثه هذا قد جاء من غير طريقه بإسناد صحيح بلفظ:
(فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد)
رواه مسلم والنسائي. وقد سبق
كما أن التتمة التي أشرنا إليها لها شواهد كثيرة سبق ذكرها هناك فدل هذا كله على أن موسى بن عبيدة قد حفظ هذا الذي رواه ولعله من أجل ما ذكرنا أورده المنذري في (الترغيب) (٢/ ١٣٦) فقال:
(وروى البزار عن عائشة)
_________________
(١) أي المناوي في (فيض القدير). (الناشر)
[ ٢ / ٥٢٥ ]
فذكر الحديث. ولم يضعفه كما هي عادته
(ومن فضائله قوله: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)
أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٠ - ١٠١) والحاكم (١/ ٩١) وأحمد (٢/ ٤١٨ و٥٢٦) عن أبي صخر حميد بن صخر الخراط أن سعيدا المقبري أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول. . . فذكره. قال الحكم:
(صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي
وإنما هو على شرط مسلم وحده فإن حميد بن صخر - ويقال: ابن زياد - لم يرو له البخاري في (صحيحه) بل روى له في (الأدب المفرد) ولذلك قال في (الزوائد):
(إسناده صحيح على شرط مسلم. وقول الحافظ ثم فيه على شرط الشيخين غلط فإن البخاري لم يحتج بحميد بن صخر ولا أخرج له في (صحيحه) وإنما أخرج له في (الأدب المفرد) وإنما احتج به مسلم)
قلت: وكذلك غلط الشوكاني حيث قال (٢/ ١٣٢):
(وحميد بن صخر هو حميد الطويل الإمام الكبير)
فإن حميدا الطويل غير هذا وهو حميد بن أبي حميد أبو عبيدة الطويل وهو أعلى طبقة من هذا
[ ٢ / ٥٢٦ ]
والحديث أورده المنذري في (الترغيب) (١/ ٦٢) وقال:
(رواه ابن ماجه والبيهقي وليس في إسناده من ترك ولا أجمع على ضعفه)
قوله: (مسجدي هذا). قال الشوكاني:
(فيه تصريح بأن الأجر المترتب على الدخول إنما يحصل لمن كان في مسجده ﷺ ولا يصح إلحاق غيره به من المساجد التي هي دونه في الفضيلة لأنه قياس مع الفارق. قوله: ومن دخل لغير ذلك. . . إلخ. ظاهره أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من أنواع الخير لا يجوز فعله في المسجد ولا بد من تقييده بما عدا الصلاة والذكر والاعتكاف ونحوها مما ورد فعله في المسجد أو الإرشاد إلى فعله في المسجد)
(وقوله: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
الحديث ورد عن جمع من الصحابة ولذلك قال السيوطي في نقله المناوي:
(هذا حديث متواتر)
ونحن نسوق هنا أحاديث من وقفنا على أسانيدهم:
الأول: عبد الله بن زيد المازني
أخرجه البخاري (٣/ ٥٤) ومسلم (٤/ ١٢٣) ومالك (١/ ٢٠٢) والنسائي (١/ ١١٣) وأحمد (٤/ ٣٩ و٤٠) من طرق عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد ابن تميم عنه
[ ٢ / ٥٢٧ ]
ثم رواه أحمد (٤/ ٤٠ - ٤١) من طريق فليح عن عبد الله بن أبي بكر به بلفظ:
(ما بين البيوت - يعني: بيوته - إلى منبري. . .) والباقي مثله وزاد:
(والمنبر على ترعة من ترعة الجنة)
وفليح - وهو ابن سليمان - وإن كان قد احتج به الشيخان فإن في حفظه ضعفا وقد تفرد بهذا اللفظ ولم يوافقه عليه أحد كما سترى
الثاني: أبو هريرة:
عند البخاري (٣/ ٥٤ و٤/ ٧٩ و١١/ ٤٠١) وأحمد (٢/ ٣٧٦ و٤٣٨) من طريق عبيد الله بن عمر قال: ثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عنه مرفوعا به وفيه الزيادة بلفظ:
(ومنبري على حوضي)
رواه مالك (١/ ٢٠٢) عن خبيب به إلا أنه قال: عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري. هكذا على الشك
وكذلك رواه أحمد (٢/ ٤٦٥ و٥٣٣) عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به. قال ابن عبد البر:
(هكذا رواه رواة (الموطأ) على الشك إلا معن بن عيسى وروح بن عبادة فإنهما قالا فيه: عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعا على الجمع لا على
[ ٢ / ٥٢٨ ]
الشك. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فقال: عن أبي هريرة وحده ولم يذكر أبا سعيد)
قلت: رواية عبد الرحمن هذه عن أبي هريرة وحده أخرجها البخاري (١٣/ ٢٦٣) عن عمرو بن علي: ثنا عبد الرحمن به (١)
وخالفه أحمد فقال: عن عبد الرحمن عن أبي هريرة أو أبي سعيد كما سبق
وبالجملة فالرواية عن مالك عن خبيب مضطربة والصواب عن خبيب عن حفص عن أبي هريرة كما رواه عبيد الله بن عمر
وتابعه جماعة منهم أخوه عبد الله بن عمر العمري عند أحمد (٢/ ٤٠١) ومحمد بن إسحاق عنده أيضا (٢/ ٣٩٧ و٥٢٨) وشعبة عند الطبراني في (الصغير) (ص ٢٣٠)
على أنه يبدو أن للحديث أصلا من رواية أبي سعيد الخدري وهو الآتي
وله طرق أخرى عن أبي هريرة:
منها عن حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعا
وهذا سند صحيح على شرط مسلم
وأخرجه أحمد (٢/ ٤١٢ و٥٣٤)
_________________
(١) وكذلك رواه أحمد مرة عن ابن مهدي (٢/ ٢٣٦)
[ ٢ / ٥٢٩ ]
ومنها عن عبد الله عن أبي الزناد وعن الأعرج عنه
ورجاله موثقون
أخرجه أحمد أيضا (٢/ ٤٠١)
ومنها عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عنه
أخرجه الترمذي (٢/ ٣٢٦ طبع بولاق) وسكت عليه
وسنده حسن رجاله ثقات غير كثير بن زيد وهو صدوق فيه لين كما قال أبو زرعة وفي (التقريب):
(صدوق يخطيء)
ومنها الآتي:
الثالث: علي بن أبي طالب ﵁
عند الترمذي (٢/ ٣٢٦) من طريق سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة معا. وقال:
(حديث حسن)
وهو كما قال
الرابع: جابر بن عبد الله
أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٩): ثنا سريج: ثنا هشيم: أنا علي بن زيد عن محمد بن المنكدر عنه مرفوعا
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وهذا سند حسن رجاله رجال الشيخين غير علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو حسن الحديث في المتابعات
وأخرجه الخطيب (٣/ ٣٦٠) من طريق محمد بن هشام المروزي: ثنا هشيم به وقال:
(ولم يروه عن هشيم غيره فيما قيل)
قلت: ويرده رواية أحمد هذه فإنها من طريق سريج عنه
والحديث قال في (المجمع) (٤/ ٨ - ٩):
(رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه علي بن زيد وفيه كلام وقد وثق)
قلت: وله عند الخطيب طريقان آخران:
الأول: أخرجه (١١/ ٢٢٨) عن عمر بن إبراهيم بن القاسم بن بشار أبي حفص البغدادي: ثنا أبو عبد الله محمد بن حفص بن عمر إملاء: ثنا محمد ابن كثير الكوفي: ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر به
وهذا سند ضعيف
وعمر هذا ترجمه الخطيب ولم يحك فيه جرحا ولا تعديلا
ومحمد بن حفص بن عمر أبو عبد الله الظاهر أنه الذي في الميزان:
(محمد بن حفص الطالقاني نزيل مصر أبو عبد الله قال الدارقطني: ضعيف)
[ ٢ / ٥٣١ ]
وبقية رجال الإسناد ثقات
والطريق الآخر: رواه (١١/ ٣٩٠) عن محمد بن يونس الكديمي: ثنا عبد الله بن يونس بن عبيد: ثني أبي عن محمد بن المنكدر عن جابر
والكديمي هذا أحد المتروكين كما قال الذهبي
ثم استدركت فقلت: هذا ليس طريقا ثالثا وإنما هو متابع لعلي بن زيد عن محمد بن المنكدر وهو الطريق الأول
الخامس: سعد بن أبي وقاص
أخرجه الخطيب (١١/ ٢٩٠) عن إسحاق بن محمد الفروي قال: ثتنا عبيدة بن نائل عن عائشة بنت سعد عن أبيها
وهذا إسناد حسن رجاله كلهم موثقون. وقال الهيثمي (٤/ ٩):
(رواه البزار والطبراني في (الكبير) ورجاله ثقات). وقال الحافظ في (الفتح) (٤/ ٧٩):
(رجاله ثقات)
السادس: عبد الله بن عمر
أخرجه الخطيب أيضا (١٢/ ١٦٠) عن أبي الفضل العباس بن محمد بن أحمد بن تميم الأنماطي: ثنا موسى بن إسحاق القاضي الأنصاري: ثنا أحمد ابن يحيى بن المنذر بن عبد الرحمن: ثنا مالك بن أنس عن نافع عنه
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وهذا إسناد مجهول عندي لم أعرف منه غير مالك بن أنس ونافع لكن قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في (الكبير) و(الأوسط) ورجاله ثقات)
وقد روي عن ابن عمر عن أبي سعيد وهو:
السابع: أبو سعيد الخدري
أخرجه الخطيب (٤/ ٤٠٣) من طريق أحمد بن محمد بن جهور: ثنا عفان: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا إسحاق بن شرقي مولى ابن عمر قال: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: ثني أبو سعيد الخدري مرفوعا به
أورده في ترجمة ابن جهور هذا ولم يذكر فيه جرحا ولا توثيقا
وإسحاق بن شرقي لم أجد له ترجمة. لكن قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في (الأوسط) وهو حديث حسن إن شاء الله تعالى)
قلت: وقد أخرجه أحمد (٣/ ٤): ثنا روح: ثنا مالك بن أنس عن خبيب ابن عبد الرحمن أن حفص بن عاصم أخبره عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا به
وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين لكن اختلف فيه على مالك كما سبق بيانه وأن الصواب فيه عن أبي هريرة وحده (١)
_________________
(١) ثم وجدت الحديث في (المسند) (٣/ ٦٤) من الطريق الأولى قال: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا إسحا بن شرقي مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: ثني أبو سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: (ما بين قبري ومنبري)
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وفي الباب عن أبي بكر الصديق والزبير بن العوام وأنس بن مالك. انظر تخريجها إن شئت في (مجمع الزوائد)
واعلم أنه وقع في رواية ابن عساكر لحديث البخاري عن أبي هريرة بلفظ:
(قبري) بدل: (بيتي). قال الحافظ:
(وهو خطأ)
وكذلك وقع في بعض الروايات المتقدمة عند الخطيب وغيره بلفظ:
(قبري)
ولا نشك أنه رواية بالمعنى كما ذهب إلى ذلك القرطبي (١) وغيره. وقد بين وجه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال في (القاعدة الجليلة) (ص ٥٨):
(وهو ﷺ حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم يحتج به أحد من الصحابة حينما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه - بأبي هو وأمي - صلوات الله وسلامه عليه)
ثم اعلم أن (المراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها أو أنه على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى
_________________
(١) قال القرطبي: (الرواية الصحيحة: (بيتي) ويروى (قبري) وكأنه بالمعنى لأنه دفن في بيت سكناه) ذكره في (الفتح) (٣/ ٥٤)
[ ٢ / ٥٣٤ ]
دخول العابد روضة الجنة. وهذا فيه نظر إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة والخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها. وقيل: فيه تشبيه محذوف الأداة أي: هو كروضة لأن من يقعد فيها من الملائكة ومؤمني الإنس والجن يكثرون الذكر وسائر أنواع العبادة). كذا في (الفتح) (١١/ ٤٠١ - ٤٠٢)
وهل المراد بالبيت جميع البيوت التي كانت لأزواجه عليهن السلام أو المراد بيت واحد منها وهو بيت عائشة الذي صار قبره فيه؟ الظاهر الثاني ويدل عليه أنه الذي فهمه السلف الذين رووا الحديث بلفظ: (قبري) بدل (بيتي) كما سلف إشارة إلى أن المراد بالبيت البيت الذي فيه قبره وإلى هذا مال الحافظ في (الفتح) حيث قال بعد أن حكم بخطأ رواية ابن عساكر المتقدمة:
(نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ: القبر فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: بيتي. أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار قبره فيه وقد ورد الحديث بلفظ: ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة. أخرجه الطبراني في (الأوسط)
قلت: وهو من حديث أبي سعيد الخدري وقد حسنه الهيثمي كما سبق. والله تعالى أعلم
(وهو المسجد الذي أسس على التقوى كمسجد قباء قال أبو سعيد الخدري:
[ ٢ / ٥٣٥ ]
(قلت يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من حصى فضرب به الأرض قال:
(هو هذا مسجد المدينة [وفي ذاك خير كثير])
الحديث له عنه طرق:
١ - عن يحيى بن سعيد عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت. . . الحديث
أخرجه أحمد (٣/ ٢٤) ومسلم (٤/ ١٢٦) عنه
وأخرجه النسائي (١/ ١١٣) والترمذي (٢/ ١٨٥ طبع بولاق) وأحمد (٣/ ٨ / ٨٩) عن ليث بن سعد عن عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل: هو مسجد قباء وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: (هو مسجدي هذا). وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح)
ورواه الحاكم (٢/ ٣٣٤) من طريق أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٥٣٦ ]
هكذا رواه أسامة موقوفا وهو ضعيف في حفظه
٢ - عن أنيس بن أبي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري نحو حديث الليث وفيه الزيادة بين القوسين
أخرجه الترمذي (٢/ ١٤٤ - ١٤٥) والحاكم (١/ ٤٨٧) وأحمد (٣/ ٢٣ و٩١) وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح) وقال الحاكم:
(صحيح على شرط مسلم). ووافقه الذهبي
وليس كما قالا وإنما صحيح فقط ليس على شرط مسلم فإنه لم يخرج لأنيس بن أبي يحيى ولا لأبيه شيئا وهما ثقتان
وقد تابعه أخوه محمد بن أبي يحيى عن أبيه
أخرجه الحاكم (٢/ ٣٣٤) وصححه وقال الذهبي:
(إسناده جيد)
وللحديث شاهد من رواية سهل بن سعد قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد الرسول وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا النبي ﷺ فسألاه فقال: (هو مسجدي هذا)
أخرجه أحمد (٥/ ٣٣١): ثنا وكيع: ثنا ربيعة بن عثمان التيمي عن عمران بن أبي أنس عنه
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وهذا سند صحيح على شرط مسلم
ورواه ابن حبان في (صحيحه) كما في (الترغيب) (٢/ ١٣٧)
وقد تابعه عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران به
أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٥)
وعبد الله هذا ضعيف كما في (المجمع) (٤/ ١٠) و(التقريب). وقد اضطرب فيه فمرة يجعله من مسند سهل بن سعد كما في هذه الرواية ومرة يجعله من مسند أبي بن كعب
كما رواه أحمد (٥/ ١١٦) والحاكم (٢/ ٣٣٤) عن أبي نعيم الفضل بن دكين: ثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب مختصرا
ومن الغريب قول الحاكم فيه:
(هذا صحيح الإسناد)
وأغرب منه موافقة الذهبي له على التصحيح مع أنه ترجم لعبد الله بن عامر بالضعف الذي لا توثيق معه
قال النووي في (شرح مسلم):
(هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن ورد لما يقوله بعض المفسرين أنه مسجد قباء وأما أخذه ﷺ الحصباء وضربه في الأرض فالمراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة)
[ ٢ / ٥٣٨ ]
قلت: ظاهر الآية التي أشار إليها النووي ﵀ وهو قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة / ١٠٨] يفيد أن المراد مسجد قباء لأن في الآية ضميرين يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع وضمير الظرف الذي يقتضي الرجال المتطهرين هو مسجد قباء فهو الذي أسس على التقوى والدليل على هذا سبب نزول الآية. وهو ما أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٢) من طريق أبي أويس: ثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة الأنصاري أنه حدثه:
أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال:
(إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟)
قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا
وهذا إسناد حسن. ورواه ابن خزيمة في (صحيحه) كما في تفسير ابن كثير) (٢/ ٣٨٩)
وله شاهد بإسناد حسن أيضا كما في (نصب الراية) (١/ ٢١٩) من حديث أبي أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك
أخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٦) والحاكم (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥) وقال:
(صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس ومحمد بن عبد الله بن سلام وغيرهم. وقد سبق إن شاء الله تعالى ذكر أحاديثهم في أول الكتاب
وقد زعم الحافظ في (الفتح) (٧/ ١٩٥) أن حديث أبي هريرة المشار إليه إسناده صحيح عند أبي داود. وذلك غير صحيح فإنه عنده (١/ ٨) كغيره من طريق يونس بن الحارث وهو ضعيف كما قال الحافظ نفسه في (التقريب) وكذلك قال ابن كثير
وكذلك وهم ابن العربي في (تفسيره) (١/ ٤١٥) حيث قال:
(هذا حديث لم يصح)
فإنه صحيح بمجموع طرقه وإن كان هو أشار إلى حديث أبي هريرة فكان عليه أن يجمع إليه شواهده التي ذكرنا بعضها وأشرنا إلى الأخرى فحينئذ لا يجوز أن يقول ما قال
إذا علمت ما تقدم أن ظاهر الآية وسبب النزول يفيد أنه مسجد قباء وأن الحديث بخلاف ذلك يفيد أنه المسجد النبوي فلا بد من التوفيق بينهما فقال ابن كثير:
(ولا منافاة بين الآية وبين هذا لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى)
وكأنه من كلام شيخه ابن تيمية ﵀ فقد قال في (تفسير سورة الإخلاص) (ص ١٧٢):
[ ٢ / ٥٤٠ ]