(قد ثبت عنه ﷺ في (الصحيحين) أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا وذلك لأن الله أنزل عليه: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ وكان مسجده هو الأحق بهذا الوصف. وقد ثبت في (الصحيح) أنه سئل عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: (هو مسجدي هذا) يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء ومسجد قباء أيضا أسس على التقوى وبسببه (كذا) الآية ولهذا قال: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ وكان أهل قباء مع الوضوء والغسل يستنجون بالماء وتعلموا ذلك من جيرانهم اليهود ولم تكن العرب تفعل ذلك فأراد النبي ﷺ أن لا يظن ظان ذاك الذي أسس على التقوى دون مسجده فذكر مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى﴾ [التوبة / ١٠٨] يتناول مسجده ومسجد قباء ويتناول كل مسجد أسس على التقوى بخلاف مساجد الضرار)
وقد ذهب إلى هذا الجمع الحافظ ابن حجر ونقل نحوه عن الداودي والسهيلي وغيرهما وهو الحق الذي يجب المصير إليه لأن خلافه يلزم منه إما رد ما أفاده القرآن من أجل الحديث أو العكس وكل من الأمرين خطأ بل ضلال وقد قال رسول الله ﷺ: (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه)
وسيأتي ما يدل على أنه مسجد قباء زيادة عما تقدم:
(ج): ثم المسجد الأقصى قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده. . .﴾ الآية وقال ﵊:
(ائتوه فصلوا فيه فإن
[ ٢ / ٥٤١ ]
صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه قيل: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه فإن من أهدى له كمن صلى فيه)
الحديث من رواية ميمونة بنت سعد ﵂ مولاة النبي ﷺ قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس. فقال: (أرض المنشر والمحشر ائتوه. . .) إلخ
أخرجه أحمد (٦/ ٤٦٣) وابن ماجه (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠) من طريق عيسى ابن يونس قال: ثنا ثور عن زياد بن أبي سودة عن أخيه عثمان بن أبي سودة عنها
وهذا سند حسن أو صحيح رجاله ثقات رجال البخاري غير زياد بن أبي سودة وأخيه عثمان وهما ثقتان كما في (التقريب) وقد وثقهما ابن حبان وغيره وروى عن كل منهما جماعة من الثقات
وقد أورده الهيثمي (٤/ ٦ - ٧) من طريق أبي يعلى وقال:
(ورجاله ثقات)
وأما الذهبي فخالف حيث قال في ترجمة عثمان بن أبي سودة:
(وثقة مروان الطاهري - كذا ولعل الصواب: الطاطري - وابن حبان. قلت: في النفس شيء من الاحتجاج به)
وقال في ترجمة أخيه زياد - وقد ساق له هذا الحديث -:
[ ٢ / ٥٤٢ ]
(هذا حديث منكر جدا. قال عبد الحق: ليس هذا الحديث بقوي وقال ابن القطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف عن روايتهما)
كذا قالوا ولم يذكروا حجتهم فيما إليه ذهبوا ولم أجد لهم في ذلك سلفا من المتقدمين من أهل الجرح والتعديل وقد علمت مما أوردنا أنهما ثقتان عند ابن حبان وغيره من المتقدمين والمتأخرين كالحافظ ابن حجر وشيخه الهيثمي وغيرهما ممن يأتي ولم يظهر لي وجه الحكم بالنكارة التي جزم بها عند ابن حبان وغيره من المتقدمين والمتأخرين كالحافظ ابن حجر وشيخه الذهبي ولذلك كله فإني أذهب - بعد أن استخرت الله تعالى - إلى أن الحديث قوي ثابت وأن من جرحه لا حجة معه
نعم قد رواه بعضهم فأعله فأخرجه أبو داود (١/ ٧٥) ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٤١) عن سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي ﷺ أنها قالت. . . الحديث مختصرا وليس فيه أن الصلاة فيه كألف - وسيأتي لفظه في (آداب المساجد) - فأسقط سعيد بن عبد العزيز من الإسناد عثمان بن أبي سودة فصار بذلك منقطعا لكن سعيد بن عبد العزيز وإن كان ثقة إماما فقد كان اختلط في آخر عمره فهو غير حجة إذا خالف كما في هذه الرواية فإن ثورا - وهو ابن يزيد الحمصي - ثقة ثبت كما في (التقريب) وفي (الخلاصة):
(أحد الأثبات)
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وقد وصله بذكر عثمان فيه وهي زيادة منه مقبولة حتى ولو كان مخالفه نده ومثيله كيف وقد علمت حاله كيف وقد خالفه أيضا معاوية بن صالح فرواه موصولا كرواية ثور بن يزيد كما ذكر الحافظ في (الإصابة) ولذلك قال التركماني في (الجوهر النقي):
(قلت: الحديث ليس بقوي كذا قال عبد الحق في (أحكامه) وكأن الحامل له على ذلك الاختلاف في إسناده فإن أبا داود أخرجه كما ذكره البيهقي وأخرجه ابن ماجه من حديث ثور بن يزيد عن زياد بن أبي سودة عن أخيه عثمان بن أبي سودة عن ميمونة). ولهذا قال صاحب (الكمال):
(روى زياد عن ميمونة وعن أخيه عنها وهو الصحيح). ولذلك قال في (الزوائد):
(روى أبو داود بعضه وإسناد طريق ابن ماجه صحيح ورجاله ثقات وهو أصح من طريق أبي داود فإن بين زياد بن أبي سودة وميمونة عثمان بن أبي سودة كما صرح به ابن ماجة في طريقه كما ذكره صلاح الدين في (المراسيل) وقد ترك في أبي داود)
وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى (المجموع) للنووي وإذا به ذهب أيضا إلى تقوية الحديث حيث قال: (٨/ ٢٧٨) ما مختصره:
(رواه أحمد في (مسنده) بهذا اللفظ ورواه به أيضا ابن ماجه بإسناد لا بأس به ورواه أبو داود مختصرا بإسناد حسن)
[ ٢ / ٥٤٤ ]
كذا قال وإسناد أبي داود فيه الانقطاع كما سبق فكيف يكون حسنا؟ ثم قال النووي:
(أجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وعلى فضله قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ [الإسراء / ١])
ثم ذكر حديث شد الرحال ويأتي وهذا الحديث والذي بعده
(وقال: (إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله ﷿ خلالا ثلاثة: سأل الله ﷿ حكما يصادف حكمه فأوتيه. وسأل الله ﷿ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه. وسأل الله عز وجلهـ حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا للصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه [فنحن نرجو أن يكون الله ﷿ قد أعطاه إياه])
الحديث أخرجه النسائي (١/ ١١٢ - ١١٣) عن أبي إدريس الخولاني والسياق له وابن ماجه (١/ ٤٣٠) عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو وأحمد (٢/ ١٧٦) عن ربيعة بن يزيد والحاكم (١/ ٣٠) عنه وعن الشيباني معا - والزيادة لهما - ثلاثتهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا به. وقال الحاكم:
(صحيح على شرطهما ولا أعلم له علة) ووافقه الذهبي
قلت: أما أن الحديث صحيح فهو كما قالا لا شك فيه وأما أنه على
[ ٢ / ٥٤٥ ]
شرطهما ففيه نظر لأن ابن الديلمي ليس من رجالهما وهو ثقة من كبار التابعين كما قال الحافظ في (التقريب) قال:
(ومنهم من ذكره في الصحابة)
والحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) كما في (الترغيب) (٢/ ١٣٧ - ١٣٨) وقد صححه النووي في (المجموع) (٨/ ٢٧٨) والحافظ في (الفتح) (٦/ ٣١٦)
وللحديث شاهد لكن فيه زيادة منكرة جدا على ضعف شديد في إسناده وأنا أسوق لفظه للتحذير منه فطالما سمعناه من بعض الخطباء على رؤوس المنابر ولا حول ولا قوله إلا بالله
أخرجه الطبراني في (الكبير) عن رافع بن عمير مرفوعا:
(قال الله لداود: ابن لي بيتا في الأرض. فبنى داود بيتا لنفسه قبل أن يبني البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه: يا داود نصبت بيتك قبل بيتي؟ قال: أي رب هكذا قلت فيما قضيت: (من ملك استأثر) ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلثاه فشكا ذلك إلى الله ﷿ فأوحى الله تعالى إليه: (إنه لا يصلح أن تبني لي بيتا) قال: أي رب ولم؟ قال: لما جرت على يديك من الدماء قال: أي رب أولم يكن ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم. فشق ذلك عليه فأوحى الله تعالى إليه: لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يد ابنك سليمان فلما مات
[ ٢ / ٥٤٦ ]
داود أخذ سليمان في بنائه فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال: حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال رسول الله ﷺ: (أما اثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة). ا. هـ
من (المجمع) (٤/ ٧ - ٨) و(المنتخب) (٥/ ٣٦٩) وقال الهيثمي:
(وفيه محمد بن أيوب بن سويد وهو متهم بالوضع)
ثم رأيت الذهبي حكم على الحديث بالوضع فأصاب حيث قال في ترجمة ابن أيوب هذا:
(ضعفه الدارقطني وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه قال أبو زرعة: رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة. قلت: من ذلك حديث:
لما بنى داود المسجد فسقط فقيل له: إنه لا تصلح أن تتولى بناءه قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء. قال: أو لم يكن في هواك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي أرحمهم. . . الحديث بطوله)
قلت: وقد رواه أيوب بن سويد والد محمد هذا عن أبي زرعة الشيباني بإسناده المتقدم عن ابن عمر مرفوعا بدون هذه الزيادة المنكرة الموضوعة
أخرجه ابن ماجه عن عبيد الله بن الجهم الأنماطي عنه فهذا من الدليل
[ ٢ / ٥٤٧ ]
على أن هذه الزيادة أدخلها محمد بن أيوب - قبحه الله - على أبيه
وفي الباب عن أبي ذر ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ: أيهما أفضل: مسجد رسول الله ﷺ أو مسجد بيت المقدس؟ فقال: رسول الله ﷺ:
(صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى وليوشكن أن يكون (في الأصل: أن لا يكون) للرجل مثل شطن (هو الحبل) فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا أو قال: خير من الدنيا وما فيها)
أخرجه الحاكم (٤/ ٥٠٩) من طريق الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الصامت عنه. وقال:
(صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي
وهو كما قالا
وقد أخرجه الطبراني أيضا في (الأوسط) ورجاله رجال الصحيح كما في (المجمع) (٤/ ٧). وقال المنذري (٢/ ١٣٨):
(رواه البيهقي بإسناد لا بأس به وفي متنه غرابة)
وقد رواه ابن عساكر من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن عبد الله بن الصامت به. فأسقط بين قتادة وابن الصامت أبا الخليل والأصح إثباته واسمه صالح بن أبي مريم وهو ثقة من رجال الستة
[ ٢ / ٥٤٨ ]
قلت: ولعل وجه الغرابة أنه ثبت في حديث ميمونة المتقدم أن الصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة وفي حديث أبي الدرداء - الذي سبق ذكره في تخريج أول أحاديث المسجد - أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة وفي حديث أبي ذر هذا أن صلاة في مسجده ﵊ أفضل من أربع صلوات في المسجد الأقصى وهذا لا يتفق في معناه في الحديثين المشار إليهما فإنه يفيد أن فضل الصلاة فيه أربعة أضعاف الصلاة في الأقصى وينتج منه أن الصلاة في المسجد الأقصى على الربع من الصلاة في المسجد النبوي أي: بمائتين وخمسين صلاة. وهذه النتيجة لا تتفق مع ما ثبت في الأحاديث الكثيرة المتقدمة أن الصلاة في الأقصى بألف أو بخمسمائة
فيقال: إن الله ﷾ جعل فضيلة الصلاة في الأقصى مائتين وخمسين صلاة أولا ثم أوصلها إلى الخمسمائة ثم إلى الألف فضلا منه تعالى على عباده ورحمة. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال
(ومن فضل هذه المساجد الثلاثة أنه لا يجوز قصد السفر على مسجد أو موضع من المواضع الفاضلة والصلاة فيها إلا إليها لقوله ﵊: (لا تشد (وفي رواية: لا تشدوا) الرحال إلا (وفي لفظ: إنما يسافر) إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى)
الحديث ورد عن جمع من الصحابة:
[ ٢ / ٥٤٩ ]
الأول: أبو هريرة
وله عنه ثلاثة طرق:
١ - عن الزهري عن سعيد بن المسيب عنه
أخرجه البخاري (٣/ ٤٩) ومسلم (٤/ ١٢٦) وأبو داود (١/ ٣١٨) والنسائي (١/ ١١٤) وابن ماجه (١/ ٤٣٠) وأحمد (٢/ ٢٣٤ و٢٣٨ و٢٧٨) والخطيب (٩/ ٢٢٢) من طرق عنه
٢ - عن ابن وهب: ثني عبد الحميد بن جعفر أن عمران بن أبي أنس حدثه أن سلمان الأغر حدثه عنه. واللفظ الثاني له
أخرجه مسلم وحده
٣ - عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه
أخرجه الدارمي (١/ ٣٣٠) وأحمد (٢/ ٥٠١) قالا: ثنا يزيد بن هارون عنه
وهذا سند حسن رجاله رجال الستة غير أن محمد بن عمرو أخرج له البخاري مقرونا ومسلم متابعة
الثاني: أبو سعيد الخدري:
وله عنه أربعة طرق:
١ - عن قزعة عنه
أخرجه البخاري (٤/ ٦٢ - ٦٣ و١٩٥) ومسلم (٤/ ١٠٢) والرواية الثانية
[ ٢ / ٥٥٠ ]
له والترمذي (٢/ ١٤٨) وصححه وابن ماجه (١/ ٤٣٠) وأحمد (٣/ ٧ و٣٤ و٤٥ و٧٧ و٧٨) والخطيب (١١/ ١٩٤ - ١٩٥) من طرق عنه وأخرجه البيهقي أيضا (٢/ ٤٥٢)
٢ - عن مجالد: ثني أبو الوداك عنه
أخرجه أحمد (٣/ ٥٣)
وسنده حسن
٣ - عن عبد الملك بن عمير قال: سألت عكرمة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال. . . . فذكره
أخرجه أحمد (٣/ ٧١)
ورجاله ثقات رجال الستة غير عكرمة مولى زيادة فلم أعرفه ولم يورده الحافظ في (التعجيل) مع أنه على شرطه
٤ - عن ليث عن شهر قال: لقينا أبا سعيد ونحن نريد الطور فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد المطي إلا. . .) الحديث
أخرجه أحمد (٣/ ٩٣)
وإسناده حسن رجاله رجال الستة إلا أن مسلما روى لليث - وهو ابن أبي سليم - مقرونا بغيره والبخاري روى له تعليقا وشهر لم يرو له في (صحيحه) وإنما روى له في (الأدب المفرد) وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام كما في (التقريب)
[ ٢ / ٥٥١ ]
قلت: وقد صرح في هذه الرواية بلقياه لأبي سعيد ثم إنها موافقة لسائر الروايات المتقدمة فأمنا بذلك من وهمه وإرساله
نعم رواه عبد الحميد عن شهر قال: سمعت أبا سعيد الخدري - وذكرت عنده صلاة في الطور - فقال: قال رسول الله ﷺ: (لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام. . . الحديث
أخرجه أحمد (٣/ ٦٤) وعمر بن شبة في كتاب (أخبار المدينة) كما في (الصارم المنكي) (٢٤١)
فصرح عبد الحميد - وهو ابن بهرام - عن شهر بذكر المستثنى منه الذي لم يذكر في جميع روايات الحديث ما تقدم منها وما يأتي وهو قوله: (إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة) هو قد خالف بذلك الليث وكلاهما متكلم فيه لكن عبد الحميد أحسن حالا منه لا سيما في روايته عن شهر. وفي (التقريب) [:
(هو صدوق)
فإذا كان قد حفظ هذه الزيادة عن شهر فيكون شهر قد روى الحديث بالمعنى الذي فهمه هو من الحديث وهو بهذا المعنى غير متفق عليه. وإما أن يكون أتي من سوء حفظه فأتى بها عفوا لا قصدا وهو الأرجح عندي لأن من يتتبع أحاديثه يجد فيها كثيرا من مثل هذه الزيادات التي لم يروها الحفاظ الثقات. وأيا ما كان فهذه الزيادة لا يجوز الاحتجاج بها لمخالفتها لروايات الثقات ولتفرد شهر بها
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وستعلم فيما يأتي - إن شاء الله تعالى - منزلة هذه الزيادة في تعيين وترجيح أحد المعنيين من الحديث والمعركة التي جرت بين العلماء حولها فليكن هذا منك على ذكر
الثالث: عبد الله بن عمرو بن العاص
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣٠) من طريق يزيد (وفي الأصل: يزيد وهو خطأ مطبعي) ابن مريم عن قزعة عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص معا مرفوعا
وإسناده صحيح رجاله رجال البخاري غير محمد بن شعيب وهو ابن شابور وهو ثقة
الرابع: أبو بصرة الغفاري
وله عنه ثلاث طرق:
١ - عن عبد الملك بن عمير عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي:
أن أبا بصرة لقي أبا هريرة وهو جاء فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور صليت فيه قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد الرحال. . .) الحديث
أخرجه الطيالسي (رقم ١٣٤٨ و٢٥٠٦) وأحمد (٦/ ٧)
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير عمر بن الحارث هذا وهو ثقة كما في (التقريب). وفي (المجمع) (٤/ ٣):
(رواه أحمد والبزار بنحوه والطبراني في (الكبير) و(الأوسط) ورجال أحمد ثقات أثبات
٢ - عن ابن إسحاق قال: ثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قال: لقيت أبا هريرة. . . الحديث
أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٧)
وإسناده حسن
٣ - عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: خرجت إلى الطور (قلت: فذكر حديثا طويلا ثم قال:) فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد. . .) الحديث مثله
أخرجه مالك (١/ ١٣١ - ١٣٢) والنسائي (١/ ٢١٠) والترمذي (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣) وأحمد (٦/ ٧) عنه. وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح)
قلت: وهو على شرط الشيخين إلا أن بعض الرواة منه وهم في موضعين:
[ ٢ / ٥٥٤ ]
الأول: في متن الحديث حيث قال: (لا تعمل المطي) والصواب: لا تشد الرحال)
والآخر: أنه جعله من مسند بصرة بن أبي بصرة والصواب أنه مسند والده أبي بصرة كما في الطريقين الأولين ولذلك قال الحافظ في (التقريب) والخزرجي في (الخلاصة) في ترجمة بصرة هذا:
(صحابي ابن صحابي والمحفوظ أن الحديث لوالده أبي بصرة)
الخامس: عبد الله بن عمر
أخرجه أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب (أخبار المدينة) قال: ثنا ابن أبي الوزير: ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد. . . الحديث فدع عنك الطور فلا تأته
رواه أحمد بن حنبل في (مسنده) كذا في (الصارم المنكي) (ص ٢٤١)
قلت: وليس هو في (المسند) وأظن أن هذه الجملة: (رواه أحمد في مسنده) وقعت هنا سهوا من بعض النساخ أو الطابع ومحلها عقب الحديث الذي أورده في (الصارم) بعد هذا الحديث وهو حديث عبد الحميد بن بهرام: ثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد. . . الحديث. وقد مضى قريبا فقد عزاه لعمر بن شبة أبي زيد: ثنا هشام بن عبد الملك: ثنا عبد الحميد به. ثم لم يعزه للمسند وهو فيه كما سبق ويبعد أن يخفى ذلك على الحافظ ابن
[ ٢ / ٥٥٥ ]
عبد الهادي ولذلك ذهبت إلى أن الأمر انقلب على البعض. والله أعلم
ثم إن هذا الحديث موقوف وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي الوزير وهو محمد بن عمر بن مطرف أبو المطرف ابن أبي الوزير البصري وهو ثقة كما في (التقريب)
وقد جاء مرفوعا أخرجه الطبراني في (الكبير) و(الأوسط) بلفظ:
(لا تشد الرحال). قال الهيثمي (٤/ ٤):
(ورجاله ثقات)
ثم وقفت على إسناده مرفوعا فقال الأزرقي في (أخبار مكة) (ص ٣٠٤):
حدثني جدي قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن قزعة قال: أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر فقال ابن عمر: أما علمت أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى ودع عنك الطور فلا تأته)
قلت: وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح
وجد الأزرقي اسمه أحمد بن محمد بن الوليد الغساني وهو ثقة من رجال البخاري
السادس: علي بن أبي طالب
أخرجه الطبراني في (الصغير) (ص ٩٨) وكذا في (الأوسط) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي عن أبيه
[ ٢ / ٥٥٦ ]
إسماعيل عن جده يحيى عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي مرفوعا به
وهذا سند ضعيف مسلسل بالضعفاء: إبراهيم وإسماعيل ويحيى. واقتصر الهيثمي في تضعيفه على إبراهيم هذا وهو قصور
السابع: أبو الجعد الضمري
أخرجه الطبراني في (الكبير) و(الأوسط) ورجاله رجال (الصحيح) ورواه البزار أيضا. كذا في (المجمع)
قلت: إذا ثبت هذا ففيه استدراك على قول البخاري في ترجمته أبي الجعد الضمري:
(لا أعرف له إلا هذا الحديث)
يعني الحديث الذي سيأتي في (الجمعة) في الترهيب عن ترك صلاة الجمعة. ومن الغريب أن الحافظ في (الإصابة) أقر البخاري على قوله هذا مع أن الخزرجي قال في ترجمة المذكور من (الخلاصة):
(له أربعة أحاديث)
الثامن: عمر بن الخطاب
رواه البزار ورجاله رجال (الصحيح) إلا أن البزار قال:
(أخطأ فيه حبان بن هلال)
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قلت: حبان بن هلال كان ثقة ثبتا حجة كما قال ابن سعد وفي (التقريب):
(ثقة ثبت)
فتخطئته صعب. والله أعلم
وبالجملة فالحديث متواتر أو كاد وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الثالثة من (مجموعة الرسائل الكبرى) (٣/ ٥٣):
(وهو حديث مستفيض أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق)
قوله: (لا تشد الرحال) قال الحافظ:
(بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به والرحال جمع رحل: وهو للبعير كالسرج للفرس. وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور ويدل عليه قوله في اللفظ الثاني: (إنما يسافر)
قوله: (إلا إلى ثلاثة مساجد) قال الحافظ:
(الاستثناء مفرغ والتقدير: لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن
[ ٢ / ٥٥٨ ]
يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد كما سيأتي)
قلت: وهذا ضعيف والصواب الأول كما سنذكره. ثم قال:
(وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم والثاني كان قبلة الأمم السالفة والثالث أسس على التقوى
واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني:
(يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر الحديث)
وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة. ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له: (لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت) واستدل بهذا الحديث فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة
والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية: أنه لا يحرم وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها:
أن المراد: أن الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز وقد وقع في رواية لأحمد سيأتي ذكرها بلفظ: (لا ينبغي للمطي أن تعمل) وهو لفظ ظاهر في غير التحريم
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال
ومنها: أن المراد حكم الساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ: (لا ينبغي للمصلي (١) أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي). وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف)
وأقول: لقد ألان الحافظ ﵀ القول هنا في شهر وحسن حديثه بهذا اللفظ مع أنه حكم عليه بأنه كثير الأوهام كما سبق نقله عنه فيما تقدم فمن كان كذلك كيف يحسن حديثه؟ لا سيما إذا تفرد به دون كل من روى الحديث فقد ورد من طرق ثلاثة أخرى عن أبي سعيد وليس فيها هذه الزيادة التي احتج بها الحافظ وهي: (إلى مسجد)
يضاف إلى ذلك أنه ورد الحديث عن سبعة من الصحابة غير أبي سعيد من طرق كثيرة عن رواة ثقات ولم يقل أحد منهم ما قال شهر فهل بعد هذا دليل وبرهان على خطأ شهر في هذه الزيادة؟
_________________
(١) كذا في الأصل ولعله تصحيف من بعض الرواة والصواب: (لا ينبغي للمطي أن تشد) كما في (المسند) وغيره كما سبق
[ ٢ / ٥٦٠ ]
على أنه قد اختلف فيها على شهر فذكرها بعضهم عنه دون بعض كما سبق بيان ذلك عند الكلام على الحديث من الطريق الرابع عن أبي سعيد. من أجل ذلك ذهبنا هناك إلى أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الرواية
وقد بدا لي حجة أخرى تؤيد خطأ شهر فأقول:
ومما يدلك على ضعف هذه الزيادة بل بطلانها: أن في حديث شهر نفسه أن أبا سعيد أنكر عليه الذهاب إلى الطور واحتج عليه بهذا الحديث فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص معناه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة لما جاز لأبي سعيد - وهو العربي الصميم - أن يحتج به لأن شهرا لم يقصد الذهاب إلا إلى الطور وليس هو مسجدا وإنما هو جبل مقدس كلم الله تعالى عليه موسى ﵇ فلا يشمله الحديث لو كانت فيه الزيادة فإنكاره الذهاب إليه أكبر دليل على بطلان نسبتها إلى حديثه ودليل أيضا على أن الحديث على عمومه وأنه يشمل الأماكن الفاضلة لأنه الذي فهمه أبو سعيد وكذا فهم منه عبد الله بن عمر وأبو بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة فكلهم أنكروا الذهاب إلى الطور محتجين بالحديث كما تقدم في تخريج أحاديثهم. فهؤلاء أربعة من الصحابة - لا مخالف لهم منهم - قد فهموا ذلك وهم أعلم بما سمعوه منه ﷺ وأدرى بما يقول
ثم إن النظر يحكم بصحة عموم الحديث لأنه إذا كان منع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة مع العلم بأن العبادة في كل المساجد أفضل منها في غير المساجد وغير البيوت وقد قال ﵊:
(أحب البقاع
[ ٢ / ٥٦١ ]
إلى الله المساجد) كما مر وكان منع أيضا من السفر إلى الطور الذي سماه الله تعالى بالوادي المقدس فالمنع من السفر إلى غيرها أولى لا سيما إذا كان المكان المقصود قبور أنبياء وصالحين فإنه حرم بناء المساجد عليها كما مضى فكيف يسمح بالذهاب إليها ولم يسمح بالسفر إلى المساجد المبنية على تقوى الله؟ وهذا - بحمد الله - بين لا يخفى
وأما الجوابان الآخران اللذان حكاهما الحافظ فهما ضعيفان أيضا وإليك البيان:
أما الجواب الأول فالحديث وإن كان بلفظ النفي فهو بمعنى النهي كما حكاه الحافظ نفسه عن الطيبي. ويؤيد ذلك أمران:
الأول: أنه جاء صريحا بالنهي في الرواية الثانية: (لا تشدوا)
والآخر: أنه الذي فهمه الصحابة فنهوا عن الذهاب إلى الطور كما سبق
وهناك أمر ثالث يقوي ذلك: وهو أن الحديث من رواية أبي سعيد في (الصحيحين) وغيرهما قطعة من حديث ورد فيه النهي عن أربعة أمور:
(أ) شد الرحال
(ب) سفر المرأة بغير محرم
(ج) صوم يومي الفطر والأضحى
(د) الصلاة بعد الصبح والعصر
والنهي في هذا للتحريم فحمل النهي عن شد الرحال خاصة للتنزيه
[ ٢ / ٥٦٢ ]
خلاف الظاهر المتبادر وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز وهذا لا يجوز إلا لصارف ولا صارف هنا ورواية أحمد التي احتج بها الحافظ بلفظ: (لا ينبغي للمطي أن تعمل) غير صحيحة كما سبق بيانه مرارا فلا حجة فيها
على أن هذه الرواية لو صحت فهي لا تفيد الجواز المجرد عن الكراهة بل هي نص في الكراهة وحينئذ فقول النووي في شرح الحديث من رواية أبي سعيد:
(الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره)
غير صحيح. وقد قال النووي أيضا في شرح الحديث من رواية أبي هريرة ما نصه:
(معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها)
وهذا تسليم منه أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة لا فضيلة فيه فليس هو بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ومن المعلوم المشاهد أن من يقصد السفر إلى غيرها يبتغي بذلك التقرب إلى الله تعالى وهذا محرم اتفاقا لأنه تعبد الله تعالى بما لم يجعله عبادة ولذلك ذكر العلماء أنه (لو نذر أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة بخلاف لو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵁ مرفوعا:
(من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)
والسفر إلى المسجدين هو طاعة فلهذا وجب الوفاء به
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أنه يستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما سيأتي قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في (إبانته الصغرى) من البدع المخالفة للسنة والإجماع) (١)
بقي علينا الجواب عن الجواب الثاني الذي أورده الحافظ فنقول:
إنه تخصيص للحديث بدون أي مخصص والحديث أعم من ذلك وكل أحد يستطيع أن يدعي تخصيص أي عموم من كتاب أو سنة ولكن ذلك لا يقبل منه إلا مقرونا بالدليل والبرهان فأين الدليل هنا على هذه الدعوى؟
_________________
(١) نقلته من (الفتاوى) لشيخ الإسلام (١/ ١١٩ - ١٢٠)
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ولذلك قال المحقق الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ٢٥١):
(وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم واستدلوا بما لا ينهض وتأولوا أحاديث الباب بتأويل بعيدة ولا ينبغي إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوه الدليل)
زاد أبو الطيب صديق حسن خان في (فتح العلام) (١/ ٣١٠):
(ولا دليل والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الأمر بشد الرحال إليها مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات لا يصلح شيء منها للاستدلال ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسالة الزيارة وبين مسألة السفر لها فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه)
قلت: وزيارة قبر النبي ﷺ لا حاجة إلى الاستدلال عليها بالأحاديث الضعيفة المشار إليها ففي الباب ما يغني عنها ولو لم يكن في الباب إلا الأحاديث العامة في زيارة القبور كفى في إثبات زيارة قبره ﵊ وذلك من باب أولى كما لا يخفى ولعله يأتي توضيح ذلك وبيانه في المحل المناسب له
والخلاصة: أن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن وافقه من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة هو الحق الذي يجب المصير إليه بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان
[ ٢ / ٥٦٥ ]
كما قال شيخ الإسلام في (الفتاوى) (٢/ ١٨٦)
وقد جرى له ﵀ فتن عظيمة بسبب إفتائه بتحريم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين حتى قبر نبينا محمد ﷺ وكتبه طافحة بالاستدلال لما ذهب إليه وقد رد عليه الإمام السبكي - وكان من معاصريه - وألف في ذلك كتابه المسمى: (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) أورد فيه الأحاديث الواردة في زيارة قبره ﵊ وأقوال العلماء في مشروعيتها وقد وقعت له فيه هفوة عظيمة حيث عزا إلى شيخ الإسلام القول بإنكار مطلق الزيارة النبوية - أعني بدون شد رحل - مع أنه من القائلين بها والذاكرين لفضلها وآدابها وقد ذكر ذلك فيما غير كتاب من كتبه ولذلك فقد قام بالرد على السبكي العلامة الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي في مؤلف له كبير أسماه: (الصارم المنكي في الرد على السبكي) وهو كتاب قيم فيه فوائد كثيرة فقهية وحديثية وتاريخية وقد بين فيه بتوسع وتفصيل حال الأحاديث المشار إليها وما فيها من ضعف ووضع وبرأ ابن تيمية مما نسب إليه من الإنكار بما نقله عنه من النصوص الكثيرة فمن شاء فليرجع إليه
ومن الغريب أن تروج تلك النسبة الخاطئة إلى ابن تيمية على كثير من العلماء والمشايخ الذين جاؤا بعده وكان آخرهم - إن شاء الله تعالى - الشيخ يوسف النبهاني فقد سود صحائف كثيرة بالطعن في ابن تيمية بجهل
_________________
(١) انظر (الفتاوى) (١/ ١١٨ - ١٢٢ و٢/ ١٨٥ - ١٨٧) و(مجموعة الرسائل الكبرى) (٢/ ٥٣ - ٦٣)
[ ٢ / ٥٦٦ ]