وضلال فقام أحد العلماء الأفاضل فرد عليه في كتاب ضخم اسمه: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) أبان فيه عن جهل النبهاني وضلالته وانتصر فيه لابن تيمية بحق وعدل فمن شاء الوقوف على الحقيقة فليرجع إليه وليجعل كل اعتماده عليه
هذا ولا بأس من أن أنقل إليك ما ذكره ولي الله الدهلوي في مسألة شد الرحل لأنه لا يخلو من فائدة جديدة قال ﵀ في (الحجة البالغة) (١/ ١٩٢):
(كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى فسد ﷺ الفساد لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي)
(د): ثم مسجد قباء وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة / ١٠٨] فإنه لما نزلت (أتاهم ﵊ في مسجد قباء فقال: إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا [قال: وهو ذاك فعلكيم به])
الحديث من رواية عويم بن ساعدة ورواه بنحوه أبو أيوب الأنصاري وجابر
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وأنس وما بين المربعين من حديثهم وإسناد الحديثين حسن وقد سبق تخريجهما في الكلام على المسجد النبوي وأنه أسس على التقوى أيضا كما جاء عنه ﵊ وذكرنا هناك وجه الجمع بين حديثه ﷺ في ذلك وبين هذه الآية الكريمة فلا داعي للإعادة. وهي مع الحديث المذكور عقبها نص صريح في أن المسجد المذكور فيها هو مسجد قباء فالقول بأنه مسجد المدينة خطأ
ومما يدل على أنه المسجد الذي أسس على التقوى ما في البخاري (٧/ ١٩٥) في حديث هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة: (فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ) قال الحافظ:
(أي مسجد قباء وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن عروة قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنوا عمرو بن عوف. وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عائذ ولفظه: (ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال واتخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ثم بناه بنو عمرو بن عوف فهو الذي أسس على التقوى). فهذه الأخبار تدل على أنه كان معروفا عندهم بأنه المسجد الذي أسس على التقوى)
ثم قال الحافظ:
(وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المعسودي عن الحكم بن عتيبة قال: (لما قدم النبي ﷺ فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله
[ ٢ / ٥٦٨ ]
بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بني - يعني بالمدينة -) وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهرا وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة وإن كان قد تقدم بناء غير من المساجد لكن لخصوص الذي بناها كما تقدم في حديث عائشة في بناء أبي بكر مسجده)
وقد جاء حديث في قصة بنائه ﷺ لمسجد قباء فيه غرابة رواه الطبراني في (الكبير) عن الشموس بنت النعمان قالت: (نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره (يميله) الحجر وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته فيأتي الرجل من أصحابه ويقول: بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفك فيقول: لا خذ مثله. حتى أسسه ويقول: إن جبريل ﵇ هو يؤم الكعبة قال: فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة). قال الهيثمي (٤/ ١١): (ورجاله ثقات)
وما أعتقد أنه يصح فإنه من طريق عاصم بن سويد عن عبيد بن وديعة عنها
رواه ابن أبي عاصم والزبير بن بكار من طريقين عن عاصم مختصرا ومطولا
وكذلك أخرجه الحسن بن سفيان وابن منده من طريق سلمة بن عاصم ابن سويد. لكن خالف في شيخ عاصم فقال: عن أبيه عن الشموس به
[ ٢ / ٥٦٩ ]
مطولا. وقد ساق لفظه الحافظ في (الإصابة) (٤/ ٣٤٣) فإن عاصما هذا هو ابن سويد بن يزيد بن جارية الأنصاري إمام مسجد قباء قال ابن معين:
(لا أعرفه). وقال ابن عدي:
(قليل الرواية جدا). قال الذهبي:
(وساق له حديثا منكرا وقال أبو حاتم: روى حديثين منكرين). وفي (التقريب):
(مقبول)
وأما والده سويد على الرواية الأخيرة فلم أجد له ترجمة وكذلك عبيد ابن وديعة أو عتبة كما وقع في (الإصابة) في موضعين: عبيد وفي آخر: عتبة فإني لم أعرفه. والله أعلم
(وللصلاة فيه أجر عظيم فقد قال ﷺ: (من خرج حتى يأتي هذا المسجد - يعني مسجد قباء (وفي لفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء) فيصلي فيه كان كعدل عمرة (وفي اللفظ الآخر: كان له كأجر عمرة)
الحديث من رواية محمد بن سليمان الكرماني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: قال أبي: قال رسول الله ﷺ. . . فذكره
أخرجه النسائي (١/ ١١٣ - ١١٤) والحاكم (٢/ ١٢) وأحمد (٣/ ٤٨٧) من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عنه
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وأخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣١) من طريق حاتم بن إسماعيل وعيسى بن يونس قالا: ثنا محمد بن سليمان الكرماني به باللفظ الآخر
وأخرجه أحمد أيضا عن حاتم. ثم قال الحاكم:
(صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي
وهو كما قالا فإن رجاله عند ابن ماجه وأحمد ثقات رجال الشيخين غير محمد بن سليمان الكرماني وهو وإن لم ينقلوا توثيقه إلا عن ابن حبان فقد روى عنه جمع من الثقات كما ترى ثم إن الظاهر أنه لم يتفرد به فقد قال المنذري (٢/ ١٣٩):
(ورواه البيهقي وقال: رواه يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي ﷺ بمعناه وزاد: (ومن خرج على طهر لا يريد إلا مسجدي هذا. يريد مسجد المدينة ليصلي فيه كانت بمنزلة حجة). قال المنذري:
(انفرد بهذه الزيارة يوسف بن طهمان وهو واه والله أعلم)
قلت: وكذلك قال الذهبي في يوسف بن طهمان أنه واه ثم ساق حديثه هذا من طريق زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة: ثني يوسف بن طهمان مولى لآل معاوية عن أبي أمامة به مرفوعا بلفظ: من توضأ في منزله ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه أربع ركعات كان كعدل عمرة. ويروى نحوه بإسناد صالح)
يشير إلى رواية محمد بن سليمان الكرماني وقد أورده الهيثمي في (المجمع) (٤/ ١١) باللفظ الآخير إلا أنه قال:
[ ٢ / ٥٧١ ]
(كعدل رقبة) بدل: (عمرة). ثم قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في (الكبير) وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف)
قلت: والظاهر أنه ممن رواه من طريق ابن طهمان كما ذكره الذهبي لكن لم يذكر هو ولا الهيثمي تلك الزيادة التي أوردها المنذري عن البيهقي فلعلها رواية عن ابن طهمان. والله أعلم
ثم إن للحديث شاهدا من حديث أسيد بن ظهير الأنصاري مرفوعا بلفظ:
(صلاة في مسجد قباء كعمرة)
أخرجه الترمذي (٢/ ١٤٥ - ١٤٦) وابن ماجه والحاكم (١/ ٤٨٧) من طريق عبد الحميد بن جعفر قال: ثنا أبو الأبرد مولى بني خطمة عنه. وقال الترمذي:
(حديث حسن غريب ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث) وقال الحاكم:
(صحيح الإسناد إلا أن أبا الأبرد مجهول). وكذا قال الذهبي. وقال في (الميزان):
(ما روى عنه سوى عبد الحميد بن جعفر). وفي (التقريب) أنه:
(مقبول)
وقد اختلف في اسمه فقيل: زياد وقيل: موسى بن سليم. والله أعلم
وله شاهد آخر من حديث كعب بن عجرة. قال الهيثمي:
[ ٢ / ٥٧٢ ]
(رواه الطبراني في (الكبير) وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو ضعيف)
ثم أخرج الحاكم (٢/ ١٢) من طريق هاشم بن هاشم قال: سمعت عامر ابن سعد وعائشة بنت سعد يقولان: سمعنا سعدا يقول:
لأن أصلي في مسجد قباء أحب إلي من أصلي في مسجد بيت المقدس. وقال:
(صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي وأقره المنذري (٢/ ١٣٩). وهو كما قالوا
وأورده الحافظ في (الفتح) (٣/ ٥٣) بزيادة: (ركعتين) بعد قباء وفي آخره:
(مرتين لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل). وقال:
(رواه عمر بن شبة في (أخبار المدينة) بإسناد صحيح)
قلت: وهو حديث موقوف ولو كان مرفوعا لأفاد تفضيل مسجد قباء على بيت المقدس وقد قال الحافظ إنه:
(لم يثبت في الصلاة فيه تضعيف بخلاف المساجد الثلاثة)
قلت: من أجل ذلك جعلناه رابع المساجد الأربعة. وقال شيخ الإسلام في (مجموعة الرسائل الكبرى) (٢/ ٥٤):
(والمسجد الحرام أفضل المساجد ويليه مسجد النبي ﷺ ويليه المسجد الأقصى) قال:
[ ٢ / ٥٧٣ ]
(والذي عليه جمهور العلماء أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في مسجد النبي ﷺ)
(ولذلك (كان ﷺ يأتي قباء [كل سبت] راكبا وماشيا [فيصلي فيه ركعتين])
الحديث من رواية عبد الله بن عمر ﵁ وله عنه ثلاثة طرق:
١ - عن نافع عنه
أخرجه البخاري (٣/ ٥٣) ومسلم (٤/ ١٢٧) ومالك (١/ ١٨١) وأبو داود (١/ ٣١٩) والطيالسي (ص ٢٥٢ رقم ١٨٣٩) وأحمد (٢/ ٤ و٥٧ و٥٨ و٦٥ و١٠١ و١٥٥) من طرق عنه. والزيادة الثانية للشيخين
٢ - عن عبد الله بن دينار عنه
عند الشيخين والنسائي (١/ ١١٣) وأحمد (٢/ ٣٠ و٥٨ و٦٥ و٧٢ و١٠٨) من طرق أيضا عنه. والزيادة الأولى للشيخين أيضا
وأخرجه الحاكم (١/ ٤٨٧) من هذا الوجه بلفظ:
(كان يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا). وقال:
(صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ)
٣ - رواه ابن إسحاق: ثني أبي إسحاق بن يسار عن عبد الله بن قيس بن مخرمة قال: أقبلت من مسجد بني عمرو بن عوف بقباء على بغلة لي قد صليت فيه فلقيت عبد الله بن عمر ماشيا فلما رأيته نزلت عن بغلتي ثم
[ ٢ / ٥٧٤ ]
قلت: اركب أي عم. قال: أي ابن أخي لو أردت أن أركب الدواب لوجدتها ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمشي إلى هذا المسجد حتى يصلي فيه فأنا أحب أن أمشي إليه كما رأيته يمشي. قال: فأبى أن يركب ومضى على وجهه)
أخرجه أحمد (٢/ ١١٩)
وإسناده حسن
وروى ابن حبان في (صحيحه) كما في (الترغيب) (٢/ ١٣٩) عن ابن عمر أيضا أنه شهد جنازة بالأوساط في دار سعد بن عبادة فأقبل ماشيا إلى بني عمرو بن عوف بفناء الحارث بن الخزرج فقيل له: أين تؤم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أؤم هذا المسجد في بني عمرو بن عوف فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صلى فيه كان كعدل عمرة). قال الحافظ:
(وفي هذا الحديث - على اختلاف طرقه - دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك وفيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم لكون النبي ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكبا وتعقب بأن مجيئه ﷺ إلى قباء إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت)
قلت: فعلى هذا فذهابه ﵊ يوم السبت لم يكن مقصودا بالذات بل مراعاة لمصلحة التفقد المذكور وعليه فالأيام كلها سواء في
[ ٢ / ٥٧٥ ]
الفضيلة في زيارة قباء لعدم وجود قصد التخصيص فما ذكره القاري في (المرقاة) (١/ ٤٤٨) عن الطيبي أن:
(الزيارة يوم السبت سنة)
ليس كما ينبغي (١)
_________________
(١) وأذكر أنني قرأت عن بعض العلماء أنه ذهب إلى أن المراد من قوله في الحديث: (كل سبت) أي كل أسبوع وأنه ليس المراد يوم السبت نفسه وقد احتج لذلك من اللغة بما لا أستحضره ولا أذكر الآن في أي كتاب قرأت ذلك فمن وجده فليكتب فإذا صح ذلك فلا دلالة حينئذ في الحديث على التخصيص قط. ثم وقفت على من ذكر ذلك وهو الإمام أبو شامة الشافعي في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) وقد ذكر فيه ما يوافق ما ذهبنا إله من عدم جواز التخصيص وإليك كلامه في ذلك كله قال ﵀ (ص ٣٤): (ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصها بها الشرع بل يكون جميع أنواع البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء والصلاة في جوف الليل والعمرة في رمضان ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلا فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حضل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر. فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع وهذه كانت صفة عبادة النبي ﷺ) ثم ساق حديث (الصحيحين) عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر ويفطر حتى نقول: لا يصوم. وحديث علقمة قال: قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يخص من الأيام شيئا؟ قالت: لا كان عمله ديمة. ثم قال: (قال محمد بن سلمة: ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد قباء قال: وكره أن يعد له يوما بعينه فيؤتى فيه خوفا من البدعة وأن يطول =
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وكذلك الاستدلال بالحديث على جواز التخصيص المذكور ليس بجيد أيضا إلا أن يكون المراد به التخصيص مراعاة للمصلحة لا ترجيحا ليوم على آخر بدون نص من النبي ﷺ مثال ذلك تخصيص يوم للتدريس أو إلقاء محاضرة ليجتمع الناس لسماع ذلك فهذا لا مانع منه لأن اليوم ليس مقصودا بالذات ولذلك ينتقل منه إلى غيره مرارا ملاحقة للمصلحة وهذا بخلاف تخصيص بعض الأيام ببعض العبادات بزعم أنها فيها أفضل منها في غيرها كتخصيص ليلة العيدين بالقيام والعبادة وتخصيص يومهما بالزيارة - أعني زيارة القبور - وتخصيص شهر ربيع الأول بقراءة قصة مولد الرسول ﵊ فكل هذا وأمثاله بدع ومنكرات يجب نبذها والنهي عنها ولذلك لما استدل النووي في (شرح مسلم) بالحديث على جواز التخصيص قال:
(وكره ابن مسلمة المالكي ذلك ولعله لم تبلغه هذه الأحاديث)
قلت: هذا بعيد والأقرب أنها بلغته ولكنه لم يفهم منها ما ذهب إليه النووي وغيره وقد بينا ما هو الحق عندنا في المسألة. والله أعلم
_________________
(١) = بالناس زمان فيجعل ذلك عيدا يعتمد أو فريضة تؤخذ ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجئ فيه بدعة. قلت: وقد صح أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت. ولكن معنى هذا انه كان يزوره في كل أسبوع وعبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ونظيره ما في (الصحيحين) من حديث أنس بن مالك ﵁ في استسقاء النبي ﷺ يوم الجعة قال فيه: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا. والله أعلم)
[ ٢ / ٥٧٧ ]
(فائدة): قال شيخ الإسلام في (الفتاوى) (٢/ ١٨٦):
(ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد واحتجوا بأن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا ولا حجة لهم فيه لأن قباء ليس مشهدا بل مسجد وهي منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة لأن ذلك ليس بسفر مشروع بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد)
قلت: ولهذا قلنا:
(ولكن لا يجوز أن يشد الرحل إليه للحديث السابق)
وهو قوله ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . . الحديث) وليس هذا منها
تلك هي المساجد الأربعة التي جاء النص بتفضيلها على غيرها من المساجد فأما هذه فإنها سواء في الفضل وإن كان الأقدم منها أفضل لكونها أبعد عن أن تكون بنيت للإضرار والفخر والمباهاة كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وأما ما نقله ابن عابدين في (الحاشية) (١/ ١٤) عن كتاب (أخبار الدول) بالسند إلى سفيان الثوري أن:
(الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة)
فهو مع كونه موقوفا على سفيان الثوري فإنه لا يصح عنه وهو منكر
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وقد رواه ابن عساكر في (تاريخه) من طريق أحمد بن أنس بن مالك: أنبأنا حبيب المؤذن: أنبأنا أبو زياد الشعباني أو أبو أمية الشعباني قال: كنا بمكة فإذا رجل في ظل الكعبة وإذا هو سفيان الثوري فقال رجل: يا أبا عبد الله ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ قال: بمائة ألف صلاة. قال: ففي مسجد رسول الله ﷺ؟ قال: بخمسين ألف صلاة. قال: ففي بيت المقدس؟ قال: بأربعين ألف صلاة. قال: ففي مسجد دمشق؟ قال: بثلاثين ألف صلاة
ثم رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن أحمد بن أنس فقال فيه:
(عن أبي زياد وأبي أمية بغير شك)
وأيا ما كان فهذا سند ضعيف مجهول: أبو زياد الشعباني الظاهر أنه خيار بن سلمة أبو زياد الشامي قال الحافظ في (التقريب):
(مقبول من الثالثة)
وأما قرينه أبو أمية الشعباني فهو يحمد - بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم وقيل: بفتح أوله والميم - وقيل: اسمه عبد الله قال الحافظ:
(مقبول من الثانية)
وأما أحمد بن أنس بن مالك وحبيب المؤذن فلم أجد من ترجمهما غير هذا الأخير فأورده ابن عساكر فترجمه بقوله:
(كان يؤذن في مسجد سوق الأحد)
ولم يزد على ذلك
[ ٢ / ٥٧٩ ]
ثم إن سفيان الثوري ﵀ هو ممن روى حديث أبي هريرة المتقدم رقم (٦) بلفظ:
(صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد. . .)
فيبعد أن يصح عنه من قوله ما يخالف ما رواه هو نفسه عن النبي ﷺ فيغلب على الظن أن هذه الرواية مدسوسة عليه لمخالفتها للأحاديث الصحيحة
نعم روي عن أنس مرفوعا بلفظ:
(صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣١ - ٤٣٢) من طريق أبي الخطاب الدمشقي: ثنا زريق أبو عبد الله الألهاني عنه. قال في (الزوائد):
(إسناده ضعيف لأن أبا الخطاب الدمشقي لا يعرف حاله وزريق فيه مقال حكي عن أبي زرعة أنه قال: لا بأس به وذكره ابن حبان في (الثقات) وفي (الضعفاء) وقال: ينفرد بالأشياء لا يشبه حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق)
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وقال الحافظ في (التقريب) إنه:
(صدوق له أوهام)
قلت: وهذا الحديث من أوهامه إن كان أبو الخطاب قد حفظه منه وإلا فأبو الخطاب لا يعرف كما سبق وقال الحافظ:
(إنه مجهول). وقال الذهبي في (الميزان):
(ليس بالمشهور) ثم ساق له هذا الحديث ثم قال:
(هذا منكر جدا)
ونعم ما قال
وقد أخرج الحديث ابن عساكر أيضا في ترجمة مسجد دمشق من طرق عن أبي الخطاب به
ومن هذا القبيل ما أخرجه ابن عساكر أيضا من طريق هشام بن عمار: أنبأنا الحسن بن يحيى الخشني: (أن النبي ﷺ ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق). وقال:
(هذا منقطع)
قلت: بل هو معضل فإن بين النبي ﷺ وبين الخشني هذا مفاوز وقد قال فيه الحافظ في (التقريب):
(صدوق كثير الغلط من الثانية مات بعد التسعين. يعني: والمائة)
[ ٢ / ٥٨١ ]
وقد ساق له الذهبي في (الميزان) منكرات منها ما رواه بسنده عن أنس مرفوعا:
(ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين يوما حتى يرد الله إليه روحه) ثم قال:
(مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي بين عالية وعويلية)
رواه ابن حبان وساق إسناده إليه وقال:
(وهذا باطل موضوع)
وأخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات)
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن (رجلين اختلفا في الصلاة في جامع بني أمية: هل هي بتسعين صلاة كما زعموا أم لا؟ وقد ذكروا أن فيه ثلاثمائة نبي مدفون فهل ذلك صحيح أم لا؟ وقد ذكروا أن النائم بالشام كالقائم بالليل بالعراق وذكروا أن الصائم المتطوع في العراق كالمفطر بالشام وذكروا أن الله خلق البركة إحدى وسبعين جزءا منها جزء واحد بالعراق وسبعون بالشام فهل ذلك صحيح أم لا؟)
فأجاب:
(الحمد لله لم يرد في جامع دمشق حديث عن النبي ﷺ بتضعيف الصلاة فيه ولكن هو من أكثر المساجد ذكرا لله تعالى ولم يثبت أن فيه عدد الأنبياء المذكورين وأما القائم بالشام أو غيره فالأعمال بالنيات فإن المقيم
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فيه بنية صالحة فإنه يثاب على ذلك وكل مكان يكون فيه العبد أطوع لله فمقامه أفضل وقد جاء في فضل الشام وأهله أحاديث صحيحة ودل القرآن على أن البركة في أربعة مواضع ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه في غيره وفيه من ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق ما لا يوجد في غيره. وأما ما ذكر من حديث الفطر والصيام وأن البركة إحدى وسبعون جزءا بالشام والعراق على ما ذكر فهذا لم نسمعه عن أحد من أهل العلم. والله أعلم). (الفتاوى) (١/ ٣١١)
قلت: ولو ثبت أن فيه الأنبياء المذكورين فهو غير مستلزم لفضيلة قصد الصلاة فيه كما يتوهم بعض الناس بل هو منهي عنه أشد النهي لأنه من اتخاذ القبور مساجد وقد نهينا عن ذلك كما سبق ولذلك قال شيخ الإسلام أيضا ﵀ في (الفتاوى) (٤/ ٣١٠):
(وما يفعله بعض الناس من تحري الصلاة والدعاء عند ما يقال: إنه قبر نبي أو قبر أحد من الصحابة والقرابة أو ما يقرب من ذلك أو إلصاق بدنه أو شيء من بدنه بالقبر أو بما يجاور القبر من عود وغيره كمن يتحرى الصلاة والدعاء في قبلي شرقي جامع دمشق عند الموضع الذي يقال: إنه قبر هود - والذي عليه العلماء أنه قبر معاوية بن أبي سفيان - أو عند المثال الخشب الذي يقال: تحته رأس يحيى بن زكريا ونحو ذلك فهو مخطئ مبتدع مخالف للسنة فإن الصلاة والدعاء بهذه الأمكنة ليس له مزية عند أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا كانوا يفعلون ذلك بل كانوا ينهون عن مثل
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ذلك كما نهاهم النبي ﷺ عن أسباب ذلك ودواعيه وإن لم يقصدوا دعاء القبر والدعاء به فكيف إذا قصدوا ذلك؟) ثم قال:
(وأما الدعاء لأجل كون المكان فيه قبر نبي أو ولي فلم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها إن الدعاء فيه أفضل من غيره ولكن هذا مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من المشركين فأصله من دين المشركين لا من دين عباد الله المخلصين كاتخاذ القبور مساجد فإن هذا لم يستحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها ولكن ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة لمن لعنهم رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى)
هذا وإذ قد انتهينا من بيان أفضل المساجد وما يتعلق بها فلنشرع بذكر ما للمساجد عامة من الآداب والأحكام الخاصة بها فأقول:
(ذلك ولما كانت المساجد عامة أحب البقاع إلى الله تعالى كما سبق فقد شرع لها الشارع الحكيم أحكاما خاصة بها دون سائر الأماكن وهي على ثلاثة أقسام:
(أ) الآداب
(ب) النواهي
(ج) المباحات
فإليك بيانها على هذا الترتيب:
[ ٢ / ٥٨٤ ]