الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه. وبعد:
فهذا هو كتاب "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" لفضيلة الإمام المحدِّث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀، وأسكنه فسيح الجنان -، يخرج إلى قرائه ومحبيه ليرى النور بعد عقود مضَتْ عليه وهو حبيس مكتبة الشيخ - ﵀ -، فقد انتهى تدوين هذا الكتاب سنة (١٣٦٦هـ) - كما وجدناه على غلاف الكتاب بخط المؤلف -، وما هذا من الشيخ - ﵀ - إلا درس عملي لأولئك المتعالمين الذين رَأَيْنا بعضَهُم يبيعُ كُتُبًا للناشرين لم تُكْتَبْ بعدُ، بل ليست عندهم إلا مجرد فكرة، فإذا قبضوا المعلوم بدؤوا يُحَوِّشون من هنا وهناك، ويجمعون وينفخون، حتى يصير الغلافُ مجلدًا والمجلدُ مجلدات، ثم بعد ذلك يظهرون بمظهر المحققين والمعلِّقين و إلى غير ذلك من الكلمات اللامعة البراقة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والذي يظهر لنا أن شيخنا الإمام لم يُنْهِ هذا الكتاب، وأنه انتهى إلى ما وصل إليه منه قبل سنة (١٣٧٠هـ)؛ كما يدل على هذا رأيه في سكنى المهجَّرين الفلسطينيين المساجد أيام نكبة (١٩٤٨م)، فراجع (ص ٨٢٠) من هذا الكتاب.
هذا؛ ولسنا بحاجة إلى التعريف بمزايا وخصائص هذا الكتاب؛ إذ هي واضحة لكل قارئ - إن شاء الله تعالى -؛ إلا أننا نجد أنفسنا مضطرين إلى ذكر بعض تلك المزايا، فنقول: أهمها:
[ ١ ]
١ - تجد شيخنا - ﵀ - غيورًا على التوحيد أيَّما غيرة منذ نشأته، فتراه يفرد هنا أكثر من عشرين صفحة (ص ٣٥٧ - ٣٨٠) في النهي عن الصلاة في المقابر والمساجد المبنية على القبور.
٢ - رغم المنزلة التي تبوأها شيخنا - ﵀ - خاصة في علم الحديث؛ إلا أننا نجده تقيًا ورعًا في مسألة التصحيح والتضعيف؛ فتراه - مثلًا - يستخير الله تعالى في تصحيح أو تضعيف بعض الأحاديث؛ كما في (ص ٥٤٣).
٣ - تجد شيخنا - كما في سائر مصنفاته - طاويًا عَلَمَ التعصب غيرَ هيّابٍ ولا متلكئ، ناشرًا راية الاتباع لإمام الأئمة - ﷺ -، حتى عُرِف بهذا واشتَهر به. ٤ - تجد شيخنا معظِّمًا السلفَ الصالح منذ نشأته، فلا يُقْدِمُ على قول ليس له فيه إمام، كما يظهر ذلك جليًا هنا في (ص ٢١٤،٦٢٨).
٥ - كما تجد رأي شيخنا - ﵀ - في بعض المسائل القليلة في هذا الكتاب غَيرَ رأيه الذي مات عليه، ووجدناه في كتبه المتأخرة الطبع؛ كما في مسألة عدم جواز إتيان الحائض التي طهرت حتى تغتسل (ص هـ٤)، فانظر رجوعه في "آداب الزفاف" (ص ١٢٥ - ١٢٩ - طبع المكتبة الإسلامية)، وكما في مسألة حدِّ عورة الرجل (ص ٢٤٦)، فقارنه بـ "تمام المنة" (ص ١٥٩)، وكذلك تراه يتراجع عن تصحيح أو تضعيف بعض الأحاديث؛ كما في حديث: "من حافظ على الصلاة " الآتي (ص ٥٢)، فقارنه بـ "ضعيف الترغيب" (رقم ٣١٢) وغير ذلك. وتلك مزية لا يُقْبِلُ عليها إلا من يتّقي اللهَ تعالى فيما يكتب، ولا يأبه لكلام الناس؛ إذ تغيُّر الاجتهاد - للأسباب المعروفة
[ ٢ ]
في هذا الباب - هو شأن أهل العلم منذ أن قام في الناس الاجتهاد.
ولا يفوتنا التنبيه على أن هذا الكتاب، كان في بداياته عبارة عن رؤوس أقلام لمسائل سجّلها الشيخ - ﵀ -؛ تذكيرًا له لما سيتناوله في دروسه الفقهية للشباب في سوريا قديمًا؛ لذا نجده يذكر طرف المسألة ثم أطراف الأدلة أو ما يشير إليها، ثم بدا للشيخ - ﵀ - الإسهابُ وتأليفُ كتابٍ يستعرضُ فيه المسائل مع ذكر أدلتها من القرآن وصحيح السنة؛ لذا نجده - ﵀ - في أوائل الكتاب - وفي حدود بضع عشرة صفحةً يذكرُ مصادر التخريج رموزًا دون ذكر الجزء والصفحة، ثم بعد ذلك بدأ بذكر بعض الأسانيد والكلام عليها، وتخفيف الرموز واستبدال الأسماء بها مع ذكر الجزء والصفحة لتلك المصادر؛ إلا نادرًا جدًا.
وتيسيرًا للقارئ نذكر ههنا مدلولات تلك الرموز المستعملة، وهاكها:
الرمز = مدلوله الرمز = مدلوله
خ = البخاري يعلى = أبو يعلى
م = مسلم طب = الطبراني في "الكبير"
حم = أحمد طس = الطبراني في "الأوسط"
د = أبو داود مس = الحاكم في "المستدرك"
ن = النسائي هق = البيهقي في "الكبرى"
ت = الترمذي حب = ابن حبان في "صحيحه"
مج = ابن ماجه خز = ابن خزيمة
مي = الدارمي قط = الدارقطني
طيا = الطيالسي طحا = الطحاوي
[ ٣ ]
هذا؛ وليعلم القارئ الكريم أن شيخنا - ﵀ - كان يرجع إلى كتابه هذا بين الفينة والفينة، مضيفًا وحاذفًا، منقحًا ومحققًا - وإن كانت التعديلات قليلة؛ نظرًا لتزاحم أعمال الشيخ -، وقد عاجلَتْهُ المنيّة قبل إتمامه. فحرصنا على إخراجه في أحسن حلة، ودقّقنا المطبوع على أصل الشيخ، وجعلناه في مجلدين؛ ينتهي المجلد الأول بـ (ص ٥١٤)، ويبدأ المجلد الثاني بـ (ص ٥١٥) وينتهي بـ (ص ٨٥١)، وصنعنا له فهارس علمية مختلفة؛ لتسهل المراجعة، ولتتم الفائدة، فكان منها فهرس الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وفهرس الرجال المتكلم فيهم جرحًا وتعديلًا، وفهرس الغريب، وفهرس المواضيع والفوائد.
فنسأل اللهَ تعالى أن ينفع به المسلمين جميعًا، وأن يجعله في ميزان حسنات شيخنا، وأن يكتب لنا أجر التعاون على البر والتقوى.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
٥ / جمادى الأولى / ١٤٢٢هـ
الناشر
[ ٤ ]
الثمر المستطاب
في فقه السنة والكتاب
بقلم
محمد ناصر الدين الألباني
الطبعة الأولى
غراس للنشر والتوزيع
[ ١ ]