أ - المسجد الحرام لقوله ﵊: (صلاة في المسجد الحرام أفضل مما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة)
هو من حديث أبي الدرداء مرفوعا
[ ٥٠٥ ]
أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة في (صحيحه) كما في (الترغيب) وتمامه:
(وصلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه وصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل مما سواه من المساجد بخمسائة صلاة)
ورواه الطبراني في (الكبير) بنحوه قال الهيثمي:
(ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن). وقال المنذري:
(ورواه البزار وقال: إسناده حسن. كذا قال)
وفيه إشارة إلى أنه ليس كما قال البزار وقد نقل قوله هذا الحافظ أيضا في (الفتح) وأقره حيث لم يتعقبه بشيء فالله أعلم
وللحديث شواهد:
منها عن عبد الله بن الزبير مرفوعا بلفظ:
(صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا)
أخرجه الطحاوي وأحمد من طريق حماد بن زيد قال: ثنا حبيب المعلم عن عطاء عنه
وهذا سند صحيح على شرط الستة وصححه ابن حبان فرواه هو وابن خزيمة في (صحيحيهما) كما في (الترغيب) قال:
[ ٥٠٦ ]
(ورواه البزار وإسناده صحيح أيضا)
ورواه الطبراني أيضا كما في (المجمع) وقال:
(ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح)
وقد رواه الطيالسي عن الربيع بن صبيح قال: سمعت عطاء بن أبي رباح به نحوه. قال ابن عبد البر:
(اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه ومن رفعه أحفظ وأثبت ومثله لا يقال بالرأي)
ولعطاء فيه إسناد آخر فرواه عن جابر بن عبد الله مرفوعا بلفظ:
(وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)
والباقي مثله سواء
أخرجه ابن ماجه والطحاوي وأحمد من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم بن مالك عنه به
وهذا سند صحيح أيضا كالذي قبله وقال المنذري:
(رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين)
كذا قال وهو موهم أن له طريقين عن جابر وليس كذلك فلو قال: بإسناد صحيح. كما عليه العمل لكان أصح في التعبير وأبعد عن الإيهام وقال الحافظ:
[ ٥٠٧ ]
(ورجال إسناده ثقات لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير)
ولعطاء فيه إسناد ثالث رواه ابن عمر أيضا وسيأتي في الكلام على المسجد النبوي
وأما ما رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث عائشة ﵂ مرفوعا بلفظ:
(صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في غيره)
ففي إسناده سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف كما قال الهيثمي
قال الحافظ:
(واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة وهو قول الجمهور وحكي عن مالك وبه قال ابن وهب ومطرف وابن حبيب من أصحابه لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة واستدلوا بقوله ﷺ: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) (ويأتي تخريجه) مع قوله: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها). قال ابن عبد البر: هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة. ثم ساق
[ ٥٠٨ ]
حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة فقال: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت). وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه والله أعلم. وقد رجع عن هذا القول كثير من المصنفين من المالكية. قال: واستدل به على تضعيف الصلاة مطلقا في المسجدين وقد تقدم النقل عن الطحاوي وغيره أن ذلك مختص بالفرائض لقوله ﷺ: (أفضل صلاة المرء في يته إلا المكتوبة). ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة في بيت المدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما وكذا في المسجدين وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا)
(وقوله: (خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم ﵇ ومسجدي)
أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة: ثنا أبو الزبير عن جابر مرفوعا
وابن لهيعة سيئ الحفظ
وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه. ومع ذلك قال الهيثمي:
(رواه أحمد والطبراني في (الأوسط) وإسناده حسن)
[ ٥٠٩ ]
ولعل ذلك لمجيئه من طريق أخرى فقد أعاده هو نفسه بعد صفحة بلفظ:
(ومسجد محمد ﷺ). والباقي مثله. ثم قال:
(رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثقه غير واحد وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال (الصحيح)
وأورده السيوطي في (الجامع) بلفظ
(مسجدي هذا والبيت العتيق). وقال:
(رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في (صحيحه) ورمز له بالصحة) (١)
وله شاهد من حديث عائشة بلفظ:
(أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل: المسجد الحرام ومسجدي صلاة في مسجدي أفضل من الف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام). قال في (المجمع):
(رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف)
(وهو أول مسجد بني على وجه الأرض وقد قال أبو ذر:
_________________
(١) ثم وجدته في (المسند) (٣/ ٣٥٠) بهذا اللفظ من طريق الليث بن سعد عن أبي الزبير به وهذا سند صحيح على شرط مسلم والليث لا يروي عن أبي الزبير إلا ما سمعه من جابر كما تقرر في محله ورواه الحافظ في (الرحمة الطيبية) وصححه فانظر (٢/ ٢٥٤) من المجموعة المنيرية)
[ ٥١٠ ]
(قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال:
(المسجد الحرام قلت: ثم أي؟ قال: ألمسجد الأقصى)
الحديث تمامه:
قلت: كم كان بينهما؟ قال:
(أربعون سنة وأينما أدركت الصلاة فصله فإنه مسجد)
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي والطيالسي وأحمد من طرق عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عنه
وقد تابعه عن إبراهيم: أبو عوانة واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري
أخرجه أحمد
والحديث دليل صريح على أن مسجد مكة هو أول بيت وضع للعبادة قال ابن العربي في (أحكام القرآن):
(وهذا رد على من يقول: كان في الأرض بيت قبله يحجه الملائكة). وقال الحافظ ابن كثير في (البداية):
(ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان بيتا قبل الخليل ﵇ ومن تمسك في هذا بقوله تعالى: ﴿مكان البيت﴾ [الحج: ٢٦]
[ ٥١١ ]
فليس بناهض ولا ظاهر لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت وإن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة وقد قال تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة. . .﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية)
وقد روي في حديث أن أول من بناه هو آدم ﵇ ولكنه ضعيف كما يأتي
وقد استشكل من الحديث قوله: (إن بين المسجدين المسجد الحرام والأقصى أربعين سنة) لأن باني الأقصى هو سليمان ﵇ كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو الآتي قريبا إن شاء الله وبينه وبين إبراهيم ﵇ أكثر من ألف عام على ما قاله أهل التاريخ ثم إن في نص القرآن - كما قال الحافظ - أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة لعل أقربها قول الخطابي:
(يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ثم داود وسليمان زادا فيه ووسعاه فأضيف إليها بناؤه)
وانظر تمام الكلام والأجوبة عن الإشكال في (الفتح) و(المرقاة)
[ ٥١٢ ]
وقد جزم الحافظ ابن كثير في (البداية) (أن إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - هو أول من بنى المسجد الأقصى وأن سليمان ﵇ جدده بعد ذلك)
وإذا صح هذا فهو قريب مما أفاده الحديث من المدة بين المسجدين. والله أعلم
(وهذا الحديث يبين المراد من قوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ أي: أول بيت وضع للعبادة)
قال الحافظ في شرح الحديث السابق:
(وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: ﴿إن أول بيت. . .﴾ الآية ويدل على أن المراد بالبيت: بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي أخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم وغيرهما بإسناد صحيح عنه قال:
كانت البيوت قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله
قلت: ورواه بنحوه الحاكم وقال:
(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي
وقال الحافظ ابن كثير في (التفسير):
(وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا والصحيح قول علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه (دلائل النبوة) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا:
[ ٥١٣ ]
(بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة فبناه آدم ثم أمر بالطواف به وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس) فإنه - كما ترى - من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف والأشبه - والله أعلم - أن يكو هذا موقوفا على عبد الله بن عمرو ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب)
(ومما اختص به دون سائر المساجد جواز الصلاة النافلة فيه في كل وقت حتى أوقات الكراهة لقوله ﵊: (يا بني عبد مناف إن كان إليكم من الأمر شيء فلا أعرفن ما منعتم أحدا يصلي عند هذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار)
الحديث من رواية جبير بن مطعم مرفوعا
أخرجه الدارقطني في (سننه) وأحمد من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الله بن بابيه يخبر عنه
وهذا سند صحيح متصل بالسماع وهو على شرط مسلم. وقد أخرجه ابن حبان في (صحيحه كما في (التلخيص) وأخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم عن ابن عيينة عن أبي الزبير به نحوه وصححه الترمذي والحاكم وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى مع شواهده في محله
انتهى المجلد الأول من كتاب (الثمر المستطاب ويليه المجلد الثاني ويبدا بفضل المسجد النبوي]. الناشر)
[ ٥١٤ ]