ومن لم يجد الماء تيمم مسافرا كان أم غير مسافر قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ([النساء / ٤٣]
وكانوا مع رسول الله ﷺ في سفر فصلى بالناس فإذا هو برجل معتزل فقال: (ما منعك أن تصلي؟) قال: أصابتني جنابة ولا ماء قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (متفق عليه)
وتيمم ﵊ في المدينة لرد السلام
ويتيمم بما على وجه الأرض ترابا كان أو غيره كما تيمم ﵇ بالحائط. ولعموم قوله: (وجعلت لي الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا). وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما واختاره ابن حزم (٢/ ١٥٨ - ١٦١)
ويصلي به ما شاء من الصلوات الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء:
(إن
[ ٣١ ]
الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) (د ت: صح حم عن أبي ذر) وله شاهد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح كما قال ابن القطان. قلت: ورجاله رجال البخاري بلفظ: (فليتق الله ويمسه بشرته) انظر الزيلعي (١/ ١٤٨ - ١٥٠). وهو قول ابن المسيب والحسن البصري والزهري وأبو جعفر الباقر ويزيد بن هارون. (المحلى) (٢/ ١٢٨)
فإذا وجد الماء فإنه لا يعيد ما صلى وهو مذهب الأربعة قال أبو سعيد: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين) (د ن) وغيرهما انظر (نقد التاج)
ولا يبطله إلا ما يبطل الوضوء من النواقض وإلا وجدان الماء لحديث أبي ذر وأبي هر المتقدمين ولقوله - في حديث الذي اعتزل الصلاة وراءه وهو جنب وقد مر قريبا -: وكان آخر ذلك أن أعطى ﷺ الذي أصابته الجنابة إناء من ماء وقال: (أذهب فأفرغه عليك)
ويتيمم الجنب للجرح مع وجود الماء: الوليد بن عبيد الله بن أبي رياح أن عطاء حدثه عن ابن عباس أن رجلا أجنب في شتاء فسأل فأمر بالغسل
[ ٣٢ ]
فاغتسل فمات فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (ما لهم قتلوه قتلهم الله - ثلاثا - قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورا). أخرجه الحاكم (١/ ١٦٥) وابن خزيمة وابن حبان وقال الأول صحيح. ووافقه الذهبي وهو عجيب منه فإنه قد ذكر في (ميزانه) أن الوليد هذا ضعفه الدارقطني
ولكنه قد توبع عليه فقد أخرجه أبو داود (١/ ٥٦) وابن ماجه (٢٠٢) والدارمي (١٩٢) والحاكم أيضا (١/ ١٧٨) من طريق الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح به نحوه وفيه أن الرجل أصابته جراحه وفيه آخره: آلم يكن شفاء العي السؤال؟
وفي رواية للحاكم عن بشر بن بكر: ثني الأوزاعي: ثنا عطاء به. وهذا لو ثبت لكان صحيحا ولكن علته أن الأوزاعي لم يسمعه من عطاء إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء
قلت: وإسماعيل هذا ضعيف ولكن يقويه متابعة الوليد له كما سبق وكذا تابعه الزبير بن خريق ولكن خالفه في الإسناد فقال: عن عطاء عن جابر به أتم منه. أبو داود (٥٦) والدارقطني (٦٩) وقال: لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق وليس بالقوي وصححه ابن السكن كما في (النيل) (٢٢٤)
وبالجملة فالحديث قوي ثابت بهذه المتابعات
[ ٣٣ ]
ويتيمم لخوف البرد: عن عمرو بن العاص قال احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إن اله كان بكم رحيما ([النساء / ٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا. أخرجه أبو داود وغيره مقطوعا وموصولا وكلاهما صحيح وقواه الحافظ في (الفتح) وتكلمنا عليه مفصلا في (نقد التاج) رقم (٤٥)
وإذا لم يكف الماء للوضوء وللغسل يستعمله في غسل أعضاءه الأول فالأول ثم يتيمم للباقي لقوله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (متفق عليه) وهو مذهب ابن حزم (٢/ ١٣٧)