وثبت عنه ﷺ أنه مسح على الجوربين وهو حديث صحيح ومن أعله فلا حجة له. قال أبو داود بعد أن خرجه: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين وليس بالمتصل ولا بالقوي. وقد أخرجه الطحاوي (١/ ٥٨) وقال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس
والجوربان بمنزلة الخفين في المسح كما قال سعيد بن المسيب وغيرها كما في
[ ١٥ ]
(المحلى) (٢/ ٨٦) فلهما حكمهما. ولا يشترط فيهما التجليد في أسفلهما ولا أن يثبتا بأنفسهما ولذلك نص أحمد أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما كما نقله شيخ الإسلام في (الفتاوى) (١/ ٢٦٢) وعليه يجوز المسح على الجوارب الرقيقة إذا كانت مشدودة بسوار من المطاط كما هو المستعمل اليوم. وصرح ابن حزم (٢/ ٨١) بجواز ذلك حتى ولو كان من الحرير للمرأة خاصة
وثبت أيضا أنه ﵊ كان يمسح على النعلين. رواه أبو داود من حديث المغيرة
ثم أخرجه أحمد (٤/ ٩ و١٠) من حديث أوس بن أبي أوس وكذا الطبراني في (الكبير) كلاهما من طريق حماد بن سلمة وشريك كلاهما عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس قال:
رأيت أبي يوما توضأ فمسح على النعلين فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل
وهذا سند صحيح
وقد رواه أبو داود من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه
وهذا مخالف للأول سندا ومتنا:
[ ١٦ ]
أما الأول فقد جعله من مسند أوس وأدخل بينه وبين يعلى بن عطاء عطاء أبا يعلى
وأما المتن فقد زاد فيه: وقدميه
وقد أخرجه أحمد (٤/ ٨) من هذا الوجه دون قوله: ومسح على نعليه وقدميه. والرواية الأولى عندي أصح لاتفاق ثقتين عليها: حماد وشريك ومخالفهما - وهو هشيم - كثير التدليس كما في التقريب وقد عنعنه
ورواه أحمد (١/ ١٤٨) والدارمي (١/ ١٨١) من حديث علي ﵁ قال - والسياق للأول -: ثنا أبو نعيم: ثنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خير قال: رأيت عليا ﵁ توضأ ومسح على النعلين ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين هو أحق بالمسح من ظاهرهما. وهذا إسناد صحيح
وقد تابعه الأعمش عن أبي إسحاق بلفظ قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما. أخرجه أحمد (١/ ١١٤، ١٢٤)
وكأن بعض الرواة اختصر منه ذكر النعلين فهو محمول على المسح من على النعلين بدليل الرواية الأولى
وكذلك رواه السدي عن عبد خير بنحوه وفيه: ومسح على نعليه ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر ما لم يحدث
[ ١٧ ]
أخرجه أحمد (١/ ١٢٠) عن سفيان عنه
لكن أخرجه أحمد أيضا (١/ ١١٦) من طريق شريك عن السدي به بلفظ: ومسح على ظهر قدميه ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر قدميه رأيت أن بطونهما أحق
فيقال في هذه ما قلناه في الرواية عن أبي إسحاق لا سيما وأن شريكا سيء الحفظ فرواية سفيان عن السدي أصح
ثم إنه قد تابعه أيضا ابن عبد خير عن أبيه بلفظ: فغسل ظهور قدميه وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يغسل ظهور قدميه لظننت أن بطونهما أحق بالغسل. أخرجه أحمد أيضا (١/ ١٢٤) من طريق إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان عن أبي السوداء عن ابن عبد خير. ثم قال: ثنا إسحاق: ثنا سفيان مرة أخرى قال: رأيت عليا ﵁ توضأ فسمح على ظهورهما. وهذا سند صحيح. وأبو السوداء اسمه عمرو بن عمران وابن عبد خير اسمه المسيب وهما ثقتان. فهذه الروايات كلها تفسرها الرواية الأولى وإلا فهي بظاهرها حجة للشيعة
وأما الرواية الأخرى عند أحمد أيضا (١/ ١٣٩ و١٤٤ و١٥٩) من طريق عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أنه شهد عليا ﵁ صلى الظهر ثم جلس في الرحبة في حوائج الناس فلما حضر العصر أتى بتور فأخذ حفنة ماء فمسح يديه وذراعيه ووجهه ورأسه ورجليه. . . الحديث فهو محمول على
[ ١٨ ]
الغسل بدليل أن المسح قد استعمل في هذه الرواية في جميع الأعضاء وذا لا يجوز باتفاق المسلمين قال في (النهاية): والمسح يكون مسحا باليد وغسلا
وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط البخاري
هذا وحديث علي ﵁ في المسح على النعلين رواه ابن خزيمة أيضا وأحمد بن عبيد الصفار كما في (نيل الأوطار) (١/ ١٥٨) وفي الباب عن ابن عباس عند ابن حبان والبيهقي كما في (الاختيارات) لشيخ الإسلام (٨) وعن أنس عند البيهقي
قلت: ورواه الدولابي في (الكنى) (٢/ ٩٦) عن هميان بن ثمامة الزماني قال: ثني راشد أبو محمد الحماني قال: رأيت أنس بن مالك توضأ فمسح على نعليه وصلى
وهميان هذا لم أجد من ذكره وبقية رواته ثقات
وثبت المسح عليهما عن ابن مسعود وعن عمرو بن حريث. أخرجهما الطبراني في (الكبير) وإسناد الأول رجاله موثقون والآخر رجاله ثقات كما في (المجمع)
وذهب إلى جواز المسح عليهما الأوزاعي وكذا ابن حزم في (المحلى) (٢/ ١٠٣) فقول شيخ الإسلام في (الفتاوى) (١/ ٢٦٦) أنه (لا يجوز المسح عليهما باتفاق المسلمين) مدفوع بما ذكرنا
ومن الغريب أنه حمل المسح هنا على الرش فذكر في موضع آخر: (إن
[ ١٩ ]
الرجل لها ثلاثة أحوال: الكشف له الغسل وهو أعلى المراتب والستر المسح وحالة متوسطة وهي في النعل فلا هي مما يجوز المسح ولا هي بارزة فيجب الغسل فأعطيت حالة متوسطة وهو الرش وحيث أطلق عليها لفظ المسح في هذا الحال فالمراد به الرش وقد ورد الرش على النعلين والمسح عليهما في (المسند) من حديث أوس بن أبي أوس. ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس) كذا في (الاختيارات) (٨)
وليس في شيء من هذه الأحاديث ذكر الرش لا في المسند ولا في غيره من حديث أوس بن أبي أوس ولا من حديث غيره اللهم إلا في حديث آخر عن علي ﵁ أنه قال: يا ابن عباس ألا أتوضأ لك وضوء رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى - فداك أبي وأمي -. قال: فوضع له إناء فغسل يديه ثم مضمض واستنشق واستنثر ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه وألقم إبهامه ما أقبل من أذنيه قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثا ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته ثم أرسلها تسيل على وجهه ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم يده الأخرى مثل ذلك ثم مسح برأسه وأذنيه من ظهورهما ثم أخذ بكفيه من الماء فصك بهما على قدميه وفيهما النعل ثم قلبها بها ثم على الرجل الأخرى مثل ذلك. قال: فقلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين
أخرجه الإمام أحمد (١/ ٨٢ - ٨٣) عن محمد بن إسحاق: ثني محمد
[ ٢٠ ]