إن مما يدل على فضل صلاة الجماعة وفضل المبادرة بحضور المسجد أن من خرج إليها فهو في صلاة طال الوقت أو قصر. وهذا فضل من الله ورحمة. دل على ذلك ما ورد عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة .. ".
وفى رواية: "إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يقم من مصلاه أو يحدث .. " (٤).
ورواه مالك موقفًا عن نعيم المجمر أنه سمع أبا هريرة -﵁- يقول: (إذا صلّى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلي) (٥).
قال ابن عبد البر: (في هذا الحديث دليل على أن فضل منتظر الصلاة كفضل المصلي؛ لأنه معلوم أن قوله ﵊: "لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه" لم يرد به أن ينتظر الصلاة قائم ولا أنه راكع ساجد؛ وإنما أراد أن فضل انتظار الصلاة بالقصد إلى ذلك وبالنية فيه كفضل الصلاة، وأن منتظرها كالمصلي في الفضل، ولله أن يتفضل بما شاء على من يشاء فيما شاء من الأعمال، لا معقب لحكمه ولا راد لفضله، ومن الوجه الذي عرفنا فضل الصلاة فيه عرفنا فضل انتظارها، وقد علم الناس أن المصلي في تلاوته وقيامه وركوعه أتعب من المنتظر للصلاة ذاكرًا كان أو ساكتًا، ولكن الفضائل لا تدرك بنظر، ولا مدخل فيها لقياس، ولو أخذت قياسًا لكان من نوى السيئة كمن نوى الحسنة، ولكن الله منعم كريم، متفضل رحيم، يكتب الحسنة بالنية وإن لم تعمل، فإن عملت ضعفت عشرًا إلى سبع مائة، والله
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٩)، ومسلم (١٠٣١).
(٢) التمهيد (٢/ ٢٨٢).
(٣) شرح النووي (٧/ ١٢٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٤، ٦٢٨)، ومسلم (٦٤٩).
(٥) أخرجه مالك (١/ ١٦١).
[ ٤٥ ]
يضاعف لمن يشاء، ولا يؤاخذ عباده المسلمين بما وسوست به صدورهم، ونووا من الشر ما لم يعملوه، وهذا كله لا مدخل فيه للقياس) (١).
وقال أيضًا: (هذا الحديث من أفضل ما يروى في فضل المنتظر للصلاة؛ لأن الملائكة تستغفر له، وفي استغفارهم له دليل على أنه يغفر له -إن شاء الله- ألا ترى أن طلب العلم من أفضل الأعمال. وغنمًا صار كذلك -والله أعلم- لأن الملائكة تضع أجنحتها له بالدعاء والاستغفار ) (٢).
واعلم أن في الموقوف الذي رواه مالك -﵀- فائدة مهمة، وهي أن قوله في رواية البخاري: "ما لم يقم من مصلاه" خرج مخرج الغالب.
والمراد به المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد. فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة كان كذلك -إن شاء الله تعالى- ولا سيما إن كان لغرض يعينه على الانتظار كالانتقال من مكان بارد إلى دافئ أو من حار إلى بارد، أو ليستند إلى حائط ونحو ذلك. بل إن قوله ﵊: "ولا في صلاة ما انتظر الصلاة" يفيد هذا المعنى، والله أعلم (٣).
وقد جعل الله تعالى انتظار الصلاة بعد الصلاة من أسباب محو الذنوب وتطهير العبد من خطاياه، فعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (٤).
فالحديث بعمومه يفيد فضل انتظار الصلاة، والمبادرة بحضور المسجد. فإن الانتظار يشمل انتظار الوقت وانتظار الجماعة، كما يشمل انتظارها في المسجد بالحضور مبكرًا، وانتظارها في البيت أو الشغل أو السوق ليبادر بالحضور، وذلك لتعلق فكره وقلبه بها، فهو دائم الحضور والمراقبة غير ملته عن أفضل العبادات البدنية بشيء (٥).
وتأمل كيف شبه النبي -ﷺ- هذه الأعمال الثلاثة بالرباط الذي هو الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها. مما يؤكد فضل هذه الأعمال وعظيم مكانتها عند الله تعالى.
وقد ورد -أيضًا- في فضل المبادرة إلى المسجد التي من لوازمها توطن المسجد حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشش الله تعالى إليه كما يتبشش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم" (٦).
قال ابن الأثير: (البشّ: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة والإقبال عليه) (٧). وقد بوب ابن
_________________
(١) التمهيد (١٩/ ٢٦، ٤٣).
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر فتح الباري (٢/ ١٣٦)، والفواكه العديدة (١/ ١٠٢).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥١).
(٥) انظر دليل الفالحين (١/ ٣٦٦).
(٦) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٦٢)، والحاكم (١/ ٢١٣). وقال: صحيح على شرط الشيخين، وانظر صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٢٠٢).
(٧) النهاية (١/ ١٣٠).
[ ٤٦ ]
خزيمة على هذا الحديث بقوله: (باب ذكر فرح الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيًا) (١).